يهدف هذا الموضوع إلى تجلية صُوَر التطوع السائدة في المجتمعات الحديثة للقارئة والقارئ العزيزين، وفتح آفاق فكرية لأشكال التطوع التي ينبغي على المتطوع أن يمارس عمله الإحساني من خلالها، طلبا وسعيا نحو الفاعلية والدقة في العمل. فلا يمكن بداية إلا أن نقر ونتفق على أن العمل التطوعي اليوم وبصفة عامة يتجاوز الشكل التقليدي الذي تتم به ممارسة التطوع منذ قرون، خصوصا إن استحضرنا كل المتغيرات البنيوية والفكرية التي واكبت نمو الحضارات والتي ساهمت بشكل طبيعي وتلقائي في تشكيل الممارسة التطوعية في أشكال عدة، تستجيب للاحتياجات البشرية والمجتمعية في كل منطقة ومجتمع على حِدَة.

فالتطوع ممارسة ميدانية تلمس تجلياتها في المجتمع من خلال سعي الأفراد والجماعات انطلاقا من مبادرات مؤقتة أو خدمات محددة، أو برنامج ومشاريع منظمة يسهر على تنفيذها فرد متطوع أو جماعة منظمة أو مؤسسة قانونية، كل حسب درجة تأثيره وفعاليته وقدرته على التواصل الاجتماعي في نطاق فضاء اشتغاله. ويمكن تقسيم أشكال التطوع إلى ثلاثة أقسام:

العمل التطوعي الفردي.

العمل التطوعي الجماعي.

العمل التطوعي المؤسسي.

التطوع الفردي وقلة الثمار

هو عمل اجتماعي وسعي يقوده الفرد انطلاقا من اقناعه الشخصي، وبمبادرته وإرادته، لأجل تقديم خدمات معينة مندرجة في سلم اهتماماته، وقد يسمح في هذا العمل للفرد بنوع من النقص أو القصور في إنجاز الأعمال، أو تعثر للمبادرة لظروف شخصية، أو لسبب العجز أو الإهمال، وذلك لتجسد سمات البشرية لصاحبه فيه، ولغياب وسائل المتابعة والمراقبة والتقويم.

وفي استقراء سريع للواقع ولمجتمعاتنا الإسلامية، نجد أن الغالبية العظمى من الناس – المتطوعين- الذين يلهبهم وازع الدين لفعل الخير، يمارسون التطوع بفردانية، تحريا منهم للسرية والخفية عن أعين الناس عند العطاء، بغية الإخلاص في العمل، واستجابة لأمر الله تعالى الذي وعد المنفقين في السر بالأجر والثواب العظيم حيث فضل سبحانه الإنفاق في السر على العلن الذي شمله كذلك عظيم الأجر والثواب؛ قال تعالى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. (البقرة – 274).

وقال عز وجل: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ. (البقرة – 271).

فالصدقة السرية أو الخفية هي عبادة تقربية إلى الله تعالى، وهي أمر مرغب فيه كثيراً في الشريعة الإسلامية، والجوائز الربانية التي تنتظر فاعلها، كفيلة بأن تجعل قطاعاً عريضاً من المسلمين يسعون إلى التنافس الخفي باستخدام تلك العبادة التقربية، وذلك من أجل الظفر بتلك الجوائز، والتي أعظمها جميعاً جائزة مرضاة الله سبحانه وتعالى على العبد). (الهيثم زعفان – الصدقة الخفية بين العمل الخيري الفردي والمؤسسي).

ومن العوامل المهمة التي تجعل الفرد يقبل على التطوع الفردي دوناً عن الجماعي، انعدام الثقة بين المتطوع الفرد وبين المؤسسات التطوعية الجماعية، لتراكم بعض التجارب السلبية في أذهان الناس أو لطغيان هاجس المصلحة الشخصية في صفوف بعض الأطر الإدارية والساهرة على العمل الخيري، ثم لرسوخ فكرة تماهي الفعل المدني بكافة أشكاله في السياسي، أو لارتباط المنظمات التطوعية بإطارات سياسية أو ببرامج حكومية بشكل مباشر أو غير مباشر، مما يجعل فعلها التطوعي جملة وتفصيلا رهين حسابات سياسية ضيقة تفقد المؤسسة التطوعية رصيدها من الثقة والوضوح وصدق الأهداف المرجوة من العمل. غير أنه إن تجاوزنا الثمار الشخصية الحاصلة من العمل التطوعي الخفي والفردي، العظيمة لا شك، إلى ثمار مجتمعية تشرئب قلوب الناس إلى قطافها، في كل المجالات، اجتماعية كانت أو سياسية أو دعوية، يتضح لنا جليا أن الفعل الفردي في التطوع، لا يرقى إلى مستوى تحقيق الأهداف المرجوة إن قورن بفعل تطوعي جماعي شبيه.

