وقوفا مع إحدى الثلات المرجوات من عمل العبد المنقطع عمله بانقطاع أنفاسه انتقالا من دنيا العبور إلى دار القرار، واسقراء لمداد يوزن بدم الشهداء، نفتح كتابا من كتب الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمة الله عليه لنستشف الرحيق الصافي بصفاء الإرث النبوي الذي يختص به الله من يشاء من عباده فضلا منه ونعمة

إنه كتاب رسالة إلى الطالب والطالبة… الكتاب الرسالة، رسالة تحمل في طياتها أجوبة عن الأسئلة العميقة في الطالب والطالبة من حيث هو إنسان، ماهو ومن وهو وإلى أين؟ رسالة تدعو إلى تحرير الطالب “الإنسان” من استبداد وعبودية دفينين لا تطالهما يد مناضل أو حقوقي أوسياسي، استبداد طاغوت النفس وإله الهوى {أفرايت من اتخذ إلهه هواه}.

رسالة تسأل أول ما تسأل عن مصيرك ومصير أمتك خلاصا فرديا وجماعيا، البغية والغاية منهما وجه الله سلوكا وجهادا، وهذا ما عبر عنه الإمام في أولى أسطر هذه الرسالة قاائلا:

السؤال المطروح في هذه الرسالة هو: كيف أخرج من هذه الدنيا سعيدا بسعادة أهل الجنة؟ كيف أعبر مخاضة حياة أنا فيها مظلوم مكبوت مقهور؟ بأية عقيدة؟ لأية غاية؟ لأية أهداف؟ مع أي سرب؟ بأية أخلاق؟) 1 .

“كيف وبم أعبر؟” سؤال جوهري تقوم عليه الرسالة قيام البناء على الأساس. هذا الأساس المصيري هو الآخر يطرح إشكالية كبرى وهي إشكالية الاختيار؛ اختيار العقيدة والغاية والهدف والسرب.

اختيار تفرضه حتمية تتعدى إرادة الطالب نفسه بحيث لا يخلو توجهه من اختار بل وحتى عدم الاختيار، هو اصطفاف في معسكر اختير لك وحددت لك معالمه، اختيار يجعل الطالب يرزح تحت قهرية شهواته والاستسلام لواقع الظلم مؤثرا عافية الجبناء وسلامة القاعدين.

وهنا يبقى أمر تحديد الوجهة ورسم المسار من آكد ما ينبغي على الطالب والطالبة التهمم به بما هو همّ المصير، مصيره هو ومصيرها هي مع الله ومصير الأمة المغلوبة على حالها والمنتظرة لموعود الله أن يأتي سبحانه بقوم يحبهم ويحبونه ليكشف على أيديهم الظلم ويخرج الأمة من بوار حالها.

وهذه الضرورة الملحة للاختيار هي ما عبر عنها الامام رحمه الله بقوله:

ضرورة الاختيار، وأهمية الاختيار، وانسحاب الاختيار على بقية حياتي، على مستقبلي، على مصيري ومصير أمتي في الدنيا، على مصيري يوم أبعث بعد الموت وآتي فردا مسؤولا عما فعلت بحياتي، وما عملت. يوم أجازى الجزاء الأوفى، إما إلى جنة وإما إلى نار) 2 .

ضرورة يوازيها حسم في أخذ القرار واتخاذ الرفيق مع الطريق، بحيث لا ينبغي للطالب الذي تعتريه هموم المصير مصيره ومصير أمته أن يمضي حياته سبهللا بلا غاية أو هدف خالي الإرادة إلا من هموم المعاش، أو أن يكون إمعة يجري خلف كل ناعق غثاء ينجرف مع أي تيار… إنه اختيار واحد، طريق واحدة، لا يمكن أن أزعم أنني مسلم بلا إسلام، إلا أن أكون سطحيا إمَّعة اضطغَنَ في قلبي النفاق…الشخصيات الواهية الانتهازية يتصرَّم عمرها في مواقف مترددة. عناكب تتسلق وتتغذى بذباب. لا اختيار لها ولا وِجهة) 3 .

إن التأكيد على ضرورة أن يكون للإنسان عامة وللطالب خاصة عنوان ومنهاج يعبر به حياته إلى دار الخلود إنما البغية منه هو تحرير “إنسان الإرادة 4 ” في الطالب، فهو الفاعل والمحرك التاريخي لعملية التغيير الشمولي. وهذه الضرورة لم تثن الإمام المجدد رحمة الله عليه عن التنبيه إلى أمر مهم وهو الرزانة والتبصر والتعقل قبل أن يقدم الطالب والطالبة على أي خطوة يقودهما الجهل وتحركهما الحماسة، إن لا أتسلح بالرزانة والرصانة والحذر والحكمة حتى أستبين الحقائق ثم أختارَ مصيري بشجاعة، فَمَهوَى خطواتي إلى مستقبل تافه مجهول… كما يلتقط المرء أول عَصًا ليحارب بها الحية الصائلة، ويستيقظ ضميره يوما فيجد أنه أضاع دينه كراهية لدين المنافقين الظالمين) 5 .

