قال الله عز وجل في محكم كتابه: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً 1 . وقال عز من قائل يخاطب حبيبه ومصطفاه: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ 2 . وقال له العزة والمنة: الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ 3 .

قال الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله في كتاب الاحسان معلقا على هذه الآيات:

في ثلاث آيات يفصّل لنا مكانة الذكر يرفعنا إلى مقام التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم، ومكانَتَهُ في عباداتنا، وأثره في قلوبنا. من لا يذكر الله كثيرا لا أُسوَةَ له برسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يقدر على التأسي، وهوالاستناد والاتباع، لم يؤهل له. من لا يذكر الله في صلاته وإذا تلا القرآن فلا تلاوة له ولا صلاة. له صورة الصلاة وأركانها البدنية، لكن ذكر الله، وهوالأمر الأكبر والأعظم الذي من أجله شرعت العبادات، فاته ففاته لب العبادة. من صفات المؤمنين الاطمنئان للذكر والاطمئنان بالذكر، فمن لا طمأنينة له بذكر الله لا يستكمل صفات الإيمان).

ولهذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أشد الناس تأسيا به عليه الصلاة والسلام من أعظم الذاكرين وأرقاهم منزلة. ففي الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده “إنَّ أوليائي من عبادي وأحبائي من خلقي الذين يُذكرون بذكري وأُذْكَرُ بذكرهم”.

كيف لا يكون أصحاب المصطفى صلى الله عليه وسلم هم أولياء الله وأحبابه وقد لقنهم عليه الصلاة والسلام كلمة التوحيد مباشرة.

قال يعلى بن شداد: “حدثني أبي شداد بن أوس، وعُبادة بن الصامت حاضر يصدقه، قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “هل فيكم غريب؟”، يعني أهل الكتاب فقلنا: لا يا رسول الله! فأمر بغلق الباب وقال: “ارفعوا أيديكم وقولوا لا إله إلا الله!” فرفعنا أيدينا ساعة. ثم وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده ثم قال: “الحمد لله. اللهم بعثتني بهذه الكلمة، وأمرتني بها، ووعدتني عليها الجنة. وإنك لا تخلف الميعاد”. ثم قال: “أبشروا فإن الله عز وجل قد غفر لكم”” 4 .

فهذا سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: اجلسوا إلى التوابين فإنهم أرق أفئدة).

كانوا رضوان الله عليهم يخشون على أنفسهم النفاق وهم أنقى القوم ويخشون الكذب وهم أصدق القوم.

قال حنظلة بن الربيع: “كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر النار. ثم جئت إلى البيت، فضاحكت الصبيان، ولاعبت المرأة، فخرجت فلقيت أبا بكر، فذكرت ذلك له. فقال: وأنا قد فعلت مثل ما تذكر. فلقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله! نافق حنظلة؟ فقال: “مه!” فحدثته بالحديث فقال أبوبكر: وأنا قد فعلت مثل ما فعل فقال: “يا حنظلة! ساعةً وساعةً! لو كانت قلوبكم كما تكون عند الذكر لصافحتكم الملائكة حتى تسلم عليكم في الطرق”” 5 .

قال الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله: إن كلَّ عمل نقرأه في القرآن والحديث قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام عمل جهادي. كانت حياتهم جهادا متواصلا، استغرق الجهاد أموالهم وأنفُسَهم وأهليهم ووقتَهم وليلهم ونهارهم، إلا فترات يعافسون فيها الأموال والأولاد، ويضاحكون فيها الأطفال ويلاعبون فيها النساء، فيحسبون أن قد نافقوا لخروجهم تلك اللحظات عن مألوفهم الجهادي. ويفزعون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما فَزِع حنظلة وأبو بكر رضي الله عنهما).

هكذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثرون من الاستغفار والتوبة والإنابه؛ يقول سيدنا علي رضي الله عنه العجب ممن يهلك ومعه النجاة، قيل: وما هي؟ قال الاستغفار) وسيدنا ابن عباس رضي الله عنهما يقول: التوبة النصوح: الندم بالقلب، والاستغفار باللسان).

