-1-

في رؤية الناس للإنسان تتعدد التصورات وتختلف الرؤى باعتبار قوة الرؤية ووجهة السلوك الفكري، فكم من واحد رأى حقيقة الإنسان كامنة في الالتصاق الكلي بالتراب ومادية القفص الأرضي دون النظر إلى الأفق البعيد وتجاوز الجدران السميكة والحيطان المتينة، فطالما ركض الإنسان دهرا طويلا من أجل اجتلاب مصالحه المادية الصرفة، وطالما اهتز العالم بحروب طاحنة واستغلال بشع لثروات الشعوب، وطالما انغمست البشرية في أحضان الفلسفة المادية التي تصور الإنسان حيوانا تدور حقيقته في القوة المادية والهيمنة على خيرات المستضعفين… لكن ذلك لم يزد الإنسانية إلا سقوطا في أوار الحروب العالمية الطاحنة وما فيها من إزهاق الملايين من الأنفس، فضلا عن استعباد الإنسان لأخيه الإنسان، ليعيش الحلفاء الأقوياء تسلطا عالميا وهيمنة على الثروات، وليسام المستضعفون الفقر والخصاص والمجاعة العامة.

إنها التعاسة الجائحة والشقاء المستديم والاسترقاق الكلي للإنسان من قبل الأشياء، بل هو الانسلاخ التام له من عمق إنسانيته وسر وجوده في هاته الأرض… لنخلص إلى حقيقة ظاهرة وهي أن ركض الإنسان في الأرض وتكالبه عليها وعبه من منهل المصالح المادية فحسب، إنما هو عندنا انسلاخ عن جوهر وجوده وإنسانيته وتماش له مع الدواب العنيفة والجوارح الكاسرة.

ألا ما أتعس أناسا ظنوا قوة وجودهم منحصرة في امتلاك الأشياء قصورا وذهبا وخيولا وحيطانا وبساتين… لكنهم حينما ماتوا أتى الذين من بعدهم – لاسيما الذين لم يستوعبوا الدرس- ليدخلوا سرداب الاستعباد ذاته، وليركضوا ركض الجوارح نفسها في الامتلاك الصوري المادي للأشياء، ولم يدركوا أن السر لم يكن أبدا في عبادة الأشياء الآلهة أو الانحناء للعاعات الدنيا الزائلة.

-2-

لا نتصور الإنسان ونفاسته كامنة في التماهي مع ثقافة الإشباع والإرواء لدوافع نفسية قاهرة، أو غرائز جسدية متحكمة … وإذا كان حق الجسد محفوظا في التصور الإسلامي أكلا وشربا ونوما وجنسا وإخراجا… فإن الإنسان الحر لن يرتهن لجسد، ولن يكون عبدا لدوافعه، ولن يتماهى مع تلك الدوافع الآسرة، والأصفاد المقيدة، ولن يكون الإشباع لتلك الدوافع ديدنا قويا تنسرح الهمم فيه، أو تصوب الأفكار الكلية إليه، ولن يتم التناغم أبدا مع التصور الذي يضع الإنسان في إطار غرائزي قهري لن يستطيع التخلص منه، كالطرح الذي يجعل حركة الإنسان الكلية في الأرض تنفيسا عن أسر الدافع الجنسي له أو أي دافع قهري آخر… ليكون الإنسان الخليفة عندهم مسلوب الحرية، خافت الإبداع، منتكس الهمة، مندرس الإرادة…

-3-

لا نحصر حقيقة الوجود الإنساني في الأرض على أنه جملة فعال وسلوكات ظاهرية يجب وضعها على بساط المراقبة والمحاسبة والتقويم والتقاضي والضبط، بحيث إن كل حركة قام بها المرء، تستلزم إحالتها للقانون المنظم لها على التو، فإن لم يكن ثمة قانون منظم فإن الحاجة تستدعي آنذاك استنباطه من أدلته الجزئية.

والدليل المستند عليه عند أرباب التقاضي ونتفق معهم فيه، أن الانضباط بالقانون ضرورة كلية ومصلحة قطعية في المجتمعات، إذ أن كل مجتمع خلا من قوانين منظمة لحركته، سادت الفوضى فيه وما يستتبع ذلك من هرج ومرج وتقاتل وسيادة قانون الغاب، بحيث إن الغلبة تكون فيه للأقوى لا محالة…

نعم، نحن نعتقد مثلهم أن العدل وإقامته من لب الضروريات التي إن فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وإن الحاكمية وتنزيل القوانين الإلهية الضابطة للفعل الإنساني على الأرض قصد كبير عند العلماء والفقهاء الذين يريدون من المجتمع الإنساني أن يتناغم مع المجتمع الكوني في السجود لخالقه تعبدا وانصياعا لأوامره واجتنابا لنواهيه…

نعم، هذا رأي نتفق معه لا محالة، لكنه لا يحدد جوهر الوجود الإنساني في الأرض عندنا، أي أنه لا يوصل إلى معرفة كنه مسألة الخلق والغاية من الوجود، لاسيما وإن هذا التصور للإنسان قد جعل من القوانين والتقاضي ديدنا قويا داخل الدولة ومجالا رحبا لتوجيه سهام النقد والمحاسبة والمحاكمة للآخر، وكأنه ربي الإنسان عندهم على الخروج من ذاته ليتوجه إلى الآخر ملاحظة وتدقيقا وحكما عليه.

