استهلال

شكلت الأحداث المروعة التي أصابت الدار البيضاء يوم 16 ماي 2003 مخاضاً عسيراً لمجموعة من الشباب الذين كانوا بمثابة أكباش فداء لعملية ولادة قانون جديد عُرف باسم “قانون الإرهاب”، فتبناهُ النظام المخزني وعمل على حقنه بجرعات زائدة من التهويل والإثارة عبر ما يملكهُ من قنوات إعلامية فاسدة، الشيء الذي أحدث طفرة نوعية في شكله الخارجي ليتحول إلى بعبع مخيف تلجأ إليه الأنظمة الاستبدادية لإرهاب معارضيها، وهو ما يجعل حملاته المسعورة تتجدد كلما أحست بزعزعة استقرارها في دواليب الحكم!

تجفيفُ الأقلام الحرة!

علي أنوزلا صحفي من أحرار هذا الوطن الذين ارتبط قلمهم الحر بإزالة الأقنعة – التي يرتديها الفاعلون الجدد للتستر – عن أوضاع الفقر والتخلف والظلم والاستبداد والتسلط والطغيان، كان سبباً في جعل مصير هذا القلم تجفيفُ مداده خلف القضبان بتهمة خطيرة تضعُ حرية الصحافة على المحك، وتدخلها في دوامة امتحان عسير يبث فيها قوة الصدع بالحق لا الخوف والنكوص على أعقابها إلى جانب أقلام التملق والزلفى وطبول الدعاية والنفاق وتزييف وتدليس السلطة والأمة!

حرية الصحافة مضمونة!

إن هذا الواقع الاستبدادي الأسود الذي نعيشه اليوم خير شاهد على جرائم المخزن السوداء؛ فكل ما يمسُ بقدسيته لا يجد مانعاً من انتهاك حُرمته وتقييد حريته وجعله عبرة لباقي الأقلام الحرة وإرهابها ببعبع عفى عليه الزمن اسمهُ “قانون الإرهاب”، ولنفترض جدلا أن هذا القانون لهُ مسوغاتهُ وينبغي احترامه كبند من بنود دستور الدولة، فأين هي من احترام الفصل 28 منه الذي ينصُ على أنَّ حرية الصحافة مضمونة، ولا يمكن تقييدها بأي شكل من أشكال الرقابة القبلية) وأنَّ للجميع الحق في التعبير، ونشر الأخبار والأفكار والآراء، بكل حرية، ومن غير قيد)؟ أين هي الدولة من هذا الفصل الذي يخولُ لكل مواطن حرية التعبير والرأي ونقل الخبر وممارسة العمل الصحافي؟

وإذا كان هذا الفصل يوضح بشكل مباشر أن حرية الصحافة لا تخضع للرقابة القبلية، لكنها خاضعة للرقابة البعدية، بمعنى أن الصحافي معرض للمحاسبة بعد نشر الخبر، إما بقانون الصحافة، أو بالقانون الجنائي، أو بقانون الإرهاب، على اعتبار أنَّ المشرع المغربي لم يشر إلى ذلك، فهل ما نشره أنوزلا على الموقع الإلكتروني “لكم” يقتضي أن يتابع على إثره بـ”قانون الإرهاب” بدل أن يتابع بـ”قانون الصحافة” ولو أنَّ متابعته على هذه الخلفية خرقٌ سافرٌ لحرية العمل الصحافي؟

باختصار

لن تكون لدينا صحافة متحررة من رقابة المخزن وقيوده ما لم يتوفر لدينا صحفيون أحرار، موضوعيون، علميون، أخلاقيون، يحترمون رسالتهم، ويتمسكون بقيمها، ويدافعون عنها… لأنهُ لا اعتراف بالقانون في قاموس الأنظمة المستبدة!