عرفت مصر في هذا العصر موجات من الانقلابية، أسس لها جيل من أبنائها العاقين، بتهجم سمج على الدين وقيمه، واكتفاء بالدعوة بشكل ساذج إلى تقليد السيد الأوروبي المتفوق بآلاته وأشيائه، وإن كان خرابا من حيث القيم والإيمان بالله.

أطلق بعضهم اسم “الدائرة الصماء” على حلقة من الدكاترة الجامعيين والكتاب الأدباء والصحفيين كانوا طليعة أنصار التغريب في مصر، مثل النصراني شبلي الشميل والنصراني سلامة موسى وزعيم القوم أحمد لطفي السيد وطه حسين وعلي عبد الرازق ومحمد حسنين هيكل ومنصور فهمي ومحمود عزمي وإسماعيل مظهر. طائفة من الشباب أرسلوا إلى فرنسا وإنجلترا، فدرسوا في جامعاتها ردحا من الزمن ورجعوا مزهوين بدبلوماتهم، أفندية يتيهون على أبناء الفلاحين الأزهريين، ويشيدون بالحضارة البراقة التي احتضنت مراهقتهم الشبابية ومراهقتهم الفكرية، ثم أرسلتهم دعاة مخلصين متعصبين للفكر الغربي والنمط الغربي للحياة) 1 .

ومن خلال النظر في سير هؤلاء يتبين لنا أن الانقلابية تولد من أبوين اثنين: الظلم والكفر ولواحقهما من نفاق وبعد عن الله وغفلة عنه، وها هي بيئة البغي كاملة الشروط والمواصفات. علما بأن الانقلابية لا تلتزم بمرجعية فلسفية وإن رفعتها كشعار، لأن ذلك يفضي إلى تحديد الأهداف والوسائل والمبادئ، وقد تُعلَن الأهداف، وتدبج الخطب حول الوسائل، لكن المبادئ هي دائما أولى ضحايا الانقلابية. لأن الانقلابية في حد ذاتها إلغاء للمبادئ وتنكر للقيم!

ويسمي الانقلابيون العسكريون انقضاضهم على السلطة ثورة أيضا… بعض العسكريين من العرب والمسلمين يعتمدون على تنظيم حزبي مسبق له إديولوجيته ووعوده وأحلامه كما هو الشأن في حالة الانقلابات البعثية. وبعضهم ينبثق عن خلايا “الضباط الأحرار” تقودهم شخصية قوية ذات طموح كما كان الحال في مصر حين أطاح عبد الناصر، العبد الخاسر، بفاروق ونظامه) 2 .

باستثناء انقلابيي أم الدنيا في هذا الزمان لم يؤت من مضى من الانقلابيين إلا من قبل الطاغوتية الكامنة في أعماق الانسان، تتربص به كلما استغنى، كلا إن الانسان ليطغى أن رآه استغنى، وأي غنى أشد وأطغى من عسكري محاط بآلاف الجنود من حوله يسمعون وينفذون الأوامر بطاعة عمياء.

طالع أيضا  معضلة الانقلابية في تاريخ المسلمين 6/7قبسات من الفقه الجامع للأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله

وتتسم الانقلابية العسكرية، أيّاً ما كان أصلها التنظيمي وإديولوجيتها، بطابع الفردية والاستبداد. فهي في حكم الإسلام جبرية محضة. في شخص العبد الخاسر تجسدت العروبة والوطنية المصرية والتقدمية الاشتراكية. وفي شخص السادات تجسدت الفرعونية والتبعية بشكل يكاد يكون تمثيليا. وقل ما شئت عن طاغوتية صدام والأسد) 3 .

انقلابية باغية يضاف إلى تكتلها، بل تكلسها التاريخي تكلس عسكري منظم، فقد خلّف العبد الخاسر نظاما في ضباط الجيش من أوفيائه وتلامذته، يتلو بعضهم بعضا على منصة الحكم في انقلابية مستمرة. وخلف حسني الزعيم في سوريا منذ أربعين عاما تقليدا انقلابيا مكّن النُّصيرية من احتلال جهاز الدولة وتسخيره في استعباد الشعب المسلم).

ومن هنا تنوعت مسارات أبناء أم الدنيا باختلاف علاقتهم بها، فمنهم الأبناء العاقون، ومنهم الغير شرعيين، ومنهم المغفلون، وخيرهم المستضعفون الوارثون.

بدأت بهؤلاء الذين أشربوا في قلوبهم حب السيد الأوربي والاقتداء الكلي به في دقيق الأمر وجله بدرجة تفاجأ به الأوروبي نفسه لدرجة أنه صدق أنه سيد، كالبهلول الذي مر بصبية فجعلوا يلعبون به ويستهزئون به ويضربونه، فقال لهم: لماذا لا تذهبون إلى دار فلان فإن عنده عرسا فتصيبون من طعامه وشرابه؟ فلم يكد يكمل عبارته حتى انطلق الصبية يتسابقون إلى دار العرس المفترض، غير أن البهلول لما رآهم يركضون ويتسابقون قال في نفسه: لعل هناك عرسا بالفعل، فتبعهم ركضا حتى لا يُغبن!

كذلك كان انبهار السيد الأوروبي بمدى استجابة أتباعه لتعاليمه، واقتفاء أثره.

إخلاص وتعصب نرى آثاره التربوية في التهريج الإعلامي الجاري على قنوات الفلول في مصر على يد “إعلاميين وخبراء، ومستشارين”، وما شئت من الألقاب الطنانة، شتم وألفاظ وسقوط أخلاقي لا يليق إلا بمن رضع من ثدي غولة الانقلابية الباغية التي أمرت بسب أمير المومنين وأخي رسول الله صلى الله عليه وسلم من فوق المنابر لستين سنة.

طالع أيضا  معضلة الانقلابية في تاريخ المسلمين 5/7قبسات من الفقه الجامع للأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله

وهذا أوَان ينهي الله تعالى هذه الفصول من البغي والظلم بعدل وإحسان كما أنهى عمر بن عبد العزيز الفصل الأول.

عدل وإحسان يقيم للبشرية خلافة يرضى عنها ساكن الأرض ويرضى عنها ساكن السماء.


[1] عبد السلام ياسين رحمه الله: العدل-الإسلاميون والحكم. ص 373، دار الآفاق.\
[2] عبد السلام ياسين رحمه الله: سنة الله، ص 290- 291، مطبعة النجاح الجديدة.\
[3] نفس المصدر، ص 291.\