ويصف سيدنا علي رضوان الله عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: كانوا إذا ذكروا الله تعالى مادوا كما تميد الشجرة في اليوم الشديد الريح وجرت دموعهم على ثيابهم).

ذكر ابن سعد بسند صحيح عن عكرمة أن أبا هريرة كان يسبح في كل يوم اثنتي عشرة ألف تسبيحة ويقول: أسبح بقدر ذنبي.

وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: الذين لا تزال ألسنتهم رطبة من ذكر الله يدخل أحدهم الجنة وهو يضحك).

روى مسلم والترمذي “عن أبي سعيد الخدري أن معاوية خرج على حلقة في المسجد فقال: ما أجلسكم؟ قالوا جَلسنا نذكر الله! قال آللهِ ما أجلسكم إلا ذلك؟ قالوا آللهِ ما أجلسنا غيره! قال: أما إني لم أستحلفْكم تُهمة لكم، وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم أقلَّ عنه حديثا مني. وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال: “ما أجلسكم؟” قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنَّ به علينا. قال: “آللهِ ما أجلسكم إلا ذلك!” قالوا: آللهِ ما أجلسنا إلا ذلك! قال: أما إني لم أستحلفكم تُهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله تعالى يباهي بكم الملائكة””.

روى الإمام أحمد في الزهد عن ثابت قال: “كان سلمان في عصابة يذكرون الله، فمر النبي صلى الله عليه وسلم فكفوا. فقال: “ما كنتم تقولون؟” قلنا: نذكر الله. قال: “إني رأيت الرحمة تنزل عليكم فأحببت أن أشارككم فيها”. ثم قال: “الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر معهم”. وذلك قوله تعالى لحبيبه: “وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ 6 .

ولهذا يقول الأستاذ عبد السلام رحمه الله وأعلى مكانه: تبقى حلق الذكر دائرة نورانية عزيزة من دوائر السنة المحمدية على جند الله أن يعطوها حقها).

لما كبر خالد بن الوليد رضي الله عنه أخذ المصحف وبكى وقال شغلنا عنك الجهاد). قال معاذ ببن جبل رضي الله عنه: ماعمل آدمي عملاً أنجى له من عذاب الله من ذكر الله) قالوا: يا أبا عبد الرحمن ولا الجهاد في سبيل الله عز وجل؟ قال ولا الجهاد إلى أن يضرب بسيفه حتى ينقطع. لأن الله عز وجل يقول في كتابه:)ولذكر الله أكبر.

يقول شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله: الذكر منشور الولاية الذي من أعطيه اتصل، ومن مُنِعَه عُزِل. وهو قوت قلوب القوم التي متى فارقها صارت الأجساد لها قبورا، وعمارةُ ديارهم التي إذا تعطلت عنه صارت بُوراً. وهو سلاحهم الذي به يقاتلون قطّاع الطريق، وماؤهم الذي يطفئون به التهاب الحريق، ودواء أسقامهم الذي متى فارقهم انتكست فيهم القلوب، والسبب الواصل والعلاقة التي كانت بينهم وبين علام الغيوب).

يقول أحد السلف عن حال العباد: إذا انكشف الغطاء يوم القيامة عن ثواب أعمالهم .. لم يروا ثوابا أفضل من ذكر الله تعالى فيتحسر عند ذلك أقوام فيقولون: ماكان شيء أيسر علينا من الذكر). فاللهم ارزقنا ألسنة رطبة بذكرك وشكرك.


[1] سورة الأحزاب، الآية: 21.\
[2] سورة العنكبوت، الآية: 45.\
[3] سورة الرعد، الآية: 28.\
[4] رواه الإمام أحمد.\
[5] رواه مسلم والترمذي.\
[6] سورة الكهف، الآية: 28.\