أم الدنيا وأبنائها

اشتهرت مصر بأم الدنيا منذ القدم؛ فقد ذكر ابن زولاق عن سعيد بن أبي هلال قوله: اسم مصر في الكتب القديمة “أم البلاد”) 1 .

وهي مبوأ صدق قال تعالى: وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ“.

وهي الربوة ذات القرار والمعين، ومن جميل ما وصفها الله تعالى به قوله جل وعلا في فرعون وملإه: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ، وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ.

ولمصر تاريخ حافل أحلها محل الصدارة على طول تاريخ البشرية والرسالات السماوية من سيدنا إبراهيم إلى موسى وعيسى على نبينا وعليهم الصلاة والسلام.

وتستحق مصر هذا اللقب وفاء للسيدة هاجر عليها السلام، فهي أم إسماعيل أبي العرب، وهي المقصودة بالرحم في الحديث الآتي، ثم وفاء لأمنا مارية القبطية عليها السلام وهي المقصود بالذمة والصهر في نفس الحديث وهو عَنْ أَبِي ذَرٍّ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: “قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ، وَهِيَ أَرْضٌ يُسَمَّى فِيهَا الْقِيرَاطُ، فَإِذَا فَتَحْتُمُوهَا فَأَحْسِنُوا إِلَى أَهْلِهَا، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا”، أَوْ قَالَ: “ذِمَّةً وَصِهْرًا”، “فَإِذَا رَأَيْتُمْ رَجُلَيْنِ يَخْتَصِمَانِ فِيهَا فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ فَاخْرُجُوا مِنْهَا. قَالَ: فَرَأَيْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ شُرَحْبِيلِ بْنِ حَسَنَةَ وَأَخَاهُ رَبِيعَةَ يَخْتَصِمَانِ فِيهَا فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ فَخَرَجْتُ مِنْهَا”” 2 .

ماذا فعل حكام المسلمين بالوصية النبوية بأهل مصر وبالأمة جمعاء؟

يطول ذكر الأحداث التاريخية الحافلة بظلم الحكام الذين اتخذوا مال الله بينهم دولا، وعباده خولا، وكتابه دغلا، وإنما يهمنا أن نستحضر آثار هذا الاحتقار على القيم الأساسية التي أعطت لجماعة المسلمين ذلك الزخم الأول كالعدل والأخوة الإسلامية. أحداث مفتتة لكيان الأمة المسلمة ووحدتها، لم تبدأ بتجارة المولَّدات 3 ، ولم تنته بتأسيس نظام بالمماليك وهذان نموذجان صارخان، بل لعنتان على علاقة الاستكبار والاستضعاف التي سادت بين الحكام الأمويين والعباسيين، ومن جاء بعدهم وبقية المسلمين الخُوَل!

وإنك لتعجب حين تقرأ في كتب التاريخ عن “الأشراف الأمويين”، فإذا تقدمت في القراءة في نفس الكتب تبين لك أن الشرف سلك طريقا غير الذي سلكه بنو أمية قبل الإسلام وبعده، وليس فلتة لسان من سفينة أن وصفهم ببني الزرقاء حين أخبر أنهم يزعمون أن الخلافة فيهم! فقال: كذبوا بنو الزرقاء.

استكبار يزيده قبحا تلبسه بالدين واختطافه للشرعية الدينية. تاريخ تدثر تصريحا أو تلميحا بالمهدية البغيضة، والمهدية مذهب من يدعون الهداية دون غيرهم من الناس. وقد اشتهر مهديون استغلوا اسم آل البيت، وآخرون ينتسبون للصوفية. ونحن ندخل تحت هذا الاسم كل من ينظر إلى نفسه فيزكيها ويفسق الآخرين ويكفرهم ويعنف عليهم. وبهذا المعنى فأول مهدية في الإسلام مهدية الخوارج ثم ما تلاها من العصبيات النتنة… الأمويون مهديون حين سموا المسلمين غير العرب موالي، وقد كانت كلمة تشريف… وأصبح المولى عند بني أمية فمن بعدهم علما على المسلم من طبقة دون لاحق له ولا كرامة) 4 .

