فيما يلي الجزء الثالث والأخير من الحوار الذي أجراه موقع الجماعة نت حوارا مع الأستاذ نور الدين الملاخ، أحد الباحثين المشاركين في تقرير “المغرب في سنة2012” الذي أصدره المركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات، وذلك بمناسبة الدخول المدرسي والجامعي الجديدين.

هل من جديد في مجال التوجيه؟

بعد الخطاب الملكي في 20 غشت، ما يزال أغلب المسؤولين المركزيين والجهويين والمحليين ينتظرون شيئا ما، تعليمات ما، أمرا ما. في حين تبقى دار لقمان على حالها. تبقى المؤسسات التعليمية تتخبط في مشاكلها وتدور في حلقة مفرغة، تبقى الأسر تتحمل عبء بل وزر تعليم أبنائها، وصدق من قال: “المغرب قاعة انتظار كبيرة”.

وما سمات الدخول المدرسي الجديد 2013-2014؟

تواجه الدخول المدرسي هذا الموسم أزمة خصاص غير مسبوق في الموارد البشرية، قدرته مصادر بنحو 15 ألف أستاذ في المستويات الثلاثة خصوصا في المستوى التأهيلي الثانوي، أمام تزايد في العدد الإجمالي للتلميذات والتلاميذ المسجلين برسم الموسم الدراسي الجديد 2013- 2014 بمختلف مؤسسات التعليم المدرسي (العمومي والخصوصي) بالمغرب، والذي بلغ أزيد من ستة ملايين و775 ألف و606 تلميذ وتلميذة.

وأكدت المصادر نفسها أن الإدارة المركزية وبعض مديري الأكاديميات شرعوا في تقليص حدة الخصاص باللجوء إلى عدد من التدابير الترقيعية، لتوفير 7 آلاف و500 أستاذ عند بداية الدخول المدرسي، أي حوالي نصف الخصاص المسجل.

ومن المتوقع أن تلجأ الوزارة، خلال هذا الموسم، إلى حذف ساعة من بعض المواد الأساسية، مثل الفرنسية، في السلك الثانوي التأهيلي، في أفق تشغيل بعض الأساتذة للاستفادة منهم في مواقع الخصاص، بموازاة الاستعانة ببعض مدرسي التعليم الإعدادي لسد الخصاص المسجل في بعض المواد في السلك نفسه مثل الفرنسية والرياضيات، كما سيتم اللجوء إلى أساتذة الابتدائي الحاصلين على الإجازة لتدريس مواد الاجتماعيات والعربية وبعض المواد الأدبية الأخرى بالثانوي التأهيلي.

وتجري هذه التطورات، حسب المصادر نفسها، في ظل الضغط النفسي الكبير الذي يعانيه أغلب الأطر التعليمية والتربوية وأولياء الآباء والتلاميذ، بسبب انعدام الرؤية الواضحة، وفي ظل الإعلان الرسمي عن فشل المخطط الاستعجالي وإلغاء بيداغوجيا الإدماج والتراجع عن تحضير الكتاب المدرسي.

وماذا بخصوص الدخول الجامعي الجديد؟

لم يعد للدخول الجامعي سوى سمة واحدة، هو أنه أصبح مناسبة للحديث عن المشاكل التي تنخر جسد الجامعات ومعها المغرب، والصعوبات المتزايدة التي ستعانيها هذه الجامعات خلال هذه السنة. فحسب المعطيات المتوفرة (جريدة L’Economiste عدد الخميس 12 شتنبر 2013 وMAP) نجد أن جامعة ابن زهر أكادير ستستقبل هذه السنة أزيد من 75000 طالبا.

طالع أيضا  ذ. الملاخ: منظومة التعليم تسير في ظل غياب تام لرؤية استراتيجية واضحة الملامح

هناك أيضا جامعة محمد الخامس أكدال التي تعرف زيادة 4000 طالب سنويا، مع ازدياد تفاقم مشكل التأطير بتقاعد 40 أستاذا.