-4-

نحن نعتقد أن التصور الحقيقي للإنسان يبنى على الغوص في ماهية الإنسان وعمق ذاته في الوجود، ذلك أن حركة المرء هنا إنما هي مرتهنة بقناعات وميولات وتصور عقدي أراد هذا الإنسان تنزيله عملا على أرضية الواقع… بمعنى أن الحركة الظاهرة إنما هي نتاج لشيء وقر في دخائل الإنسان وأعماقه وتجسدت فعلا مرئيا في الحياة… أي أن فعل الجوارح إنما هو مرتبط بما استقر في القلب الإنساني، مما يستدعي البحث عن تلك الإرادة الخفية التي حركت الجوارح لإظهار تلك الأعمال المرئية التي وضعها أرباب القانون على بساط المحاكمة والتدقيق… لذلك فإنه في فقه الأولويات يبدو المنهج التغييري راجحا على المنهج الوصفي…

والدليل على ذلك، فعل الأنبياء والمربين والذين أحدثوا تغييرا مشهودا في الواقع الإنساني… فهؤلاء لم يهتموا ابتداء لما يقوم به الإنسان من أفعال، ولم يكن همهم الأول تشييد محاكم ضابطة للفعل الإنساني داخل المجتمع، بل إنهم توجهوا للمفتاح الذي يغير الإنسان ويحرك الجارحة القائمة بالفعل، ولا عجب أن تكون أعمال الجسد عندهم كلها رهينة مضغة واحدة، إن صلحت صلح الجسد كله وإن فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب… هي القلب، محل المبادئ والقناعات والتصورات، بحيث إنها إن خالطت شغافه وانغرست فيه واستكنت في أعماقه استدعت الجسد وكل الجوارح لتنزيل مقتضيات القيم على أرضية الواقع، لتتحدث تلك الفعال عن فعال قلب ومبادئ ذات وإرادة روح وهمة كيان.

والسؤال الجوهري الذي يطرح ذاته هاهنا وهو سؤال ضروري تتوقف عليه حياة الأفراد والمجتمعات عندنا، وهو السؤال المتعلق بالذي سيكون سببا في التأثير العقدي على الإنسان؟ أي مَن هو ذاك الذي هو مؤهل لتربية الإنسان وغرس المبادئ فيه؟… من الذي سينزل المبادئ التجريدية العقلية لتغدو مبادئ قلبية تفضي لسلوكات تجسيدية في واقع الحياة؟

نعم، قد يدعي أحد أن التربية إنما تكون مستقاة من بطون الكتب لا غير، ومن أراد تكوين صرحه العقدي فإنه ملزم بمصاحبة الكتب والإدمان على الحرف والعيش بين التصورات وحياة العلماء الخالدين، نعم هذا طرح، لكننا نرجح أن القلب الإنساني هو غير العقل البشري، فكم من أناس تضخمت حويصلتهم المعرفية لكنهم لم ينزلوا ما عرفوه على الواقع تجسيدا، لأنهم لم يقتنعوا به ولم يتشربوه عقيدة فكانوا شفاه خالية من نبضات قلب، وأشداقا تمج كلمات بعيدة عن كل تأثير وجداني أو تغيير حقيقي أو بناء عقدي للإنسان.

ولننظر للمجتمعات التي شهدت إقلاعا حضاريا وارتقاء تنمويا في المجالات المتعددة لنشهد أن أس تلك النهضة إنما كانت بأناس أفذاذ زكوا أنفسهم وغيروا ذواتهم وربوا غيرهم وأثروا فيهم فتغير واقعهم وسعدت بهم الإنسانية… قال تعالى: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم صدق الله العظيم.

لذلك فالتغيير النفسي وأسسه والقيم التي يستند عليها في ديدن البناء النفسي للإنسان قضايا مصيرية كبرى في حياة الأفراد والشعوب، إذ كلما انغرست قيم خالدة في قلب وضيء شَعتْ وأزهرت عملا متوهجا قويا على الواقع الإنساني في جل مجالاته، سياسة واقتصادا واجتماعا وتربية وتعليما وإعلاما.

إن الإنسان هو ذاك القلب الذي إن انغرست فيه المبادئ والقيم غدا مكمن الإرادة المتأججة الدافعة لتجسيد القيمة عملا على أرضية الواقع… وكلما انقدحت شرارة القيم في قلب حي غدا الإنسان فردا عقائديا رساليا مغيرا للواقع الذي هو فيه… في حين أن السبح في التجريد دون إرادة التجسيد، هو انغماس في حمأة الغفلات الفردية وانتكاس عن النهوض والإقلاع والتغيير الحضاري.