رأينا في المقال الأول (الاختيار النبوي) كيف ألهم الله عز وجل نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم حسن الاختيار في المعاش والمعاد، وفي المقال الثاني (التوجيه النبوي في اختيارات الصحابة) كيف كان المربي العظيم يحرص على هذا الأمر في بناء جيل متعلق بالله دائم الصلة به سبحانه، وفي المقال الثالث (التوفيق الإلهي في اختيارات الصحابة رضي الله عنهم) كيف سرى بالفعل نور النبوة إلى قلوب الأصحاب فَوُفِّقُوا في دقيق الأمر وجليله، وكيف أن الرشد المطلوب عادة وشرعا لا بد له من صلة وثيقة بالجناب النبوي، والتصاق كامل بالهدي الشريف. وفي هذا المقال الخاتم نعرج على نموذج معاصر في تحري الرشد “النبوي” “الصحابي” عند الاختيار. ذلكم هو الإمام المجدد الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله.

لا شك أن الله عز وجل قد وفق الإمام فأنهضه إلى تجديد الدين، فكان أن اختار منهاج النبوة طريقا للخلاص، واختار للطليعة من جند الله إرادة وجه الله إحسانا، ونبذ الظلم وحب العدل خلقا وعنوانا. واختار الصحبةَ والجماعةَ والذكرَ والصدقَ أسسا للتربية لازمة، والمحبةَ والنصيحةَ والطاعةَ نواظمَ ثابتة، والإعدادَ للقومة طريقا لاحبة. واختار باقي الخصال صُوًى في الطريق وعلامات، وأصولا للعمل واضحات. ولقد احتاج نَشْرُ ذلك بعد عون الله وتأييده إلى التأليف من أجل التقعيد والتأصيل، وإلى المحاضرة والإلقاء من أجل التبيين والتوضيح، وإلى المجالسة والمصاحبة من أجل الدعوة والتبليغ.

وفي كل مرة كان الأستاذ المرشد رحمه الله يطلع علينا بأسلوب جديد في طرق الإبلاغ وأشكال الدلالة، حرصا على الدعوة أن تستغلظ وتستوي على سوقها، فتُعجبَ الزراعَ وتُغيظ الكائدين. لذلك بدأ منذ سنوات في إصدار ورقات وكتيبات يختار لنا فيها من محكم الكتاب وصحيح السنة، ومن كلام صالحي الأمة ما يدل على الله ويذكر بالآخرة من الوصايا والعظات، والآداب والأشعار المليحات، والأخبار والقصص المأثورات. وجمع كل ذلك تحت اسم “مختارات”. ضمَّنها الإخبارَ بالنبإ العظيم، والحضَّ على التزود للمسير والاستعداد للآخرة، والتحذير مما يقطع الطريق على المجاهد السالك من العوائق والفخاخ والمهالك .

وأملي في هذه الأسطر أن أبرز بعضا من مقاصد هذه “المختارات”، وغيضا من بحار أسرارها الخَفِيَّات، حتى يعلم الجاهل عظيم نفعها، ويظهر للغافل كريمُ أصلها ورشيدُ فرعها، وحتى يتذكر متذكر أن الإمام رحمه الله كان حريصا على أن يختار للأمة ما اختار لها نبيها، وصالحو سلفها، وأنَّ عمله ذلك أمارة على المعين الذي كان منه يمتح، وعلى الزند الذي كان به يقدح.

1. “المختارات” بَذْلٌ لأحسن القول دعوةً وإرشادًا. قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} 1 .

2. “المختارات” تبليغ عن رسول الله كما أمر، وإنفاذ لإيصائه بمَنْ غاب مَنْ حَضَر. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال:َ “بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ” 2 .

3. “المختارات” تعليمٌ للناس الخيرَ. فعن مَكْحُولٌ رحمه الله قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : “فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ”، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}. وقال: “إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَرَضِيهِ وَالنُّونَ فِي الْبَحْرِ يُصَلُّونَ عَلَى الَّذِينَ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ الْخَيْرَ”. وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: مُعَلِّمُ الْخَيْرِ يَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى الْحُوتُ فِي الْبَحْرِ) 3 .