كانت الموالاة شجنة إيمانية إضافية تشد البناء المجتمعي، حولها البغاة/الانقلابيون إلى معيار يقسم الناس إلى مواطنين من درجات متفاوتة، عن أبي رافع رضي الله عنه (مولى رسول الله) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلا من بني مخزوم على الصدقة فقال لأبي رافع: اصحبني كيما تصيب منها. قال: لا حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسأله، فانطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله، فقال: “الصدقة لا تحل لنا، وإن مولى القوم من أنفسهم” 5 .

“وإن مولى القوم من أنفسهم” رفعت أبا رافع إلى ذلك المقام الأسنى، وأولته ذلك الشرف الأسمى، صلى الله على مولانا رسول الله وعلى آله ومن والاه.

طالع أيضا  معضلة الانقلابية في تاريخ المسلمين 5/7قبسات من الفقه الجامع للأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله

متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا)؟ قولة عمرية بقيت صيحة في تاريخ المسلمين على الظلم والجور إلى يوم القيامة، فلم يلبث أن تولاها بنوا مروان بن الحكم الذين ورد فيهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا بلغ بنو الحكم ثلاثين رجلا اتخذوا مال الله بينهم دولا، وعباده خولا، وكتابه دغلا” 6 .

دولا: دَال يدول دَوْلاً، وَهِي الدِّوَل. وتداول القومُ الشيءَ بَينهم، إِذا صَار من بَعضهم إلى بعض) 7 .

والخَوَلُ: ما أعطاك الله من العَبيد والنَّعَم… وهؤلاء خَوَلٌ لفلان أي: اتَّخَذَهم كالعبيد ذلا وقهرا) 8 .

الدَّغَلُ: دَخَلٌ مفسدٌ في الأمور. وعن الحَسَن: اتَّخَذُوا دينَ الله دَغَلاً، أي أدْغَلُوا في التفسير، يعني الحدودَ، أو حَرَّفُوا) 9 .

استئثار بالمال العام، واغتصاب وتقمُّص مُغتصِب للشرعية الدينية، وانتهاك لحقوق وحريات وكرامة المسلمين، إنها شِرْعة: وما أُريكم إلا ما أرى، ما أشبه الليلة بالبارحة! والكل إسلام ودين، وسنة وجماعة، وخلافة وهلم جرا وبهتانا وزورا…

لَمَّا خربتْ بغدادُ على أيدي التتار، وتصدى لحرب الغزاة المماليك الشراكسةُ بمصرَ بقيادة قطز ثم بيبرس، ورث المماليكُ “الخلافة” فجاؤوا بها إلى مصر بعد انتصارهم بعين جالوت كبعض ما يُحْمَلُ من الغنائم. التمسوا رجُلا من قريش من بني العباس لقبوه “المستنصر بالله” ونصبوه ظلا، بل مظلة، تأوي إلى هيبتها أفئدة المسلمين، فتغطي هيبةُ الدعوة المصنوعة نظامَ المماليك الدموي… ولما فتح السلطانُ سليمٌ العثماني مصر أَسَرَ “خليفة” الوقت وهو رجل يلقب “المتوكل على الله” وحمله معه إلى الآستانة. فانتزع منه “الخلافة” ولُقِّبَ أمير المومنين، فأضاف إلى ألقاب السلطنة الفخمة المفخمة هذا اللقب “الخليفي”. أيُّ تشيئ للخلافة وأي لعب!) 10

