ليس المقصود من العبادات مجرد القيام بحركات متفرقة وأعمال ظاهرة، ولكن المقصود تحقيق معاني العبودية، وأن يخضع العبد لربه ومولاه لتأتي الثمرة وهي تقوى الله عز وجل، وإصلاح ما يكون به صلاح للفرد والمجتمع، ألا وهو القلب، كما يُقصد من الأعمال التعبدية تعظيم شعائر الله، وقد ورد ذلك عند ذكر جل العبادات؛ ففي فريضة الصيام مثلا يقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ 1 .

وعن مناسك الحج وأضحية العيد قال عز من قائل: وَمَنْ يُعَظِّم شَعَائِر اللَّه فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوب 2 . قال الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية: فشعائر الله أعلام دينه لاسيما ما يتعلق بالمناسك. وقال قوم: المراد هنا تسمين البُدْن والاهتمام بأمرها والمغالاة بها؛ قال ابن عباس ومجاهد وجماعة: وفيه إشارة لطيفة، وذلك أن أصل شراء البُدْن ربما يُحمل على فعل ما لا بد منه، فلا يدل على الإخلاص، فإذا عظمها مع حصول الإجزاء بما دونه فلا يظهر له عمل إلا تعظيم الشَّرع، وهو من تقوى القلوب).

ويلاحظ أن النسك والقربات تحولت عند كثير من الناس إلى عادة يتنافسون عليها ويتباهون ويتفاخرون، ويتبارون في الأعمال الظاهرة، ولا شك أنها مطلوبة، لكن ينبغي أن يُعرف أن المقصود في الأعمال الظاهرة هو التأثير على القلب، وأعظم ما يُتقرب به إلى الله تعالى في هذه العشر الأول من شهر ذي الحجة أن يجدها الإنسان فرصةً لتصفية القلب، فحسنات القلوب أهم من حسنات الجوارح، وهي الأصل لحسنات الجوارح. ولتحقيق هذه العبودية، خصوصا في هذه الأيام المباركة، ومع قرب عيد الأضحى وذبح الأضاحي، ينبغي أن نستحضر ونتأمل قوله تعالى: لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ 3 .

قال الإمام القرطبي في تفسيره لهذه الآية: قال ابن عَبَّاس: “كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يُضَرِّجُونَ الْبَيْت بِدِمَاءِ الْبُدْن، فَأَرَادَ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلكَ” فَنَزَلَتْ الْآيَة. وَالنَّيْل لَا يَتَعَلَّق بِالْبَارِئِ تَعَالَى، وَلَكِنَّهُ عَبَّرَ عَنْهُ تَعْبِيرًا مَجَازِيًّا عَنْ الْقَبُول، والْمَعْنَى: لَنْ يَصِل إِلَيْه. وَقَالَ ابن عَبَّاس: لَنْ يَصْعَد إِلَيْهِ. وقال ابن عِيسَى: لَنْ يَقْبَل لُحُومَهَا وَلَا دِمَاءَهَا، وَلَكِنْ يَصِل إِلَيْهِ التَّقْوَى مِنْكُمْ؛ أَيْ مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهه، فَذَلِكَ الَّذِي يَقْبَلهُ وَيُرْفَع إِلَيْهِ وَيَسْمَعهُ وَيُثِيب عَلَيْهِ؛ وَمِنْهُ الْحَدِيث؛ )“إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ”.

وفي مختصر تفسير ابن كثير: قول تعالى إنما شرع لكم نحر هذه الضحايا لتذكروه عند ذبحها، فإنه الخالق الرزاق لا يناله شيء من لحومها ولا دمائها، فهو الغني عما سواه، وقد كانوا في جاهليتهم إذا ذبحوها لآلهتهم، وضعوا عليها من لحوم قرابينهم ونضحوا عليها من دمائها، فقال تعالى: )لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا، عن ابن جريج قال: “كان أهل الجاهلية ينضحون البيت بلحوم الإبل ودمائها، فقال أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: فنحن أحق أن ننضح فأنزل اللّه”لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم أخرجه ابن أبي حاتم، أي؛ يتقبل ذلك ويجزي عليه، كما جاء في الصحيح: “إن اللّه لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم” وجاء في الحديث: “إن الصدقة لتقع في يد الرحمـن قبل أن تقع في يد السائل، وإن الدم ليقع من اللّه بمكان قبل أن يقع إلى الأرض” 4 .

فإذا تأملنا هذه المعاني ونحن نؤدي العبادات، واستشعرنا هذا المعنى بالخصوص عند ذبحنا للأضحية، فسنجد أن الوضع قد اختلف عندنا – إن شاء الله تعالى – ولم يعد الأمر عادة موروثة، ولكن عبادة محضة، من خلالها يصلح القلب وينتعش بنور الله تعالى، فنستحضر معاني التقوى، ونكثر من ذكر الله تعالى ومن العمل الصالح؛ من صلة الأرحام وإطعام الطعام، وإصلاح ذات البَـيْن، وتعاون على البر والتقوى.

أسأل الله عز وجل أن يتقبل منا جميعا صالح الأعمال، وأن يجعل نسكنا صوابا وخالصة لوجهه الكريم، وأن يجعلها من تقوى القلوب. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.


[1] البقرة / 182.\
[2] الحج / 30.\
[3] الحج / 35.\
[4] مختصر تفسير ابن كثير، ج: 2 / ص: 546.\