وأخيرا انتهى مسلسل الانتظار

بعد حوالي نصف سنة وأكثر من الانتظار، تم الإفراج عن لائحة حكومة الائتلاف الحكومي قبل يوم واحد من افتتاح السنة البرلمانية الذي يوافق الجمعة الثانية من شهر أكتوبر. ستة أشهر وزيادة مدة معتبرة من زمن الولاية الحكومية، كانت بمثابة وقت ميت أو مستقطع، أضفى على الحكومة صفة تصريف الأعمال، فارتبكت مصالح العباد والبلاد، إلا من زيادات حارقة في ثمن المحروقات.

المهم أن مسلسل الانتظار وقتل الوقت قد انتهى، ليطوى بذلك ملف أريد له أن يغدو حديث العام والخاص، وتحولت كواليس المفاوضات إلى مواضيع للتدريب على مهارة التحليل السياسي، فمع كل تشكيلة حكومية مفترضة تتناسل التعليقات والقراءات وتُستهلَك أوقات في “ثرثرة” سياسية؛ وهذا في حد ذاته مطلوب، ما دام واقع التدبير العام لشؤون العباد والبلاد يراهن على” ربح” الوقت، في أجواء إقليمية يطبعها المخاض.

في تشكيلة الحكومة وهندستها

عُلم من خلال النزالات التي توجت بانسحاب الاستقلال من الائتلاف، أن تعديل الهندسة الحكومية خط أحمر لا يمكن القَبول به، غير أن الإعلان عن تشكيلة الحكومة في نسختها الثانية تأسس على هندسة حكومية وتوزيع جديد للوزارات والقطاعات الحكومية، وهذا أول تراجع يسجل على رئيس الحكومة، والذي لو قبله من غريمه حميد شباط لكفى نفسه والشعب المغربي عناء الترقب والانتظار، ولأبقى في رصيده السياسي الكثير من النقط.

إن اعتماد هندسة حكومية جديدة فرض تغييرات طبعت النسخة الثانية للحكومة يمكن إجمالها في:

1. رفـع عـدد الحقائب الوزارية

سجل التعديل الحكومي رقما قياسيا في زيادة الحقائب الوزارية بنسبة: 20,51% في ظرفية اقتصادية صعبة، كانت ربما تفرض إجراء نقيضا يتمثل في اعتماد أقطاب لتجميع القطاعات المتجانسة، عوض تقسيم وزارات وإحداث أخرى في ظرفية تفرض التقشف وترشيد النفقات، وهو ما يدل أن المبدأ الذي تحكم في تشكيل الحكومة ليس المصلحة العامة للبلاد، بقدر ما كان إرضاء مكونات الحكومة بإقحام أسماء جديدة، ما دام تغيير الوجوه المستوزرة على مستوى كل حزب غير وارد.

إن إحداث وزارات أو اقتطاعها من أخرى قائمة يفرض زمنا غير قصير لامتلاك معلومات القطاع وتوزيع الموارد البشرية والاتفاق على الصلاحيات، وهذا يعني المزيد من الوقت الميت في أداء الحكومة. ناهيك عما يتطلبه زيادة الوزارات من إنشاء لمقـار إداريه على مستوى الجهات والأقاليم ودواوين الوزارات، وهذا إلى جانب كلفته المادية التي ستبلع جزءا مهما من ميزانية الدولة في وقت تشكو فيه العوز المالي. لذلك، فهذا الإحداث يخدم مصالح النظام ويكرس نهجا مترسخا أساسه توفير فرص مناصب سامية توسيعا للقاعدة الممالئة تتفنن في المنافحة على توجهاته. وعليه، فالغاية ليست تدبير الشأن العام للبلاد، بقدر ما هي تدبير يضمن مركزية النظام في المشهد السياسي.

2. شعـار إنصاف المرأة

تحولت قضية إنصاف المرأة إلى تُهمة يتابع بها رئيس الحكومة وحزبه ذو المرجعية الإسلامية، رغم أن الأحزاب الأخرى المكونة للائتلاف لم تُسمّ أية شخصية نسائية. لهذا، شكل التعديل الحكومي فرصة لتدارك الأمر، غير أن المتتبع للفريق الحكومي سيلاحظ أن مبدأ “التنقيص” بوعي أو بدونه ظل سيد الموقف من المرأة، ذلك أن الوجوه النسائية لم تسند لها وزارات وازنة، بل حصرت في وزارات منتدبة لا تعدو أن تكون مكتب خبرة لوزارات فعلية.

3. تحرير المواقع

أكد التعديل حرص النظام على استرجاع ما اضطره الربيع المغربي التنازل عنه. في هذا السياق، جاء التراجع على شق “الحريات العامة” من اسم وزارة العدل، حتى يتم التخلص من هذا العبء ويُعوّم شأن الحقوق والحريات العامة ويُوزع “دمها” على قطاعات وهيئات تفضل أن تعلن بدء راحتها البيولوجية، فتغِطّ في نوم الدِّببة شهورا، كلما حمي الوطيس وعلت الهراوات رؤوس العباد.

