أصبح الحديث عن التنمية في عصرنا الراهن من الأمور المهمة، والتي تفرض نفسها على كل من أراد إصلاح المجتمع والنهوض بشؤونه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. بيد أن هذا الحديث يختلف من شخص إلى آخر، ومن مقترب إلى آخر مضاد، فبات التيه والاختزال يساور البعض، والحكمة والشمولية في التناول يميز الآخر. فلكل معينه ومنهله الذي منه يمتح، ولكل أساسه وعموده الذي يؤثل عليه مشروعه.

كل هذا حدا بنا إلى طرح السؤال، لنفض الغبار عن هذا الموضوع، لعل الطلاسم التي تكتنف النظرة إليه تنمحي وتحيد، ويكشف الزيف من الحقيقة، والسم من الإكسير.

فما هي التنمية؟ وما أنواعها؟ وما هي الأسس التي يقوم عليها كل نوع على حدة؟

إن محاولة الإجابة عن مفهوم التنمية بشكل جامع مانع، لا ينتابه شك ولا ارتياب، ستبدو ضربا من التخبط والعبث، فمفهوم التنمية هو مفهوم ما فتئت تؤكد العديد من الأقلام الأكاديمية أنه مفهوم انفلاتي وغامض، فظلاله وارفة، ومجالاته واسعة وشاسعة، فتارة يستعمل بمعناه الرأسمالي، الاقتصادي، المادي، وتارة أخرى بمدلوله الاجتماعي، الثقافي، الشخصي، وأحيانا كثيرة من زاوية مجالية، هوياتية، وفكرية… فماذا عسانا نحدد إذن؟

إن أهم سمة يتسم بهذا المفهوم هي الشمولية، والتي جعلته عصيا عن التسييج والتحديد، بيد أن أغلب المهتمين تناولوه بمقترب شمولي، لااختزالي، يفيد أن التنمية ديناميكا اقتصادية، اجتماعية، ثقافية، سياسية… تعرفها المجتمعات بسبب مثيرات معينة، قد تكون خارجية أو داخلية، فتطرأ عليها تغيرات معينة وفق السياق الذي أتت فيه، وغالبا ما تكون بنيوية، تشمل البنية الفكرية والمادية للإنسان.

إذا كانت التنمية هي كذلك، فما هي أنواعها؟

لا أريد من خلال الإجابة على هذا السؤال الحديث عن أنواع التنمية من حيث مجالاتها، والجوانب الإنسانية التي تشملها، ولكن سأركز النظر على أنواعها من حيث علاقتها بالإنسان ومعنى وجوده، ورسالته الاستخلافية. وهنا تتباين الآراء وتتعدد المزاعم، فمنها ما ينظر إلى التنمية كعملية مادية محضة، تتغيى توفير الظروف الاقتصادية والاجتماعية للمرء لكي يعيش في رغد ويحيد عنه الكمد والضنك فحسب، أي بمعنى آخر، أن أتنعم بخيرات الدنيا وملذاتها ولا هم لي بما سيأتي من بعد، فكل ما في الحياة هو الدنيا وما بعدها عدم، ولا وجود لعالم اسمه البرزخ كما يزعم الناس. وبخلاف هذا هناك من يعالجها من منطلق آخر، يتميز بالشمولية، والأصالة والإجرائية، يفيد أن التنمية بما هي رغد العيش، ومعافسة شؤون الحياة، والتنعم بخيراتها، لا يجب أن ينسينا همنا الأكبر وهو الاستعداد للقاء الله عز وجل، فالمولى جلت قدرته خلق الإنسان وهيأه لكرامته في الدنيا باعتباره من بني آدم، كما هيأه للخلود في النعيم، أو العذاب في دار الخلود جزاء كسبه هنا، ومن عناية ربنا جلا وعلا بالإنسان، وحدبه عليه، أن بعث إليه رسلا بلغوه أن له ربا، وأن ربه لا يريد له أن يشرك به شيئا، ولا أن يظلم الناس، ولا أن تستفزه الدنيا فينسى الآخرة، ولا أن تغره قوته فيستعبد الضعيف، ولا أن تأخذه الشهوة والحس والمتاع فينسى أن له قلبا على صلاحه مدار سعادته في الدنيا والآخرة) 1 .

من خلال هذا الكلام الذي تشنفت به مسامعنا، نستشف أن التنمية لا يجب أن نختزلها في البعد المادي المحض، ونفرغ الإنسان من روحه وجوهره، ومساهمين في تقويض أساسه، بل علينا أن تكون نظرتنا أكثر شمولا واتساعا، وذات أصالة نبوية وقرآنية شافية، تعلي من شأن الإنسان، وتقويه على تخطي عقبة الغرائز والشهوات الدنيوية، وترفع عنه الظلم والحيف، وتدعوه لمحاسبة نفسه، ووزنها بميزان الدنيا والآخرة.

فالتنمية إذن وفق ما أشرنا اليه آنفا، تتراوح بين تصورين أساسيين، مقترب رأسمالي مادي يطلق العنان لحرية الإنسان في ممارسة غرائزه بصفة منظمة… ويقسر على حياة حيوانية أقل تهتكا في زعمها، وتقف الكرامة الإنسانية المطلوبة هنا وهناك في شقي الجاهلية عند ضمان المعاش، ورفع مستواه، وتوفير البضائع والأسلحة اللازمة للدفاع عن هذا المستوى. حقوق للمتعة، حضارة بلا غاية) 2 .

ومقترب تربوي وروحي، يجعل الإنسان كائنا كريما، ذا رسالة تحرره من شهوانية فانية، وبهيمية زائلة، وتنأى به عن مادية تجحد وجود الله، تنكره، وتفلسف العبثية) 3 ، داعية إياه إلى التزود للمعاد، وطالبا معرفة الله فهو البديل الحق، أما ظلام المادية دامس، ووجه الحضارة الصاخبة كالح عابس) 4 .

جملة الكلام، إن التنمية الحقيقية ليست تلك التي تفقد كينونة المرء معناها، وتشل إمكاناته، وتغني فيه البهيمية والحيوانية، في أتون حضارة صاخبة، وأزمات نفسية ناعمة، وإنما التنمية الحقة هي التي تدعونا ليتفقد أمر بعضنا البعض، ويشكو بعضنا لبعض لواعج الشوق إلى الله، والتواصي به سبحانه، والصبر مع الذين يريدون وجه الله، فإنه الترياق والبلسم الشافي. فأما التنمية بما هي تغيير مادي فلا تعدو أن تكون عرضا سطحيا سرعان ما ينمحي ويضمحل، بانمحاء ذلك القفص المادي الذي يسيجها.


[1] إمامة الأمة، الأستاذ عبد السلام ياسين، دار لبنان للطباعة والنشر، الطبعة الأولى 2009، ص 97.\
[2] نفس المصدر، ص 99.\
[3] نفس المصدر، ص 121.\
[4] نفس المصدر، ص 128.\