هذه صياغة شعرية، لقصيدة “القلب”، للشاعر الكبير، محمد إقبال. وهي من ديوان: “هدية الحجاز”، آخر ما كتب رحمه الله. وقد نقله إلى العربية، الأستاذ سمير عبد الحميد إبراهيم، حيث يقول: رحل إلى الحجاز بخياله القوي وشعره العذب وقلبه الذي ملأه الشوق… ليحمل لأصدقائه وأهله وأمته هدية الحجاز).

يسميه الإمام المجدد عبد السلام ياسين بشاعر الإسلام، ويسوق في حقه شهادة خالدة، في كتابه “حوار الماضي والمستقبل”: أدْعَى للإعجابِ والتقدير من تعرضَ للقنبلة الثقافية الغربية أثناء دراسته في أوربا سنينَ طويلَةً، فَمَا زاده التَعمّقُ في الثقافة الغربية إلا تشبثا بدينه. فينا، والحمد لله، نُظراءُ لمحمد إقبال).

القلب بحر لو ترى العينان *** لا ينتهي ويحد بالشطآن
وفرائص التمساح ترجف رهبة *** من موجه يهتز بالأركان
الفلك لا يرقى إلى فقاعة *** في حجمه من ذلك الفيضان
وهو الذي يغشى المئات من السهو *** ل وما يمر بها من الوديان
****
وفؤادنا نار ترى من حولها *** جسدا تموﱠج من ثرى الدخان
إني شغفت بنغمة لوجودي *** وهي ارتفاع حرارة الإنسان
والقلب يسكن بالتهجد خاشعا *** كالزئبق للعود باطمئنان
****
إن الفقير بحفظه للذات *** تبقى مفاخره مدى الأزمان
هذا هو الفقر المحقق للغنى *** حفظ الفؤاد بلجة الأبدان
كالبحر يحفظ في حشا أعماقه *** أسرار جوهره من الأدران
****
لا تختبر أبدا صلابة ذاتك *** ويداك في الأغلال والقدمان
لو لم يكن بالصدر قلب عامر *** بالحب يدفعه إلى الطيران
لتحول العقل الذي يسمو به *** قيدا له والجسم كالقضبان
****
وتقول إن القلب من هذا الثرى *** ودم جرى عن سنة الدوران
بالكاف والنون الذي لا يدرك *** متقيد متقلب الأشجان
بالرغم أن القلب بالصدر استوى *** لكنه من خارج الأكوان
****
فأنا وأنت نكون زرع الله *** وحياتنا سر من الرحمن
والقلب يحملها عروسا رائعا *** يخفي محاسنها عن الشيطان
هذا الغبار على الطريق غدا له *** علم يفيض به من العرفان
وأنت لا تدري أهذا عقلك *** أم قلبك وتضيع في التوهان
****
إن الذي يرنو إلى الحسن الغري *** ـب بمنبر فلعل منبره من الصلبان
ولقد يكون مع الجيوش وخيلها *** ملك يسير بموضع السلطان
لكنه من دون ما حظ له *** من ثروة في قبضة الفرسان
****
القلب ليس بعالم الأشياء *** ولا بدنيا الحس والألوان
لا قصر فيه ولا منازل حارة *** توحي بشيء من بنى العمران
لا أرض فيه ولا سماء ولا *** جهات أربع أو حادث وزمان
الله هو يبقى بهذا العالم *** لا شيء غير الله في الحسبان
****
القلب شاهد بالعيون بصيرة *** والعقل أحضر منطق الميزان
حتى يكيل كما يرى أركان دن *** يا أربع ما ليس في الإمكان
إن الذي يدعى بقلب سكره *** يمتص بعد الحس والألوان
****
الحب ما معناه؟ سهم النظرة؟ *** كم ذا يطيب إذا أتى ورماني
عبثا تحاول أخذ صيد باليد *** فالصيد صيد القلب والأجفان
الشمس والقمر هما زناره *** في عالم يذكي لظى الوجدان
وصياحه حل لكل فجيعة *** أو عقدة تشتد في العصيان
هذي رسالة شاعر فلتهدها *** للهند تحت مذلة الطغيان
هذا طريق العبد للتحرير *** أن يستفيق القلب في الإنسان