أما قبل

أعمال العقلاء منزهة عن العبث). هذا عن العقلاء، عموم العقلاء. والمفروض في من ينتصب لتدبير شأن العباد والبلاد أن يحوز حظا كبيرا من الحِلم والحكمة وبُعد النظر، فلا يُقدم على أمر من الأمور إلا بعد تروٍّ وتقليب الرأي، حتى لا تأتي قراراته بنتائج عكسية تخدش هيبة الدولة، وقد تكون لها تبعات من شأنها أن تهدد الاستقرار والتماسك الاجتماعيين ولو بعد حين.

والمتتبع لتدبير الشأن العام للبلاد، يسجل إقدام المسؤولين على قرارات لا تسعفها الحكمة والتبصر بعواقب الأمور، وتتسم بنوع من ردود الأفعال والشخصانية التي تطعن في شعار: “دولة المؤسسات”. في هذا السياق، نقف على ثلاثة نماذج من قرارات أرخت بظلالها على هيبة الدولة ومصداقيتها لدى الرأي العام المحلي والخارجي، نعرضها بحسب تواريخ وقوعها.

تشميع بيوت العدل والإحسان

في إطار حملات التضييق والتعسف الذي اختاره النظام أسلوبا للتعامل مع جماعة العدل والإحسان باعتبارها ترفع مشروعا تغييريا جادا، من جهة، وباعتبارها شقت عصا الطاعة المخزنية، من جهة ثانية، وتطبيقا للتعليمات، وضدا على كل القوانين والأعراف، دشنت السلطات الترابية حملات مسعورة على الجماعة تستهدف تجمعاتها وأنشطتها ربيع سنة 2006، وتوجتها ـ بعد سلسلة من المحاكمات الصورية لأعضاء الجماعة في مختلف ربوع البلاد ـ بتشميع مجموعة من البيوت والمقرات، كان أبرزها بيت الأمين العام للجماعة الأستاذ محمد عبادي بمدينة وجدة، وبيت الأستاذ حسن عطواني بمدينة بوعرفة.

إجراء التشميع الذي جاء في شكل قرار إداري لا يستند لحكم قضائي فضح العقلية التحكمية للمسؤولين، وكشف زيف شعار: “دولة الحق والقانون”، وأكد أن واقع حال تدبير شؤون البلاد يقوم على “ما أريكم إلا ما أرى”، فالسلطات الولائية بوجدة تبرأت من قرار التشميع، والمحكمة رأت أن التشميع خارج عن المسطرة القانونية، وبالتالي لا دخل لها فيه. ويزعم زاعم أننا في دولة المؤسسات، وعلى المتظلم اللجوء إلى القضاء.

قرار بهذا الشكل، ما هي دلالاته ورسائله؟ فبمنطق الربح والخسارة، كلف القرار النظام/الدولة كثيرا على المستوى الحقوقي وأفقده الكثير من النقط، إذ أكد بالملموس جنوح النظام للإجهاز على الحريات والتضييق على الخصوم. ويكفي الإحالة إلى أسلوب تعامل أجهزة الدولة مع فعاليات القافلة الحقوقية المشكلة من هيئات دولية ووطنية للتنديد بتشميع بيوت قيادة العدل والإحسان، وما ترتب عن ذلك من تنديد وشجب وتعسف يسهم في رسم صورة قاتمة للشأن الحقوقي في المغرب. لذلك ـ وكما صرح الأمين العام للجماعة الأستاذ محمد عبادي غداة الذكرى السادسة لتشميع بيته ـ “سيبقى هذا الحصار– ما لم يرفع– شاهدا على بطلان الشعارات المزيفة من قبيل: دولة الحق والقانون، حقوق الإنسان، العهد الجديد، الإصلاح في ظل الاستقرار… إلى غير ذلك من الشعارات التي لا علاقة لها بأرض الواقـع”.

العفو على مغتصب الطفولة المغربية

في أول سابقة من نوعها، شهد الشارع المغربي احتجاجات بحضور نوعي ممثلا في ثلة من الحقوقيين والإعلاميين والفنانين وشرائح شبابية تنديدا بقرار محسوب اختصاصا على المؤسسة الملكية، وبمناسبة ذات رمزية خاصة لدى النظام.

إن المتأمل في القرار لا يكاد يجد له تفسيرا، إلا العبث بمشاعر الشعب والاستخفاف بذكائه، لاسيما والإسبان أنفسُهم: ملكا وبرلمانا وحكومة ومجتمعا مدنيا شجبوا قرار العفو على مفترس براءة الطفولة واستغربوا اتخاذ القرار؟ هل القرار ـ وقد انكشفت الحقائق والدوافع ـ أفاد البلد وأسهم وأكسب ملف الوحدة الترابية بعض النقط انسجاما مع ما تمّ التصريح به من طرف مسؤولين حكوميين يبرر القرار/الفضيحة بالمصلحة الوطنية؟ أم إن القرار كشف بالملموس أن تدبير شؤون العباد والبلاد تحكمه المزاجية؟ ألم يجعل هذا القرار المؤسسة الملكية التي اجتهدت لتبقى عبر تاريخها في منأى عن التجاذبات السياسية المباشرة في منطقة الضوء وأتاح فرصة لتداول آليات اشتغال المؤسسة الملكية وأزاح عنها صفة “الطابو”، وطرحت تساؤلات كثيرة من قبيل: كيف تشتغل هذه المؤسسة المحصنة بأسوار من “التابوت” السميك؟ ما هي مرجعيتها الدستورية؟ ما طبيعة علاقتها بمؤسسات الدولة: حكومة، قطاعات مختلفة؟ ما هي ضوابط تدخلاتها؟ هل المستشارون فيها ممثلون للمؤسسة الملكية ناطقون باسم الملك يستمدون منه “القداسة”، أم إنهم موظفون سامون وخبراء يهيئون الملفات ويُعدون المعطيات، ليس إلا؟