أما جامعة محمد الخامس السويسي، فقد استقبلت 12000 طالب جديد بزيادة 20% مقارنة مع السنة الماضية. نصف هؤلاء الطلبة (6000) سيلتحق بمؤسسة واحدة هي كلية الحقوق السويسي. فلنتصور معانات هذه الكلية مع التأطير وتوفير المقاعد…

إن ظاهرة الاكتظاظ في الجامعات المغربية جعل بعضا منها يلجأ إلى توفير الدروس والمحاضرات على وسائط الكترونية وأقراص مدمجة تكون رهن إشارة الطالب دون الحاجة للحضور الصفي (تجربة جامعة القاضي عياض بمراكش). لعل الهدف من هذا الإجراء التخفيف من الضغط البشري على المدرجات واحترام الغلاف الزمني للمحاضرات ومواعيد الامتحانات.

أما الوزارة الوصية فلن تمد المتتبعين بالمعطيات إلا بعد سنتين أو أكثر كما جرت على ذلك العادة.

فآلام التعليم العالي بالمغرب ومشاكله تزداد تفاقما وتعقيدا إلى حد استحالة إيجاد حلول لها. زد على هذا ازدياد إقبال الحاصلين على البكلوريا على الجامعة كملجأ أخير رغم وجود معدلات كبيرة، وغياب سياسة تعليمية تنهض بالقطاع، نذكر من بين المشاكل المزمنة للتعليم العالي :

– النسبة المرتفعة لتخلي الطلبة عن الدراسة وضعف نسبة الحاصلين على الإجازة في ثلاث سنوات، مما يضيع الجهود ويبدد الأموال.

– التأثير السلبي على الدراسة لضعف التأطير والخصاص في المقاعد.

– عدم الملائمة بين التكوين وسوق الشغل، وما ينتج عنه من ضعف إدماج الخريجين.

– غياب توجيه الطلبة عند دخول الجامعة مما يساهم في ارتفاع إخفاق الطلبة.

– ضعف التأطير، وإقبال عدد مهم من الأساتذة على التقاعد مقابل مناصب مالية جديدة محدودة.

يضاف إلى هذا كله ضعف المنحة ومشكل النقل والسكن والتطبيب…

وبخصوص الوزارة الوصية، فهي غارقة في مشاكلها. فهي تعرف حالة من الجمود منذ شهر ماي نتيجة عدم تعيين رؤساء أقسامها ومصالحها لتسييرها، وتعرف غياب مخطط استراتيجي حقيقي وما يترتب عنه من غياب خطة عمل بخصوص هذه السنة. فهذه الوزارة تتأرجح بين اعتراف وزيرها بفشل البرنامج الاستعجالي وتنويه ملكي بهذا البرنامج.

طالع أيضا  ذ. الملاخ: إدخال المنظومة التربوية في سلسلة لا متناهية من التجارب "طامة عظمى"

تمثل قضية التعليم، إذن، أهم عامل يشرح ركود وضعية المغرب في ما يتعلق بالتنمية البشرية، هل يمكن تبيان ذلك؟

يجمع خبراء هندسة التغيير في العالم أن معالجة مشاكل التعليم لا يمكن أن تتم بمعزل عن باقي المجالات الأخرى السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لأن معالجته يجب أن تكون شاملة وواقعية ومتكاملة، وفي إطارها الطبيعي، لتكون المدرسة في قلب المجتمع، والمجتمع في خدمة المدرسة، وهكذا يحدث التفاعل والتواصل أفقيا وعموديا، وبالتالي يمكن للمدرسة أن تؤدي وظيفتها التربوية.

طغت على مسلسل إصلاح التعليم في المغرب، منذ فجر الاستقلال، المقاربة التجزيئية التي تفصل مجالات فعله عن واقع التأثير في المجتمع، مخافة تداخل الفعل التربوي في المجال السياسي، وبروز نخب مثقفة قادرة على صناعة مجتمع غير مقولب في دائرة المخزن.

مقاربة تبعيضية أفرزت عندنا “مدرسة نمطية” ومتعلما مشحونا بمعرفة (Savoir) مجردة من المعرفة- العملية (savoir-faire) أو معرفة- الكينونة (savoir-être)، ضدا على تصور خبراء علوم التربية، وعكس التجارب الناجحة في العالم في مجال التعليم النموذج الماليزي أو النموذج الأمريكي مثلا…

إن توفرت الإرادة امتلكنا القوة التي تطوع الوسائل في خدمة الغاية المنشودة. أما التردد والتصويب وإعادة النظر والتعليمات و… أفقد الإصلاح معناه والتعليم قضيته.