4. “المختارات” نشدان للحكمة ونشر لها فهي ضالة المؤمن. عَنْ السَّكَنِ بْنِ عُمَيْرٍ رحمه الله قَالَ: سَمِعْتُ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ يَقُولُ: يَا بُنَيَّ عَلَيْكَ بِالْحِكْمَةِ فَإِنَّ الْخَيْرَ فِي الْحِكْمَةِ كُلَّهُ، وَتُشَرِّفُ الصَّغِيرَ عَلَى الْكَبِيرِ وَالْعَبْدَ عَلَى الْحُرِّ، وَتزِيدُ السَّيِّدَ سُؤْدُدًا، وَتُجْلِسُ الْفَقِيرَ مَجَالِسَ الْمُلُوك) 4 .

5. “المختارات” هدية من يد الصحبة للتواصي والتحاب. عن شُرَحْبِيلُ بْنُ شَرِيكٍ رحمه الله أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيَّ يَقُولُ: لَيْسَ هَدِيَّةٌ أَفْضَلَ مِنْ كَلِمَةِ حِكْمَةٍ تُهْدِيهَا لِأَخِيكَ) 5 .

6. “المختارات” إحياء لأشواق عمر وأبي الدرداء، وتذكير بهمم الأصحاب الأوفياء. عن سعد بن مسعود أن أبا الدرداء رضي الله عنه قال: لولا ثلاث ما أحببت أن أعيش يوما واحدا : الظمأ لله بالهواجر، والسجود في جوف الليل، ومجالسة قوم ينتقون من خيار الكلام كما ينتقى أطائب التمر) 6 . فها هي الصحبة إذ تنتقي تقتفي، وإذ تختار من خيار الكلام تسير على منهاج الأوائل الأخيار.

7. “المختارات” اختيار لمجالس الذكر والذكرى، والتقرب لمن يعلم السر والنجوى. عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ رحمه الله قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ لُقْمَانَ الْحَكِيمَ كَانَ يَقُولُ لِابْنِهِ : يَا بُنَيَّ لَا تَعَلَّمْ الْعِلْمَ لِتُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ أَوْ لِتُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ أَوْ تُرَائِيَ بِهِ فِي الْمَجَالِسِ، وَلَا تَتْرُكْ الْعِلْمَ زُهْدًا فِيهِ وَرَغْبَةً فِي الْجَهَالَةِ. يَا بُنَيَّ اخْتَرْ الْمَجَالِسَ عَلَى عَيْنِكَ، وَإِذَا رَأَيْتَ قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فَاجْلِسْ مَعَهُمْ فَإِنَّكَ إِنْ تَكُنْ عَالِمًا يَنْفَعْكَ عِلْمُكَ، وَإِنْ تَكُنْ جَاهِلًا يُعَلِّمُوكَ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِمْ بِرَحْمَتِهِ فَيُصِيبَكَ بِهَا مَعَهُمْ. وَإِذَا رَأَيْتَ قَوْمًا لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فَلَا تَجْلِسْ مَعَهُمْ، فَإِنَّكَ إِنْ تَكُنْ عَالِمًا لَا يَنْفَعْكَ عِلْمُكَ، وَإِنْ تَكُنْ جَاهِلًا زَادُوكَ غَيًّا، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِمْ بِعَذَابٍ فَيُصِيبَكَ مَعَهُمْ) 7 .