وكان لافتا استرجاع أم الوزارات وإسنادها “لأهلها” لتعود إلى طبيعتها السيادية، وهو أمر لا يخلو من دلالات، لا سيما والانتخابات الجماعية على الأبواب، ولم يعد إرجاؤها مقبولا بدعوى التخوف من اكتساح حزب المصباح للمجالس الجماعية؛ تخوف ـ ربما ـ لم يعد قائما أو تضاءل على الأقل ـ والمفاجئات يتولاها شيوخ الهندسة الانتخابية ـ بعد الانتخابات الجزئية الأخيرة في جماعة مولاي يعقوب، والتي تصلح مؤشرا جاء إلغاء الصفة السياسية على وزارة زادها وغذاؤها والدم الجاري في شرايينها التعليمات ليؤكده.

وتأكيدا لذات التوجه، جاء إسناد وزارة الخارجية والتعاون بصفتها الواجهة السياسية للنظام لحزب ولد وترعرع على أعين المخزن وفي حضنه. ومن الطرائف أن اكتفت القناة الثانية في نشرتها الإخبارية مساء الإفراج عن الحكومة بصور تسليم السلط لوزارتي الداخلية والخارجية فقط.

4. عودة التكنـوقـراط

معلوم أن اللجوء إلى التكنوراط سُبّة للعمل الحزبي، مهما كان التبرير. فإسناد حقائب وازنة لشخصيات غير محسوبة على هيئة حزبية ضرب لمبدإ ربط المسؤولية بالمحاسبة. والتعديل الحكومي قوّى فريق التكنوقراط وصار يكون نسبة مهمة عددا ونوعا، فأغلب الوزارات الأساسية يتولاها التكنوقراط، ومنها: الداخلية، الأوقاف والشؤون الإسلامية، الفلاحة، التعليم. فمن سيحاسب هؤلاء على إخفاق تدبيرهم؟ هل يُحاسَب على ذلك رئيس الحكومة باعتباره من اقترحههم كما يدل على ذلك ظاهر النص الدستوري؟ أم تراهم فُرضوا على رئيس الحكومة، وبالتالي تتحمل مسؤولية أدائهم إيجابا أو سلبا الجهة التي فرضتهم؟

في ذات الاتجاه، بأية صفة تم الإبقاء على وزير التعليم السابق ـ الوفا ـ في النسخة الثانية؟ أم أنه العرفان بالجميل. وبالتالي، هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟

حَـصَـاد ومُحصلة

أما بالنظر إلى حصَاد ومحصلة مسلسل التعديل، فإنه يمكن تسجيل الخسارات الآتية:

1. الخاسر الأول هو الشعب المغربي الذي ظهر أن الاهتمام والتهمم بقضاياه وشؤونه يأتي بعد المآرب الحزبية والمصالح الشخصية، وإلا ما سرّ هذا التهافت على الاستوزار؟ وما دلالة حرص الكتاب العامون للأحزاب المكونة للحكومة على الحضور في الفريق الحكومي؟

2. الخاسر الثاني هو الحياة السياسية التي فقدت المصداقية، فالتحالفات والخصامات السياسية لا ضوابط سياسية أو تصورية لها؛ وإنما الضابط هو المصلحة، فخصم الأمس حليف اليوم ودون حرج.

3. الخاسر الثالث هو العملية الديمقراطية، فالواقع أثبت شكلية العمل الحكومي وشكلية سائر المؤسسات المنتخبة؛ ففي الوقت الذي انكبت فيه الحكومة لمعالجة ترميم صفوفها، وغدت حكومة تصريف أعمال نتيجة فقدها الأغلبية البرلمانية، استمر أداء مختلف الإدارات بنفس الوتيرة، ما يؤكد أن وجود الحكومة وغيابها سيان.

وبصرف النظر عن صواب التحليلات والمؤاخذات، يبقى للحكومة في نسختها الثانية أن تُقنع بأداء فريقها وتحقيق اختراق لقلعة العفاريت والتماسيح يترجم قرارات جريئة وناجعة لمواجهة واقع اجتماعي آخذ في التأزم وفساد تجاوز المأسسة إلى “الإشعاع”؛ مثلما سيراقب المغاربة مستوى الانسجام والتناغم بين فرقاء الائتلاف وقدرتهم على تجاوز التنابز السياسي الذي طبع المرحلة الأولى من أداء الحكومة.

هي إذن تحديات موضوعية وذاتية تشكل المحك الحقيقي لما يُستقى من تصريحات، وما يُسوّق من وعود وتفاؤل غداة التسمية والولادة. وكما تقول الحكمة: “ما ترى، لا ما تسمع”.