ما رؤيتكم لإصلاح منظومة التعليم؟

كذب من ادعى أنه يملك وصفة سحرية لإصلاح معضلة دامت لعقود سواء كان فردا أو هيئة. تراكمت مشاكل التعليم بل تعقدت بتداول الناس على السلطة وتسيير دواليب الحكم. فعلى كل تجربة سياسية سابقة يعلق فشل إصلاح التعليم، ينسج إصلاح جديد لإصلاح فساد قديم.

الإصلاح الحقيقي لأزمة التعليم يتطلب توفر عدة شروط، ولعل أهمها اجتماع الأمة على مشروع مجتمعي وطني وانجماعها عليه، مشروع مجتمعي ينطلق من واقع الأمة، يحافظ لها على ثوابتها المتمثلة في مقومات هويتها الحضارية المغربية، بأبعادها المتميزة: دينيا ولغويا… إنه المشروع المجتمعي الممثل لغايات الأمة، الساعي إلى تحديد مواصفات عامة للمستهدفين…

طالع أيضا  ذ. الملاخ: منظومة التعليم تسير في ظل غياب تام لرؤية استراتيجية واضحة الملامح

إن معالجة مشكل التعليم لا يقتصر على استبدال بيداغوجيا بأخرى، أو استيراد طريقة مكان أخرى، أو استبدال مراجع مدرسية بأخرى… إن مشكل التعليم يتطلب مجهودا جبارا، إنه يتطلب إرادة قوية، إنه يستدعي تكوين العنصر البشري أحسن تكوين، إنه يتطلب التركيز على الجوانب التربوية واستحضارها في كل وقت وحين، ويبقى الجانب الإداري للضبط والتنظيم، ومادام التعليم تغلب عليه المكتبية والإدارة فإنه مازال في حاجة إلى وقفات تقويمية، إن استحضار التربية وتغليبها جانب أساس في المدرسة المغربية، وإن كنت لا أدعو إلى إلغاء الجانب الإداري، لأن الجانب التربوي لا يمكن أن يضبط إلا بالجانب الإداري التنظيمي ومن خلاله، فهما أمران يكمل بعضهما البعض، ولكن دون أن نغلب جانبا على جانب، فكلاهما يؤدي إلى تربية الأجيال، هؤلاء الأجيال هم قطب الرحى، وحولهم تدور العملية التعليمية، لذا لا بد أن يربوا على تحمل المسؤوليات ولن يكون ذلك إلا بتعويدهم معنى اقتحام العقبات، ولن يكون ذلك إلا بإيجاد تعليم وظيفي، يمكن من خلاله إكساب المتعلم جملة من الكفايات التي من شأنها تربيته على مواجهة الحياة بقوة المشاركة والإبداع.

إنه مشروع مجتمعي واضح الرؤيا، بمعنى لابد من الارتكاز على فلسفة تربوية واضحة تنطلق من حاجات الأمة وتستجيب لمتطلباتها… فلسفة تربوية تتسم بالاستقلالية، وتروم تحقيق أهداف وطنية وقيم ومثل ومبادئ سامية.

إنه مشروع مجتمعي يروم إكساب الأجيال القوة من خلال تمثلهم الكفايات الثقافية والتكنولوجية القمينة بإحداث إقلاع تنموي… وهكذا تصبح الأمة قوية، بفضل المعرفة والعلم.

إنه مشروع واقعي، ذو مرجعية أصيلة، يتم فيها الانطلاق من واقع المغاربة، ويراعي حاجاتهم خاصة النفسية والثقافية… ولكن شريطة أن يروم التغيير الأفضل، وليس الرضوخ للأمر الواقع…

إنه مشروع نروم من خلاله تعميم التعليم، وليس التعميم هو إيجاد مقعد لكل طفل مغربي فقط، إنما التعميم أشمل من ذلك بكثير، إنه تعميم المعارف المفاهيمية والمهارية والروحية… إنه مبدأ تكافؤ الفرص… إنه مبدأ توحيد المدرسة المغربية…