تشيئ لخلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولعب بمصائر الشعوب أفضى في نهاية المطاف إلى يقظة القوميات التي نعيش تجزئاتها اليوم، هذه قومية تركية، وهذه عربية، وتلك أمازيغية وهكذا، فلما احتل المارق أتاتورك كرسي الحكم نفى الدين، وأغلق المساجد، وأمر بعبادة “الذئب الأبيض”،… وأمر بتمجيد جنكيز خان، والعرق الطوراني، وفي مصر هَجمت عبادة الأوثان القومية الفرعونية، فرُسمت صورة أبي الهول على الوثائق الرسمية، وتغنى الشعراء بأمجاد رمسيس باني الأهرام، وفي سوريا والعراق والمغرب وسائر بلاد المسلمين انكبت البعثات الأثرية الاستعمارية على نبش القبور، وحفر الأطلال، وما لست أدري. وهكذا ربطوا ثقافة الشعب الإسلامية ربطا عموديا بتاريخها الجاهلي، فقسموها تقسيما قاطَعَ التجزئة الجغرافية فضاعف من تشتيت الأمة) 11 .

طالع أيضا  معضلة الانقلابية في تاريخ المسلمين 1/7قبسات من الفقه الجامع للأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله

تشتيت واستعمار، بل استحمار أصاب العقول قبل أن يصيب الأرض، فولى أقوام وجوههم نحو الغرب والشرق بحثا عن مخرج من ورطة تاريخية أفضى إليها الدغل الذي أُدخل عنوة على دين الله، وقد مر معنا أنه: دخل مفسد في الأمور. وتحريف وسوء تفسير لحدود الله تعالى.

فبينما قامت طوائف للبحث عن خلاص اشتراكي أو ليبرالي أو قومي، قام رجال مومنون بمحاولة لتجديد الدين كما وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: “إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا” 12 .

من ذلك السيل انحدرنا بعُجَرنا وبُجَرنا، مظلوميات تراكمت عبر القرون وأورثت بعضنا الشك في دين الله، وأورثتنا جميعا الشك في الحكام علينا خاصة إذا تحدثوا باسم الله.

فباسم الله تحدث كل المصلحين والمجددين في تاريخنا، لكنهم في كل مرة لم يلبثوا أن أورثونا أبناءهم أو عشيرتهم كما يورث المتاع.

وما ذلك إلا لغياب المنهاج النبوي الكامل، الكفيل بإيقاظ الأمة فردا وجماعة، ليكون هم لقاء الله وفلاح الفرد في الآخرة مقترنا بهم مصير الأمة وفلاحها في الدنيا.

وبهذا قوام جسم الخلافة التي يكثر المتغنون بها حسب المواسم والأحوال، جسم تشكل القيادة الإحسانية قلبه المحرك، والطليعة الإيمانية قاطرته الساحبة نحو فضائل العمل الصالح، والقاعدة الإسلامية الناهضة سنده المؤيد بعد الله عز وجل، عند ذاك فقط يرضى ساكن الأرض ويرضى ساكن السماء، ولا تذر الأرض من خيرها إلا أخرجته… كما ورد في إحدى صيغ حديث الخلافة على منهاج النبوة.

منهاج يُكتَشف ويُخط ويُفصَّل “تربية وتنظيما وزحفا”. قال الإمام رحمه الله: وفي تاريخ المسلمين أعظم الأدلة وأوضحها على مكان المجدد في بعث الأمة وإحيائها. وقد صحب عمر بن عبد العزيز إماما أنار له جوانب قلبه كما صحبه صلاح الدين وابن تاشفين ومحمد الفاتح وعالمكير وكثير من رجال الاسلام المجاهدين. وفي تاريخ الإسلام أمثلة للرباني حامل الكلمة الطيبة يخرج من رباطه ليحرر الأمة ويقودها للفلاح.)بيد أن الذي لا نجده في تاريخ الاسلام هو ذاك المجدد الكامل الذي يسلك بالأمة منهاجا يخرجها من دائرة الدولة إلى دائرة الخلافة النبوية. ونرى بداهة أن الخروج من دوامة الحكم العاض يقتضي اجتهادا فكريا إلى جانب الربانية بل عنصر من عناصر الربانية) 13 .

ولهذا بقيت الانقلابية بكافة ألوانها هي الاقتراح الوحيد الذي تستحقه أمة لا ذاتية لها تحققا واستمساكا، لا مجرد ادعاء!

