بعد مفاوضات دامت قرابة ثلاثة أشهر، اتسمت بالغموض والانتظار، تم تنصيب حكومة السيد بنكيران الثانية، أمس الخميس 10 أكتوبر 2013 بالرباط، بعد التعديلات الكثيرة التي طرأت عليها، إثر انضمام حزب التجمع الوطني للأحرار خلفا لحزب الاستقلال الذي خرج من الائتلاف الحكومي.

الملاحظة الأولى التي يمكن تسجيلها أن النسخة الثانية من الحكومة، التي أكملت ثلث ولايتها، ارتفع عدد وزرائها إلى 39 وزيرا عوض 31 في النسخة الأولى. وهو ما يدفع إلى كثير من الغرابة والاستغراب؛ لأن السياق الاجتماعي والاقتصادي الراهن يتسم بإجراءات رسمية تنحو نحو تقليص نفقات الدولة وترشيد ميزانيتها (حديث رئيس الحكومة عن إيقاف التوظيف وتجميد الترقيات…)، كما يتميز بضرب القدرة الشرائية للمواطن المغربي البسيط وإرهاقه برفع الدعم عن المواد الأساسية بدعوى الحفاظ على توازن الميزانية العامة وإصلاح صندوق المقاصة وإكراهات الوضعية الاقتصادية الصعبة التي يعيشها البلد (قرار اعتماد نظام المقايسة وما تبعه من زيادة في أثمان المحروقات، الزيادات في الحليب…).

فكيف يستقيم خطاب الدولة هذا مع التوسع في الوزراء والوزارات وما يستتبعه من كلفة مالية ضخمة؟ ثم أين ذهبت وعود تجميع القطاعات الحكومية في أقطاب كبرى لا تتجاوز الواحد والعشرين ترشيدا للأموال وطلبا للحكامة؟

الملاحظة الثانية هي تعزيز حضور وزراء تقنوقراط، حتى بات “حزب التقنوقراط” هو الحزب الثاني في فسيفساء الحكومة. فقد انضاف ثلاثة وزراء لا لون سياسي لهم، إلى خمسة مثلهم، وتخلي سادس عن جبته السياسية، ليرتفع العدد إلى 9 وزراء.

واللافت هنا أن الخطاب الذي تصدر المشهد عشية منح دستور فاتح يوليوز، وتشكيل حكومة 25 نونبر 2011، أن الزمن زمن الحكومة السياسية والقيادة المسؤولة، خاصة والانتخابات التي نتجت عن ضغط الشارع وناورت رياح الربيع قيل أنها ستفرز رئيسا سياسيا من حزب أول قد يوظف في الحدود الضيقة تقنوقراطا، فإذا بالتقنوقراط أصبحوا “حزبا ثانيا” في “الحكومة السياسية”!!

الملاحظة الثالثة هي الرجوع القوي لوزارات السيادة، والتوسع الملحوظ في مفهومها، فإلى جانب الأوقاف والأمانة العامة وإدارة الدفاع، تم استرجاع الخارجية، ذات الرأسين، لتسلم لرجل دار المخزن، واستعادة الداخلية صراحة “سيادتها”، وأصبح التعليم، بعد خطاب 20 غشت، سياديا هو الآخر…

ورغم أن العالمين بخبايا السياسة الرسمية وقراراتها ودواليبها يدركون تماما أن الحكومة، وكيفما كانت تركيبتها ولونها السياسي، لا يمكنها، في ظل الشروط القائمة، أن تشتغل خارج الاستراتيجيات الكبرى التي يضعها الملك، فإن وزارات السيادة تضيف مزيدا من الوصاية المخزنية على الحكومة وتحيط قطاعاتها الحيوية بكل ضمانات الولاء وتمنعها من كل تفلت غير محسوب.

ولعل جميع المراقبين يتذكرون أن الخطاب السياسي الحزبي كان، في فترات من زمن “النضال”، يجادل في “وزارات السيادة” وعددها وطبيعتها ويسعى جهدها في تقليصها لأنها يد ملكية مباشرة على الحكومة. كل ذلك في ظل دساتير سابقة، فكيف انقلب الحال في ظل “ثورة دستورية” قيل للحظة أنها ستدخلنا إلى زمن “الملكية الثانية”!!

يمكننا أن نسجل ملاحظات أخرى؛ كالتخلي عن “الحريات” في وزارة العدل ودلالاتها، وإلغاء “المجتمع المدني” في وزارة العلاقة مع البرلمان ومعانيها. وتقليص نفوذ ومكانة حزب العدالة والتنمية باعتباره الحزب الأول وقائد الحكومة، من خلال إضافة مقاعد وزارية لباقي الأحزاب إلا هو، وإعادة توزيع عدد من وزرائه في الوزارات ذات الرأسين، وإبعاده عن بعض القطاعات الحيوية كـ”الخارجية” و”الصناعة والتجارة” و”الشؤون العامة والحكامة”.

غير أن الملاحظة الرئيسية الرابعة هي عبارة عن سؤال في العمق عن المبدئية والبرغماتية، إذ في الوقت الذي ما زالت فيه رنات الخطاب الذي تردد في آذان الناخبين والمواطنين عن “الفساد” و”المفسدين” و”الاختلاس” و”المختلسين”، وعن انتهاء صلاحية هؤلاء لقيادة “مغرب ما بعد الحراك العربي”، ما لبثت مقولات “إكراهات السياسة” و”قوانين الانتخاب” أن تصدّرت المشهد، ليستقر على هذا “التحالف الهجين”.

نطرح السؤال من داخل سقف ونسق “الإصلاح في ظل الاستقرار”: ألم يكن بالإمكان، من منطلق المبدئية في العمل السياسي، بعد انفراط عقد الحكومة، ترجيح خيار الذهاب إلى انتخابات سابقة لأوانها، بدل هذه البرغماتية السلبية التي تضع أصحابها في دائرة الحرج والضعف والمساءلة؟

إنها ملاحظات أساسية على النسخة الثانية لحكومة تأسست في سياق ما يحسبه البعض جزرا للربيع العربي، حيث أوهم الحاكمون الفعليون ألاّ مدّ بعد الجزر، لتكشف السياسة الرسمية عن طبيعتها الضاربة في التحكم، واصطناع التحالفات غير المنسجمة، وإدامة حالة الارتباك لدى “المؤسسات الثانوية”، وخلق الحاجة الدائمة لمؤسسة الحاكم الفعلي.