8. “المختارات” إسماع للفطرة المطمورة تحت ران التجهيل والتغفيل والتغريب، المتعطشة لمن يحدثها عن سعادة الروح، وانشراح الصدر، واطمئنان القلب. إسماع وتسميع بأفواه من سبقونا بإيمان، وكلمات علماء الآخرة المنورة قلوبهم بذكر الله. عَنْ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ رحمه الله عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه قَالَ: وَمَا نَحْنُ لَوْلَا كَلِمَاتُ الْعُلَمَاءِ) 8 . يقول الأستاذ المرشد رحمه الله في الفقرة 46 من “الرسالة العلمية” : من اجتهادات علمائنا الجامعين الأولين رحمهم الله ما لا يُتجاوز بحال لارتباطه بالنفوس البشرية التي لا تتحول طبيعتها مهما تغير المشهد الحضاري والنمط المعاشي. مثال لذلك الاجتهاد ما أودعه الإمام الغزالي رحمه الله من حصيف الرأي وسديد الكلام في شأن النفس البشرية ومعارج إيمان من آمن، ومهاوي من غوى. لا يتجاوز ذلك الاجتهاد لأنه من القرآن يستمد)انتهى. على أن للأحياء سرا لا تُغني عنه كتبُ الأوائل والأواخر، يقول رحمه الله في كتاب “الإحسان”: أُفَضِّلُ أن أكون مُسَمِّعا لصدى تلك الأصوات التي قلما تجد في عصرنا صدى يرددها، على أنني لَسْتُ بَبَّغَائِيَّ المَحْتِدِ بل أَحْيَى معاني ما أكتب بلحمي ودمي وروحي وعقلي. وفضل الله على آخر هذه الأمة ما قُيِّدَ بِعَصْرٍ. ولله الحمد من قبل ومن بعد) 9

9. “المختارات” قراءة في حضن الصحبة، لِتُصْنَعَ على عينها إراداتٌ لاترضى بغير وجه الله مطلبا، وقلوبٌ لا تترك لحب الدنيا فيها مطمعا. وإنما تكون البركة فيما تقرأ بقدر تعظيمك للنية وتجديدك لها. عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: إِنَّمَا يُحْفَظُ حَدِيثُ الرَّجُلِ عَلَى قَدْرِ نِيَّتِهِ) 10 . فَقَبْلَ القراءة تُهيئ الصحبةُ آنيةَ القلب ووعاءَ العقل حتى لا تكسرهما حجارةُ الغفلات القاسية، أو تذهبَ بصفائهما رياحُ التيه في صحراء الأفكار القاصية. والإذنُ بالقراءة توجيه وإرشاد، وحمايةٌ للقارئ الصاحب من الملْفِتات المتْلِفات. مادامت القدم في أرض الصحبة راسخةٌ، وما دام الإذن بالقراءة قائما، فاقرأ ما شئتَ بشرط توفر الفائدة. هذه قاعدة. وهذا هو عين ما تروم إليه سلسلة “المختارات”. فعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ رحمه الله قَالَ: إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ) 11 .

10. “المختارات” اختيار لنقاء الفطرة، وكمال الهجرة، ورفق الدعوة، ورحمة النبوة، كما اختار المصطفى المختار صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، واختيار لأرشد الأمور جهادا ومعادا، ولله ورسوله والدار الآخرة تقربا ومحبة واستعدادا كما اختار سادة هذه الأمة وصفوتها.

فجزى الله الإمام رحمه الله عنا وعن المسلمين خير الجزاء، وأناله بما ربى وعلم وزكى من خيري الدنيا والآخرة واسعَ العطاء.

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه


[1] فصلت:33\
[2] رواه الإمام البخاري رحمه الله\
[3] أخرجهما الإمام الدارمي رحمه الله في “المقدمة”\
[4] أخرجه الإمام الدارمي رحمه الله في “المقدمة”\
[5] أخرجه الإمام الدارمي رحمه الله في “المقدمة”\
[6] أخرجه الإمام ابن المبارك رحمه الله في “الزهد”\
[7] أخرجه الإمام الدارمي رحمه الله في “المقدمة”\
[8] أخرجه الإمام الدارمي رحمه الله في “المقدمة”\
[9] الإحسان1 ص 79\
[10] أخرجه الإمام الدارمي رحمه الله في “المقدمة”\
[11] أخرجه الإمام مسلم رحمه الله في “مقدمة صحيحه”\