كل إنسان سوي العقل نزيه الحكم يتأمل أحداث بلاد مصر حاليا، ويتفحصها بتجرد، لا يملك إلا الاستغراب بل الاستهجان إزاء قلب الموازين هناك، حيث أضحى الباطل حقا والحق باطلا، وأمام تردي القيم الإنسانية لدى السلطة العسكرية المسلطة الغاشمة على رقاب شعب الكنانة، والتي أطاحت بنظام الحكم الشرعي الذي جاء لقيادة البلاد عقب انتخابات حرة شهد على نزاهتها القاصي والداني، واعترف بمصداقيتها العدو قبل الصديق.

قيادة الجيش المصري مشكلة من نخبة متشبعة بالعقيدة العلمانية، ومعبأة بالعداء الدفين للإسلاميين خلال عقود حكم الديكتاتور مبارك على الخصوص، فهاهي الآن وجها لوجه أمام خيار جماهير الشعب المصري العظيم، الذي حسم اختياره مصوتا لصالح التوجه الإسلامي في ست محطات انتخابية متتابعة بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير المجيدة، نتائج لم يجد الغرب بدا من الاعتراف بها، وما تقبلها العسكر إلا على مضض، وتلك أرضية خصبة ليزرع عليها الصهاينة وحلفاؤهم الأمريكان والصليبيون مؤامرة محبوكة، سقيت بأموال النفط ونفذت بيد الجيش برئاسة وزير الدفاع الجنرال السيسي، حُقَّ لنا العجب من سلوك هذا الجيش الذي كان رأس حربة في الحروب التي خاضها العرب ضد العدو الصهيوني! وحُقَّ لنا أن ننادي فيه شهامته وماضيه البطولي فنقول: “أليس منكم رجل رشيد؟” كيف تتحول من مدافع ومنافح عن القضايا الشريفة للأمة وعلى رأسها قضية فلسطين إلى قتال شعبك الأعزل وذبح أهلك وذويك واعتقال إخوانك وسجنهم ومحاكمتهم، وعلى رأسهم رئيس البلاد وباقي أعضاء حكومته، والذي من المفترض أن تأتمر بأوامره وفاء للمروءة والقسم والأمانة؟ حكومة الرئيس محمد مرسي انتقلت بين عشية وضحاها من حكومة شرعية ديمقراطية لمصر ما بعد الثورة إلى “عصابة من الإرهابيين” تم القبض عليها وإيداعها في سجون “البطل القومي عبد الفتاح السيسي”! هكذا يروج إعلام الفلول وسدنة معبد الانقلابيين، بكل وقاحة واستخفاف بكرامة الشعب واختياراته، مغترا بسند قوى الاستكبار العالمي وأموال أعراب النفط.

ها نحن في مصر المسكينة اليوم، بصدد مشهد مطابق للحديث الشريف الذي أنبأ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن زمان يصدق فيه الكاذب ويكذب الصادق ويؤتمن فيه الخائن ويخون الأمين! إنه زمن حكم الرويبضة الملاعين.

لقد خنست الديمقراطية الغربية إزاء ذبح الديمقراطية المصرية، وابتلعت المنظمات الحقوقية “المتأمركة” لسانها وعجزت حتى عن الهمس بالاستنكار لمجازر العسكر لسبب واضح، هو كون قيادة الانقلابيين دمية طيعة، وضامنة لحماية الدولة العبرية المدللة، لغة المصالح تعلو هناك ولا يعلى عليها، هل تحلمون معشر قومنا المسلمين أن يدعنا أعداؤنا نتحرر فنتوحد وننتظم ونتطور ونتقدم ونستجمع قوانا؟ إذن نستقل بقرارنا ونستطيع بحول الله تطهير أرضنا وإرجاع مجدنا وعزتنا! هل سيسمحون لنا طواعية باحتلال مواقع امتيازاتهم؟ فما لكم يا قومنا كيف تحكمون؟

لذلك فلا مرحبا عندهم بديمقراطية من شانها أن تحرر أرضنا وتفك رقابنا، ومرحبا بكل ديكتاتورية تدوس بأقدامها البلاد ويئن من وطأتها العباد ما دامت تؤمن مصالحهم وتحمي حليفتهم، والمعول عليه بعد الله تعالى هو يقظة الأمة لكي لا تنطلي عليها الأكاذيب والمؤامرات، وجهود المخلصين من علمائها لإنارة الطريق، وسواعد شبابها لرفع التحديات وإنجاز المهمات، والله غالب غلى أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.