إن استثنينا القرار الثائر والمندفع الذي يحركه السخط على ظلم موروث واستكبار عالمي، وتُمسك أزمته فلسفة مادية ملحدة لها في الساحة الجامعية وخارج أسوار الجامعة أبواق تسبح بمجدها التليد وتبشر زعما بدولة الاشتراكية حيث العمال والأعيان على قدم المساواة، فالخيار يبقى بين منهاجين اثنين وهو ماجاء في رسالة الإمام بالقول:

أختار بين هيأتين، بين مذهبين، بين وَلاَءَين ؛ ولاءٍ صادق لله ورسوله، هيأةٍ يستوي مظهرها ومَخبرها، مذهبٍ مستقيم لا يلتوي. أو ولاءٍ مُراهقٍ منافقٍ، يقوده الخوف من الناس، وتغمضه ضبابية المعرفة، وتنحط به سخافة الطامح وسفالة الهمة) 6 .

خياران يكون التمييز بينهما على أساس قدر التكلفة من الشدائد ومستوى تطلع الهمة ومدى الاستعداد للبذل في سبيل الله. منهاج يروم بالطالب اقتحام العقبة إلى الله وحمل النفس على ما تكره، وآخر مداهن محدود الإرادة سافل الهمة عنوانه القعود والتخلف عن درب الجهاد.

فهل أختار سلامة الاصطفاف مع إسلام رسمي شديد الشكيمة، أم أندفع، على خطر، لأدافع عن الحق، وأنصر المظلوم، وأرفضَ الظلم والظالمين؟ اختيار ! مهنة علماء البلاط مريحة) 7 .

خيار صعب ذاك الذي يأخذ بتلابيب الطالب والطالبة ليضعهما على طريق المنهاج النبوي الذي يروم إخراج الناس من عبودية الناس إلى التحرر لله ومن جور الأفكار والأيديولوجيات إلى عدل الإسلام. ولا بأس هنا أن نستعين بكتاب آخر للإمام المجدد على اعتبار أن مصنفاته رحمه الله فسيفساء تشكل مجتمعة صورة متكاملة لمشروع المنهاج النبوي، فنأخذ فقرة من كتاب “الإسلام وتحدي الماركسية اللينينية” خصها رحمه الله لمعالجة التيه الذي يعتري الإنسان فردا وأمة في مرحلة من مراحل حياته وطرح من خلالها تفصيلا شاملا وإجابة كافية شافية عن إشكالية الاختيار ربما على نطاق أعم هي الأمة. لكن هذه العمومية باتساعها تشمل الطالب على اعتبار أنه جزء من أمته:

إنها معضلة ثلاثية الحد قوية التحدي أمام الأمة الإسلامية، اختيار حاسم وملح، اختيار بين إسلام صوري أمريكي يغطي بجلبابه الطبقية الشنيعة والتبعية واستقرار اليهود في القدس وأمنهم، وبين عدالة اشتراكية ماركسية روسية تعادي الإسلام وتغطي تبعية مثل تلك، وطبقية لا تخجل أمام تلك، وأمنا لا يقل لإسرائيل ولمصالح الروس عن ذاك. والخيار الثالث الصعب هو خيار المحجة البيضاء التي تركهم عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، واعترف بوضوحها أبو الدرداء، واعتز باتباعها عمر، وعرض برنامجها، بوضوح ساذج من الصنعة الفلسفية ناصع، ربعي بن عامر رضي الله عنهم) 8


[1] رسالة الى الطالب والطالبة، إلى كل مسلم ومسلمة. ص (9).\
[2] نفس المرجع ص (12).\
[3] نفس المرجع ص (12_13).\
[4] إنسان الإرادة: مفهوم تناوله الإمام المجدد في كتابه “الإسلام غدا” ردا على النظرية الماركسية التي تعتبر طبقة البروليتاريا محركا تاريخيا وفاعلا أساسيا في عملية التغيير عبر التاريخ حيث قال: “وهؤلاء هم الماركسيون يعلمون أن الفاعل التاريخي هي الطبقة العاملة… ومن هنا يكون الفاعل التاريخي بمنظار الإسلام إنسان الإرادة السائر ضد التيار لا مع التيار”.\
[5] نفس المرجع ص (13_15).\
[6] نفس المرجع ص (16).\
[7] نفس المرجع ص (14).\
[8] الإسلام وتحدي الماركسية اللينينية ص (11).\