نموذج الدعوة إلى الله بفردية

وقد أشار إلى هذا المعنى في مجال الدعوة الأستاذ الداعية، فتحي يكن، حين قال إن المراقب لما يجري في نطاق العمل الإسلامي يلاحظ أن مآل الجهود الفردية غير المرتبطة بتنظيم حركي كالتي يبذلها بعض الوعاظ والخطباء، مآلها إلى الضياع والهدم رغم كثرتها، ذلك أن التنظيم الحركي من شأنه أن يستوعب الطاقات الفردية ويوجهها ويختزن القوى المتفرقة وينميها لتصبح على مر الزمن تيارا له أثره ومفعوله، أما جهود الإصلاح الفردي فقد تتحطم إثر بعضها البعض لعجزها من مواجهة تحديات العصر). (فتحي يكن – كيف ندعو إلى الإسلام).

إشارة الأستاذ فتحي يكن، الخبير بشؤون الدعوة الإسلامية جاءت بناءً على قراءة تحليلية لفصول التاريخ الإسلامي المليء بنماذج الدعاة والمتطوعين والمحسنين، الذين لبوا نداء الفطرة والحكمة والدعوة إلى الله، وهو أسمى مقامات التطوع، باجتهادات أفنوا فيها أعمارهم، مخلصين لله، باذلين نفوسهم وجهدهم وعلمهم ومالهم في سبيل تحقيق أهداف نبيلة، لم تسعفهم الفردية في الحركة، دون تعاون منظم أو توزيع للأدوار أو تقاسم للمهام، من نيل جزاء سعيهم في الدنيا بحسنى الثمار، قبل الآخرة، الوافية من الله الجزاء.

فمن أبرز سلبيات الدعوة الفردية على الإطلاق: أنها قليلة الأثر، ضئيلة الثمرات، محدودة النتائج… ومما يدل على هذا كثرة الخطب والمواعظ والمحاضرات التي تلقى في المجتمعات الإسلامية من أقصاها إلى أقصاها على منابر الجمعة وقاعات المحاضرات وأوقات المواسم والمناسبات… ويستمع إليها الملايين من المسلمين… هل غيرت من واقع المسلمين شيئا؟ هل أعادت لهم كيانهم أو مجدهم؟ هل أهابت بهم إلى أن يتحولوا قوة متماسكة تستعيد في نهاية المطاف العز المسلوب والكيان المفقود؟ فإذا كان الجواب لا، فالعمل الفردي إذن لا يحقق ثمرة ولا يوصل إلى نتيجة في بناء دولة راشدة يرنو إليها ويستشرف ولادتها الملايين من المسلمين). (عبد الله ناصح علوان – بين العمل الفردي والعمل الجماعي).

قلة الثمار الفردية في مقابل كثرة الثمار الجماعية في التطوع، نتيجة خلص إليها باحثون كثر وأهل تخصص وتجربة، مما جعلهم يبدعون في خطاباتهم ويتفننون في عرض أفكارهم الداعمة للرؤية الجماعية في التطوع وللمقاربة التشاركية في خطوات البناء والتنمية المجتمعية، علَ الناس يتلقفون هذه الحكمة ويسعون إلى بناء مجتمعاتهم المتضامنة، بعقد جماعي يربط كل فرد من المجتمع بالآخر، مكونا الجماعة، التي بها يمكن تحقيق ما يصعب على الفرد تخيله على الواقع. تطوع جماعي لا يلغي بدوره عمل الفرد وخصوصيته وقدراته ومهاراته، التي بها يكتمل بناء الجماعة ويتقوى.

العمل التطوعي الجماعي

التزم أهل الفساد في الأرض وذوو الأعمال الدنية والخسيسة بالتعاضد والاجتماع على تحقيق أهداف يتقنون تنفيذها، خفية كانت أو جلية، بعملهم الجماعي المنظم وبشعورهم الضمني بالانتماء إلى معالم فكرة يؤمنون بها، تسود كيانهم ويسودون فوق كل المبادئ والحدود لغاية تحقيقها.

قال تعالى الذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير (الأنفال- 73).

هي دعوة من الله سبحانه وتعالى للاجتماع والتعاون في كل الخير، ونداء خفي لذوي القلوب الخفاقة للخير، بالالتفاف مع جماعة حول فكرة أو مشروع يعم نفعه الأمة الإسلامية التي سامتها ويلات أضرمت نارها أياد كافرة، اتحدت في كفر وحقد.

تطوع جماعي يتنكر للذات الفردانية ويومن ببركة الجماعة وبمعية الله في “يد الله مع الجماعة” حيث تجتمع الطاقات وتوحد الجهود وتوزع المهام، وحيث يستفيد كل واحد من الآخر، من التجارب السابقة، وحيث تبنى التصورات والمشاريع المشتركة لإنجاز أعمال لا يستطيع الفرد القيام بها.

