ولأم الدنيا أبناء غير الشرعيين

تسربت ثعالب الاستعمار رويدا رويدا حتى تمكنت من مجامع الأمة، وطال الزمان حتى ولد في فراش الأمة ولدان مغربون لا هم منا عقيدة وولاء، ولا لهم الشجاعة الأدبية ليكشفوا عن وجوههم الحقيقية!

وكذلك تواترت دورات تاريخ هذه الأمة، غير أنهم في هذه المرحلة استحكموا من مجامع الأمر، فهم الحكام، وهم المثقفون، ونخبة المجتمع استنادا إلى الدعم الجاهلي الذي ما عادوا يستخفون من الانتساب إليه وموالاته.

ولئن كان من الجيل الأول من تابوا وتراجعوا عن الإعجاب بالغرب وعن تعاطي ثقافة الغرب تعاطي المخدرات فإن الأجيال المنقحة من المغربين أشد شكيمة وأرسخ قدما في الولاء للغرب) 1 .

هذا الولاء هو الفيصل فيما بين الحكام وبين الشعوب المسلمة. وعنه يتساءل الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله: قال الله تعالى:)يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم. نقف عند قوله “منكم” أمنا دمى الإلحاد في أفغانستان؟ أمنا من سفك دماء المومنين في مصر ومن يسفكها في كل بلاد المسلمين؟ أمنا أمثال من عذب المؤمنات الطاهرات القانتات بما لم يعذب به أحد في تاريخ البشر؟ أمنا من يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف؟ ويطول التساؤل) 2 .

كان هذا في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، وقد ظن الناس أن عهود انتهاك حرمة الانسان قد طويت بتطور وسائل التواصل حتى صار العالم كله على الهواء مباشرة في كل وقت وحين، لكن المستوى الأخلاقي الدنيء لهؤلاء القوم وقد تمكنوا من الرقاب لا يمنعهم من الاستمرار في معاملة المخالفين بعقلية استحى وخجل منها كل حكام العالم، ولم لا وهم منغلقون في قصورهم لا يتواصلون مع سكان العالم ومؤسساته، بل كل علاقاتهم مع مبعوثي الدول الحية ووزراء خارجيتها ومخابراتها، يتلقون آخر التعليمات ويجتهدون في التنفيذ، وأنى لهم أن يتواصلوا مع الشعوب ويفتحوا حوارا حول تجاربهم في الحكم، كما يفعل الحكام الذين مارسوا الحكم وفق قواعده!

طالع أيضا  معضلة الانقلابية في تاريخ المسلمين 4/7قبسات من الفقه الجامع للأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله

هذه اليوم شدائد مَهُولَةٌ تطحن المومنين وتربيهم لتُخرج لنا إن شاء الله رجالا على ذلك الطراز. وإن كان من هذه الشدة ما يبدو لنا قاتلا، فمن وراء دروس الشدة الرجولةُ إن شاء الله. ولعل جرائم الجبارين “الثوريين” توقظ ولو بعد حين غَيْرة هذه الأمة، يوم تتقدم صحوتُها لتزول عنا كل أوهام حول إسلام الدعاة على أبواب جهنم وإنسانيتهم) 3 .

إنهم نسخ منقحة ومزيدة من البلاء الانقلابي الذي أصيبت به هذه الأمة منذ قرون، يتم تحديثهم جيلا بعد جيل! تحديث يجعل الشعوب المنومة تأسف على الطاغية السابق، ولسان حالها يردد المثل الشعبي: “الله لا يخيرنا في بلاء”.

ينقل الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله نصوصا عن اللورد كرومر رائد التغريب في مصر حيث يقول كرومر: إن الحقيقة أن الشاب المصري الذي قد دخل في طاحون التعليم الغربي، ومر بعملية الطحن، يفقد إسلاميته، وعلى الأقل أقوى عناصرها وأفضل أجزائها. إنه يتجرد عن عقيدة دينه الأساسية. إنه لا يعود يومن بأنه لا يزال أمام ربه، وأنه تراقبه عين لا تخفى عليها خافية، وأنه سيحاسب أمامه يوما من الأيام. ولكنه لا يزال -رغم ذلك كله- يستفيد من مظاهر الحياة الإسلامية التي تتسامح مع ضعفه الخلقي ولا تتصادم معها، والتي تتفق مع مصلحته في مجال الحياة…).

حياة إسلامية تتسامح مع الضعف الأخلاقي للمغربين من المثقفين والحكام، يسمحون بها ما دامت تتفق مع مصالحهم.

ضعف تسلسل حتى أنتج لنا هذه الأمة المغيبة عن قضاياها غيبوبة شبه كاملة، حيث أصبح ينطبق عليها في كل المنتديات الدولية قول الشاعر:

ويُقضى الأمر حين تغيب تيمٌ *** ولا يُستأمرون وهم شهودورأينا ورأى الناس أية عاقبة آل اليها المسلمون في مصر وفي العالم من جراء هذا الإجحاف حيث كانت تربية الجيش تقتضي من الجندي أن ينزل من على ظهر دبابته إذا رأى العدو وينجو بنفسه. ورأينا ورأى الناس أية تربية رباها البطل التاريخي عبد الناصر غداة هزيمته التي سماها “نكسة”، حين استقال فخرج الناس، وقد عادوا شعبا وجماهير، أي مجموعة فوضوية، لكثرة ما لقنوا ذلك. خرجوا كاليتامى يتصايحون ويتعلقون بأذيال البطل وذلك يعبر عن طفولة لم تنل من التربية ما يبلغ بها الحد الأدنى من الاعتماد على النفس، أما الاعتماد على الله فلو كان في النيات لما كان في تاريخنا هزائم) 4 .

فإن لم يكم من خزي هؤلاء إلا توظيفهم في تحقيق أهداف العدو وضرب المرابطين في فلسطين، وقطع أرزاق الشعب الفلسطيني في آخر قلاع مقاومته، فإنه لخزي عظيم!

طالع أيضا  معضلة الانقلابية في تاريخ المسلمين 2/7قبسات من الفقه الجامع للأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله

اللَّهُ أَكْبَرُ هَذا الصُّبْحُ مَوْعدُهُمْ *** مِنْ بَعْدِهِ لِضِيَاءِ الحَقِّ إِشْراقُ
اللَّهُ أَكْبَرُ وَفُّوا اللَّهَ مَوْثِقَكُم *** فَحَبْلُنَا لِجَنَابِ اللَّهِ مِيثَاقُ
اللَّهُ أَكْبَرُ قُومُوا وَاعْمَلُوا وَثِقُوا *** تُفْتَحْ لَكُمْ لِمَرَاقِي العِزِّ آفَاقُ
5


[1] العدل- الإسلاميون والحكم: عبد السلام ياسين رحمه الله، ص 403، دار الآفاق.\
[2] المنهاج النبوي، ص 23، الطبعة الثانية.\
[3] عبد السلام ياسين رحمه الله: القرآن والنبوة، ص 75، دار لبنان للطباعة والنشر.\
[4] عبد السلام ياسين رحمه الله: الإسلام بين الدعوة والدولة، ص 44، مطبعة النجاح.\
[5] من ديوان: “شذرات” للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله.\