في الجزء الثاني من الحوار الخاص بقضايا التعليم والذي أجراه موقع الجماعة نت مع الأستاذ نور الدين الملاخ، أحد الباحثين المشاركين في تقرير “المغرب في سنة 2012” الذي أصدره المركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات، حديث مستفيض عن التعليم الخصوصي، وقرار إلغاء بيداغوجيا الإدماج، ومشاكل التوجيه لما بعد الباكالوريا… فإلى نص الحوار:

لإنجاح مدرسة النجاح، وضع مهندسو إصلاح التعليم دورا للتعليم الخصوصي كشريك للمدرسة العمومية. ما تقييمكم لهذه التجربة؟

تم الالتزام في المجال الرابع من البرنامج الاستعجالي المتعلق بتوفير وسائل النجاح، بتحقيق مجموعة من الأهداف منها النهوض بالقطاع الخاص من خلال المشروع E4P3، وذلك بإعداد إطار استراتيجي وتأطير وتأهيل التعليم الخصوصي وتوسيع العرض التربوي به وتعزيز آليات التأطير بمؤسساته. بذلك ارتفعت نسبة مساهمة التعليم المدرسي الخصوصي في العرض التربوي للمنظومة، إذ انتقلت هذه النسبة من 7.7% في الموسم الدراسي2007-2008 إلى 10.1% في الموسم الدراسي 2010-2011، أي بنسبة زيادة قدرها 31%.

إلا أن التعليم الخصوصي في المغرب تحول إلى غابة كبيرة متوحشة وسط المجتمع، الربح المادي مقدم على المردودية التربوية. بذلك أصبحت مدرسة التعليم الخصوصي مدرسة تسويق، كأن المعرفة أصبحت بضاعة تروج بين بائع ومشتري ضمن سلسلة حلقات من الاستغلال: صاحب المؤسسة يستغل رجل التعليم ويستثمر في أصحاب الشهادات العليا بأدنى الأجور، ورجل التعليم يقدم خدماته التربوية للتلاميذ دون تكوين أو تأهيل، وصاحب المؤسسة يستثمر في الاثنين معا.

من أبرز القرارات التي اتخذتها الحكومة الجديدة على لسان الوزارة الوصية إلغاء بيداغوجيا الإدماج. لماذا؟

عاشت المنظومة التربوية منذ سنة 2000 وحتى 2010 دون بوصلة موجهة على المستوى البيداغوجي، حيث كان يتم الحديث عن الكفايات المتعددة من دون أن تجد لها سبيلا إلى الأجرأة العلمية سواء على مستوى الممارسة الفصلية أو إعداد الكتب المدرسية أو نظام التقويم، واستمر الحال إلى أن جاء مكتب خبرة أجنبي فصدر لنا بيداغوجيا الإدماج التي قدمت باعتبارها العصا السحرية التي ستعيد للمدرسة جودتها المفقودة!

طالع أيضا  ذ. الملاخ: هذه هي الشروط الأساسية لإصلاح التعليم

وعلى الرغم من الدينامية التي أحدثتها هذه البيداغوجيا على مستوى تنظيم هندسة التدريس، والتكوين المستمر، والنقاش الذي أفرزته حول مشاكل المنظومة والتجديد على مستوى التقويم وأشكاله، فإنه لم يكد يصل البرنامج الاستعجالي إلى مشارف الانتهاء حتى طلعت علينا الوزارة بقرار إلغاء العمل بالمذكرة 204 المنظمة لعملية التقويم في إطار بيداغوجية الإدماج.

وهكذا وبجرة قلم تم الإعلان وبلغة ماكرة عن التراجع عن هذه البيداغوجيا بعد أن أهدرت الأموال في التعاقد مع مكتب “كزافيي” وخبرائه في تكوينات ارتجالية، وفي إصدار ركام هائل من الدلائل البيداغوجية والوثائق المصاحبة، ودونما تقويم علمي للنتائج، ناهيك طبعا عن الطامة العظمى المتمثلة في إدخال المنظومة التربوية في سلسلة لا متناهية من الاختبارات والتجارب التي يضيع معها معنى التعليم والتعلم، وتضيع معها المدرسة والمتعلمون.