انقلابية ارتدت كل أثواب الزور الممكنة من دينية أو اشتراكية، أو قومية، إضافة إلى النوع الجديد الذي أضافه عسكر مصر في هذه الأيام الذي لم يتم تصنيفه لحد الآن في أي من هذه الخانات أو استحداث غيرها، لأن من تولى كبره تعوزه قامة من سبقوه من العساكر ودهاؤهم، فحاله يذكر بمدعي النبوة في زمن بني العباس، وقد كان ادعاء النبوة من الهوايات السائدة في زمن التفاهة ذاك. قيل: ادّعى رجل من الأعراب النبوة في زمن المهدي العباسي فاعتقله الجند وساقوه إلى المهدي، فقال له: أنت نبي؟

طالع أيضا  معضلة الانقلابية في تاريخ المسلمين 6/7قبسات من الفقه الجامع للأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله

قال: نعم.

قال المهدي: إلى من بعثت؟

قال الأعرابي: أو تركتموني أبعث إلى أحد؟ بعثت في الصباح واعتقلتموني في المساء.

بعدما انتهكت حرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته وعترته وأمته أصبح ادعاء النبوة هواية ليس عند الرجال فقط، بل حتى عند النساء!

إنها بعض مظاهر الحياة العامة عندما يحكم الغباء) 14 .


[1] فضائل مصر وأخبارها وخواصها: أبو محمد الحسن بن ابراهيم بن الحسين ابن زولاق، ص 10. ط مكنبة الخانجي بالاشتراك مع الهيئة المصرية العامة للكتاب.\
[2] رواه مسلم من حديث أبي ذر ضي الله عنه، الجزء الثاني، ص 1184، ط دار طيبة. وقد وردت أحاديث كثيرة في فضائل مصر تم تضعيفها كلها أو تحويل معناها إلى “الشام”، وقد تم نفس الأمر مع الأحاديث الواردة في فضل المغرب وأهله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. لكن وردت آثار كثيرة عن الصحابة والتابعين تقوي الظن بنسبة هذه الأحاديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، خاصة عن عبد الله بن عمرو الذي كان يكتب الحديث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. انظر: فضائل مصر وأخبارها وخواصها لابن زولاق مثلا.\
[3] نظام يقوم على اختطاف الفتيات من والديهن وأخذهن إلى الشام وحيثما كان المترفون في البلاد العربية حيث تتم تربيتهن لوظيفة إمتاع الأمراء العرب، وقد ذاق المغاربة الأمرين من هذا الإجرام على عهد بني أمية، وبهذا الصدد يمكن مراجعة كتاب: الدولة الاغلبية-التاريخ السياسي، محمد الطالبي، والذي اقتبس منه محمد شفيق نصا فريدا نشر في الحوار التاريخي بينه وبين الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله المنشور تحت عنوان: “حوار مع صديق أمازيغي”.\
[4] عبد السلام ياسين رحمه الله: الإسلام بين الدعوة والدولة، ص 280-281، مطبعة النجاح.\
[5] مسند الإمام أحمد، ص 300 الجزء التاسع والثلاثون، ط دار الرسالة، تحقيق وتعليق وتخريج: شعيب الأرناؤوط وعادل مرشد.\
[6] باختصار عن المعجم الكبير للطبراني، ص 236، الجزء الثاني عشر. مكتبة بن تيمية.\
[7] جمهرة اللغة، أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي.\
[8] كتاب العين، أبو عبد الرحمن الخليل الفراهيدي.\
[9] نفس المصدر.\
[10] عبد السلام ياسين رحمه الله: جماعة المسلمين ورابطتها، ص 49، ط دار لبنان للطباعة والنشر.\
[11] نفس المصدر السابق.\
[12] صحيح سنن أبي داود للألباني رحمهما الله، ص 23، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع.\
[13] الإسلام غدا: عبد السلام ياسين رحمه الله.\
[14] عنوان مقالة للأستاذ عبد الواحد المتوكل في جريدة الفتوة إحدى جرائد ومجلات جماعة العدل والإحسان الموؤدات!\