ولأنه رب ضارة نافعة، فقد أسهم القرار/الفضيحة في بلورة الوعي الشعبي، في الوقت الذي أضر بهيبة المؤسسة الملكية ووضعها في حرج غير مسبوق، واضطُرت لاتخاذ إجراءات لم ترق للإقرار بمسؤولية ما حدث، لكنها تبقى سابقة.

اعتقال الإعلامي علي أنوزلا

سابقة أخرى، ومن عيار آخر، شكلها قرار اعتقال الإعلامي علي أنوزلا ومتابعته بقانون الإرهاب والتآمر على استقرار البلاد وأمنه. قرار لن تنتهي تداعياته بمحاكمة الرجل مهما أبدعت النيابة العامة في تكييف الأفعال المنسوبة للمتابع، بل سترخي بظلالها على المشهد الحقوقي العام القاتم أصلا لما يطفح به من خروقات وإصرار على الإجهاز على حريتي الرأي والتعبير.

يتابع الإعلامي علي أنوزلا بنشر بوابته الالكترونية تقريرا إخباريا والإحالة على رابط لشريط تتوعد فيه جهات إرهابية معينة باستهداف أمن المغرب واستقراره. هذا منطوق المحاضر وظاهر التهم، في حين يجمع المتتبعون للمسيرة الإعلامية لعلي أنوزلا أن قرار المتابعة جاء بعد رسائل وعيدية للرجل لما اتسمت به مقالاته من جرأة في تناول قضايا مختلفة، ومنها تحديدا ما يهم المؤسسة الملكية. ووفق لتحليلات المتتبعين، فإن اعتقال علي أنوزلا جاء بعد دخول النظام السعودي على الخط، بعد مقاله: “السعودية خطر داهم”، والذي كاد أن يحدث أزمة دبلوماسية بين المملكتين، فرأى “أصحاب الوقت” أن يُودع الرجل السجن عسى أن يُروّض قلمه، وتخف حدة انتقاداته.

وبالعودة إلى علة الاعتقال المعلنة، وكما يقال: حاكي الكفر ليس بكافر، فإنجاز تقرير إخباري عن الشريط أو نشر رابطه على موقع جريدة البايس، يمكن أن يفهم تهمما وخوفا على أمن المغرب واستقراره. وبالتالي، أيهما أحرص على وطنه وبلده: من يحذر من تهديد إرهابي محتمل أم من يغض الطرف ويتجاهل الخطر؟ ثم إذا كان مجرد نشر الرابط جناية، فماذا عن هيئات حزبية في شخص أماناتها العامة شاهدت الشريط وناقشت مضامينه وخرجت على الرأي العام الوطني بانطباعاتها وأحكامها عن الشريط مضمونا وجهة محتملة وراء إصداره؟ ثم أي انغلاق وانحسار هذا الذي يريد أن يفرض في زمن سريان المعلومات وهجومها على المتلقي؟ لو لم ينشر الرابط على البوابة الالكترونية التي يشرف عليها الإعلامي علي أنوزلا، هل كان خبره سيطوى ويصبح نسيا منسيا؟

إن كلفة المتابعة حقوقيا وسياسيا كبيرة وضخمة، ويكفي رصد مستوى التفاعل مع القضية دوليا ووطنيا، حيث استحال علي أنوزلا رمزا لحرية الرأي والتعبير، واستحالت محاكمته وصمة عار في جبين دولة تُسوق نفسها نموذجا لإقرار الحقوق والحريات، من خلال دستور ـ على علاته ـ لم تر بنوده النور. كيف يقيم أصحاب القرار اعتقال علي أنوزلا وهم يتابعون تناسل تشكيل التنسيقيات والهيئات الحقوقية والإعلامية في المغرب كما في أوروبا وأمريكا اللاتينية تحديدا، تشجب الاعتقال وتعلن تضامنها مع الإعلامي أنوزلا. ترى، من المسؤول على هكذا قرار؟ من ورّط البلاد في فضيحة حقوقية من هذا العيار دفعت الخارجية الأمريكية لتخرج من صمتها وتطالب بإطلاق سراح الإعلامي أنوزلا؟

تعددت القرارات والخيبة واحدة

إن هذه القرارات وغيرها كثير يطرح سؤال النزاهة والمصداقية على صناعة القرار في البلاد، ويثير تخوفات مشروعة عن مستقبل البلاد، وإلا فكل مواطن يجب أن يعتبر نفسه في حالة سراح مؤقت ينتظر أن تصدر التعليمات باعتقاله ومتابعته، لا يهم أن تكون التهمة أو التهم مبررة أم لا، المهم هو الاعتقال، وبعد ذلك تُحَمّل النيابة العامة في شخص قاضي التحقيق مسؤولية التكييف.

في كلمة واحدة، إن هكذا تدبير، وبهذه المزاجية يخدش في هيبة الدولة وينال من مكانتها بين الدول ويهدد مصالح الشعب وينمي المخاوف على أمن البلد واستقراره.