غالبا ما ينغص التوجيه ومشاكله فرحة النجاح في الباكالوريا، على التلاميذ والأسر، ما السر في ذلك؟

مما يؤسف له أن التعليم في بلادنا لا يربي ولا يُكوّن ولا يُؤهّل ولا يعد الشباب للمستقبل. إنه يحرمهم ويلقنهم الخضوع والإذعان والطاعة والاستسلام. لذا يخاف المواطن عموما من المستقبل، يخاف من الآتي، يخاف من المجهول. ومن هنا سرعان ما تهيمن الحيرة والتيه على فرحة النجاح بالباكالوريا.

كما أن اختزال التوجيه في توزيع أفواج الناجحين على الشعب والمعاهد والمدارس ينشأ هلعا وحيرة وترددا لدى التلاميذ وأوليائهم من ما بعد الباكالوريا. دون أن ننسى أمورا جوهرية هي أن الطاقة الاستعابية للمعاهد والمدارس العليا لا تتجاوز وحسب إحصاءات مديرية تكوين الأطر 12% من مجموع الناجحين في الباكالوريا.

ولكن هذا الأمر لم يكن بهذه الحدة في العقود الأخيرة؟

في الستينات والسبعينات من القرن الماضي كان المغرب في أمس الحاجة للأطر المتوسطة وكانت وتيرة التوظيف والتشغيل على أشدها، رغم قلة المؤسسات العليا ورغم قلة الوعي بأهمية التوجيه. أما اليوم فزاد الوعي بأهمية التوجيه والمشروع الشخصي وزاد عدد السكان وتعددت الاختيارات وتنوعت، في حين تناقصت مناصب الشغل وقلت فرص العمل. كما لا ننسى أمرا بالغ الأهمية لا يدركه ولا يعيه إلا ذوو الاختصاص ألا وهو أن السياسة التعليمية ومنذ عقود كانت ولا زالت تفتقر للتخطيط والبناء الاستراتيجي. وأخيرا لا يمكن الحديث عن نجاح التوجيه في غياب الاستقلالية في اتخاذ القرار وفي ظل هيمنة “تماسيح وعفاريت” منتفذة في السياسة والحكم والقضاء والتعليم وهلم جرا.

طالع أيضا  ذ. الملاخ: منظومة التعليم تسير في ظل غياب تام لرؤية استراتيجية واضحة الملامح

ما هي أهم الاختلالات في التوجيه بعد الباكالوريا؟

الأمر أكبر من اختلال يا سيدي. الأمر أزمة مستفحلة مستعصية. الأمر يوشك أن يكون انهيارا، لقد اتسع الخرق على الراتق كما يقال! فمن أين تبدأ يا أخي؟ وما الحل أمام ارتفاع مهول في المعدلات في الباكالوريا الشيء الذي يرغم شريحة واسعة من أبناء المدرسة العمومية والطبقة المتوسطة للتوجه للجامعة أو التكوين المهني، بعقلية انهزامية وإرادة فاترة؟ ما الحل أمام تزايد أعداد الناجحين في الباكالوريا -لتزايد السكان لا لصلاح المنظومة- وعدم توسع الطاقة الاستيعابية لكليات الطب المحدودة أصلا (6 كليات مقابل 16 جهة وأكثر من 70 عمالة وإقليم)؟ وأمام نقص مهول في عدد الأطباء بالمغرب؟ ما الحل أمام العجز البين في تكوين 10 آلاف مهندس الشعار الذي رفع منذ ما يزيد عن 6 سنوات؟ في حين يبقى الولوج لمدارس المهندسين حلما لا يتحقق لآلاف المترشحين لهذه المدارس! ما الحل لجامعات ومؤسسات التكوين المهني التي تفرخ عاطلين ويائسين ومنهوكي القوى في الاعتصامات والاحتجاجات والمظاهرات؟ ما الحل أمام قلة بل انعدام الاختيارات لتلاميذ التأهلي والحاصلين على الباكالوريا؟ ما الحل أمام الاكتظاط والعنف المدرسي والتحرش بالتلميذات في محيط المؤسسات التعليمية؟