إن موضوع التغيير بات يؤرق الجميع، ويشغل فكر العامة، لكن هل تساءلنا يوما أي تغيير نريد؟ ما طريقه؟ ما هي عقباته؟ فإن تحدثنا عن تغيير المجتمع بتغيير بنياته والنهوض باقتصاده، وإصلاح نظامه السياسي والثقافي، بحماس ثوري آني، يبرر الوسيلة بالغاية، ولا يكترث لمصير الإنسان ومعنى وجوده، فلا يعدو أن يكون إلا زوبعة تخبو في حينها، لأن الأساس الذي قامت عليه لم يمكنها من الاستمرار، فما أحوجنا إذن إلى تغيير شامل ينأى بالإنسان عن عنجهية المادية الزائلة، والاشتراكية والرأسمالية المخربة.

إنه تغيير نمتح بركاته من الحجة الدامغة التي لا يشوبها شائب، ولا يعكر صفوها جاحد، إنه القرآن الكريم، يقول المولى جلت عظمته في سورة الرعد: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. هذه الآية التي يبين فيها المولى عز وجل أن أساس بناء المجتمعات وأحوالها رهين بمدى تغيير أهلها لأنفسهم، فالحديث عن أية محاولة تغييرية لا تمتح أسسها النظرية والعملية من المعين الفياض، كتاب الله وسنة رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام، لا يعدو أن يكون ضربا من العبث وذر الرماد في العيون.

هَبْ أن الخيار الثوري هو الملاذ الوحيد للإنسان، بحيث يحرره من نير الظلم الطبقي ويرد له حقوقه المادية والمعنوية، لكن هذه الماديات تزول بزوال الإنسان كمادة جسدية، أما الروح فماذا عنه؟ ما الذي سينقذه من نار محرقة؟ وعذاب أليم، إذن نحتاج إلى خيار بديل يدلنا على مصيرنا الأخروي ورسالتنا الاستخلافية لكي نؤديها على أحسن وجه ما دمنا أحياء نرزق.

في هذا السياق نجد رجلا من رجالات هذه الأمة الأبرار، وهو الأستاذ عبد السلام ياسين يقول: يريد التغيير الثوري الاشتراكي، كما كانت الثورة البورجوازية من قبل، تحرير طبقة مستعبدة من نير الظلم الطبقي، لكنها لا تتحدث عن الإنسان ولا عن معناه وغاية وجوده في الأرض باعتباره فردا يولد ويحيى ويبعث ويجازى) 1 .

إن التغيير الشمولي الذي يخاطب الإنسان من حيث علاقته مع الخالق سبحانه، لا يتنكب دور الأسس المادية التي تقوم على الابتكار والتصنيع والتنمية الاقتصادية، وتغيير البنى الفاسدة وقتامة الوضع وفظاعته، بل دولة القرآن تهدف إلى كل ذلك التغيير وتعتبره من آكد واجباتها، لكن الدعوة إلى الله، وإنقاذ الإنسان من ظلام الكفر، وقتامة النفاق، وقذارة معصية الله، وغبش الغفلة عنه، المؤدية إلى بؤس الدنيا وعذاب الآخرة، هي الهدف الأسمى، ومحور الحركة، ومحط الطموح) 2 .

فالتغيير الحقيقي إذن هو الذي لا تحجب فيه هموم المعاش، التفكير في المعاد وسبل الفوز بالسعادة الأبدية، التي لا يوسمها زوال ولا فناء.

وكل تنمية تقوم بها المجتمعات يستوجب أن تكون مؤطرة بهذا الإطار النظري الذي يفيد أن كل تغيير في السياسة والاقتصاد هو تبع لهذا التغيير الكلي الجوهري للإنسان…) 3 محققة بذلك نجاحا دنيا وآخرة، وبها تتوحد القلوب لتسطع في سماء المعقولات بنبل الأخلاق وحسن المعاملة واليقين في موعوده سبحانه.

فالحديث عن وحدة الأمة وفق تغيير مسيج برؤية اختزالية لا تلمس الجوهر، هو حديث لا أساس رصين ومكين يعضده، لأن وحدة الأمة قبل أن تكون واقعا ملموسا هي وحدة في القلوب والأفئدة، ومتى حصرنا هذه الوحدة في وحدة الانشغالات والعلاقات السياسية والدبلوماسية، وكل هموم المعاش الزائلة، سنكون قد ابتعدنا عن الطريق الصحيح والمحجة اللاحبة.

إن التغيير الحقيقي الذي يجب على كل إنسان أن ينشده في هذا العالم الفاني هو تغيير يحقق له آدميته وإنسانيته وينأى به عن الدوابية والبهيمية، هو تغيير تكون فيه الدعوة والدولة أمرين متلازمين، يكون فيه الإنسان ذا مبادئ مكينة، بحيث لا يقعقع له بالشنان، إنه تغيير يحل فيه الإنسان فاعلا حقيقيا.

وبهذا يكون التغيير شاملا عندما يكون مؤطرا بعلم منهاجي دقيق، يحقق للفرد والجماعة خلاصهما، في سياق دولة قرآنية منشودة تضع حدا للعادات الجارفة والعقليات المسكونة بكذبة المصلحة والوصولية، وتعبد الصراط لذوي الإرادات الجهادية الطموحة، مغيرة بذلك هذا البؤس الأسود والموت الأصفر، بسعادة الجهاد وحياة الهجرة المتحركة ظاهرا وباطنا نحو موعود الله) 4 .


[1] الاستاذ عبد السلام ياسين، إمامة الأمة، ص 86.\
[2] نفس المرجع، ص 87.\
[3] نفس المرجع ص 88.\
[4] نفس المرجع ص 92.\