ولّى زمن الانفرادية والسعي الأحادي المدفوع بشعور قد يغالبه الضجر والملل، أو برغبة قد تطيح بها الظروف والمشاكل. سعي الجماعة للجماعة موكول لعامل التعاون والتعاضد، وسعي الفرد للفرد مجبول على المحدودية والقلة. وكلاهما خير، غير أن أفق النهوض الذي تسعى له الأمة الإسلامية والانعتاق من براثين الأمية والتخلف والسلبية، يلزمها سعيا جماعيا واتحادا بناءً بين كل مكونات الأمة الإسلامية، حتى تتجاوز عتبات النكوص بخطوات مسترسلة ومتسارعة.

العيد جامع نموذجا

جميل ما يقوم به شباب الأحياء في مناسبة عيد الأضحى المبارك، حيث ما زالت سمات التعاون والتآزر الجماعي طاغية وحاضرة رغم اندثارها في باقي محطات ومناسبات السنة. في هذه المناسبة يتطوع مجموعة من سكان الحي لخذمة الساكنة، وإعانة المعدوم منها وتقديم الأضحية للفقير والمعوز منهم. إذ تتوزع الجماعة في شكل خلايا تهتم كل واحدة منها بجانب تسعى لإتقانه وإنجاح مهمتها الموكولة إليها، والمتفق عليها مسبقا. فبالجماعة المتطوعة يمكن أن يعم الحي فضل تطوع أفرادها الذين يتوزعون على شكل لجان وخلايا عمل من قبيل، لجنة التواصل ورصد الحالات المعوزة، لجنة المالية وجمع التبرعات، الطاقم المكلف بشراء الأضاحي، خلية التوزيع، لجنة التوثيق والإعلام طاقم التنظيف…

لا يمكن لفرد مهما أوتي من جهد أو حرص على العمل أن يقدم شيئا لحي سكني تسكنه المآت والآلاف من الأسر. غير أن العمل الجماعي التطوعي الذي يقوم على أساس توزيع الأدوار وتقسيم المهام وتحديد الأولويات ورصد الاحتياجات كفيل بإنجاح مناسبة العيد ورسم الفرحة في محيى ساكنة الحي المتضامن. وهذه الفرحة وهذه الثمرة، موكولة قطعا لعمل تطوعي جماعي دونا عن الفردي.

بين التطوع الفردي والجماعي

يضيع الجهد الفردي الانتقائي مهما كان سامي النية ومهما كانت نتيجته، إن قورن بنتيجة العمل الجماعي المنظم، بعيد المدى.

يحتج الكثير من الناس بدراية أو عن غير دراية، على أن ممارستهم لفعل تطوعي فردي مرده ترفعهم عن الشهرة بين الناس عند النفقة بالمال، أو عند تقديم خدمة مادية أو معنوية للمحتاج، ورغبتهم في نيل فضل الأخفياء الأتقياء، ذوي العطاء في السر، كأن الحرص على السر في الفعل التطوعي لا يستقيم إلا في حالة مثول المتطوع أمام المحتاج في حلكة الليل، وقد خبت ضوضاء الشارع حتى لا يختلج في قلبه الرياء والعجب، ولو كان صنيعه محدودا مؤقتا دون تأثير، أو قد لا يغني المحتاج بقية ليله.

يعظم الفعل بمقدار ثماره. واللبيب من سعى لجني ثمار قطيفة في سوق العطاء المجتمعي الذي تؤثله أياد متطوعة اجتمعت على خير في تنظيم لفعلهم التطوعي، توزيعا للمهام وتحديدا للمسؤوليات ودراسة قبلية لاحتياجات فعلهم التطوعي الذي تغذيه ميزة المعية والتعاون، والجماعة قوة فعلية في الواقع وتأثيرها واسع الأثر. ويحثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على مخالطة الناس في الخير، ترسيخا لمبادئ المشاركة الجماعية والتعاون، وإن أدى بعض ذلك إلى سلبية يتشربها قلب المتطوع جزاء مخالطته الناس. ووسوسة الشيطان بالرياء وحب الظهور من الأذى الذي يجب أن لا يولي المتطوع الصادق قلبه لوسوسة خانس، أقسم أن يبطل كل نية صالحة وكل عمل تسعى في خيره أياد تمتد في رحمة وعطف. فعَنِ اِبْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “اَلْمُؤْمِنُ اَلَّذِي يُخَالِطُ اَلنَّاسَ، وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ خَيْرٌ مِنْ اَلَّذِي لَا يُخَالِطُ اَلنَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ”. (أَخْرَجَهُ اِبْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ).