كانت تركب القطار راجعة إلى بلدتها، ولكنها كانت تحس في داخلها كأنها تركب في موكب احتفالي بهيج، وذلك بسبب ما كان يغمر قلبها من بهجة وسرور لم يعرفهما فؤادها من قبل، ولكم تمنت لو أن لها جناحين تطير بهما كالبرق، لتوصل البشارة السعيدة إلى أمها وأبيها وإخوتها الصغار، تخبرهم أن الحظ وافقها أخيرا، وأنها نجحت في المباراة وصارت موظفة لها راتبها الشهري. كانت تعلم تمام العلم أن هذه البشارة كفيلة بأن تدخل البهجة على أسرتها، وأن تحيي قلب أمها وأبيها، هذين المسكينين اللذين طالما كانا يدعوان لها بأصدق قلبين في الوجود، قلبي أم وأب، فليس هناك قلب أصفى وأحلى منهما.

كانت تعلم تمام العلم أن أمها ستشفى من مرضها، وأنها ستركب طاقم أسنان تأكل به الطعام، بعد هذه المدة الطويلة من المعاناة مع شرب الأحسية، وأنها ستشتري أثاثا أجمل من أثاث جارتها المشاكسة التي طالما أذاقتها المرارة بشرورها، تغيضها بمالها وجاهها، وتعيرها بكونها فقيرة لا تملك حتى أثاثا يجلس عليه الضيوف.

وكانت تعلم كذلك أن راتبها الشهري كفيل بأن يعيد إلى أبيها رجولته وإحساسه بها، يستطيع أبوها بعد اليوم أن يجلس مطمئنا وسط أصحابه وجيرانه، وإذا ما مازحه أحدهم وقال للآخرين: إن فلانا لا يريد أن يدعونا إلى بيته لنأكل من طعامه. يستطيع حينئذ أن يدعوهم إلى بيته للعشاء، وأنفه شامخ إلى السماء، لأنه يملك في جيبه ما يشتري به أشهى الأطعمة. آه! كم كان يشعر قبل اليوم بذلك الضيق الشديد من ذاك المزاح.

وأما إخوتها الصغار، فقد عزمت على أن تيسر لهم بقدر ما تستطيع، ظروفا معيشية جيدة، وأن تهيء لهم جوا من الدعة والاستقرار، يستطيعون خلالها أن يتابعوا دراستهم، وأن يترقوا في أسلاكها، حتى يصل كل واحد منهم إلى تحقيق ما يؤمله في الحياة.

وأما هي، فما أحلى أحلامها، ولو أنها وزنت بميزان للأحلام، لرجحت كفتها بأحلام أب وأم وأطفال صغار، ذلك لأنها تحمل في قلبها مشاعر أبيها وأمها وإخوتها الصغار، وهي لا تستطيع أن تتبرأ من هذه المشاعر، لأنها تعلم أن ذلك خيانة عظمى، وهل الخيانة إلا أن تكافئهم بالإساءة بعد أن أحسنوا إليها سنوات طويلة، منحوها خلالها أسرة لا تعيش إلا لتحقق هدفا واحدا، وهو أن ترى ابنتها قد صارت موظفة لها راتبها الشهري. وكذلك هي تحمل في قلبها أحلام إنسان آخر، لطالما أرجأت أحلامه دون أن تنساها، هي أحلام فتاة في مقتبل العمر، أحلامها هي.

كانت تحلم أنها إذا هي حصلت على وظيفة، أن تشعر أولا بالأمن والأمان من شرور الحياة وصروف الزمان. وثانيا، أن تعتني بشخصها وأنوثتها، فالأنثى كالجوهرة، إذا هي لم يعتن بها باستمرار، خبا بريقها، وأفل سحرها، وصارت حجرا من الحجر. وثالثا، أن تجهز نفسها حينما يأتي دورها في الزواج، فتفرح حينها، وتكون فرحتها كاملة عندما لا يسوءها قلة اليد.

وصلت إلى البلدة وأخبرت أسرتها؛ فأما أمها، فقد قفزت قفزة أو قفزتين، كما تقفز فتاة رشيقة في مقتبل العمر، وبرقت عيناها من جديد، كما تبرق عينا الرضيع طربا للحياة. وأما أبوها فقد دمعت عيناه دمعة أو دمعتين، وأمسك بيديه على وجهه يتمتم بكلمات الحمد صادقا، لم ينتبه جيدا للسانه إن كان يخرج الحروف صحيحة من مخارجها؟ ولكن قلبه كان موقنا بالحمد، مغمورا به، ذلك لأن لغة القلوب تطغى على لغة اللسان في حال الصدق والصفاء.

ومرت الليلة هنيئة على الأسرة، سهروا ليلتهم يضحكون ويمزحون، كأنهم لم يضحكوا ولم يمزحوا قبل اليوم، وكانت هي محل أنظار الجميع وتقدير الجميع، ثم دخلوا في فراشهم للنوم، وكل واحد منهم موقن في نفسه أن شمس الغد حينما تشرق، يشرق معها الأمل والتفاؤل، وتشرق معها الحياة السعيدة.

في الصباح الباكر، أخذت وثائقها وخرجت رأسا إلى المؤسسة لتستلم تعيينها بها. حينما دخلتها أحست كأنما تدخل دارها، وجالت في المكان بعينيها، كأنما تريد أن تتوقع المكتب الذي ستجلس عليه منذ اليوم، قابلت موظفا عرفته نفسها وقدمت إليه الوثائق الشخصية، طلب منها أن تجلس في الكرسي حتى يأذن لها المدير بالدخول.

وبينما هي جالسة تنتظر الدخول على المدير، رأت شابا أنيقا يدخل من باب المؤسسة، وفي رفقته رجل عليه مظاهر الغنى والثراء، علمت مما رأته من الشبه بينهما أنه أبوه. لم يمر على استقبالهما دقائق حتى فتح باب مكتب المدير، ظنت الفتاة أنه سينادى عليها باسمها، لأنها هي صاحبة الدور، ولكن الذي دخل إنما كان هو الشاب الأنيق رفقة أبيه الغني.

عندما خرج الشاب وأبوه من مكتب المدير، نادى عليها السكرتير بأن تدخل، لما دخلت على المدير، وجدت شخصا سمينا أثجل كأنه يحمل أمامه بطنين من أعظم البطون، وجلست الفتاة على طرف الكرسي يخالجها الحياء من مديرها، أخبرها بأن عليها أن تجري امتحانا شفويا بسيطا قبل أن يسلمها ورقة التعيين، استغربت الفتاة من الامتحان، وذلك لأنها قد أجرته من قبل، وأنها تفوقت فيه جدا، حتى إن الأساتذة الذين قابلوها في الامتحان، لم يخفوا عنها إعجابهم بها. وجلست الفتاة لإجراء الامتحان، وكان المدير نفسه هو من يمتحنها، طرح عليها أسئلة أشبه ما تكون بأسئلة الطبيب، باردة لا يريد منها طارحها جوابا، وإنما يريد فقط أن يطرحها من فمه كما يطرح اللعاب، وانتهى الامتحان بأن أخبرها المدير أنها فشلت فيه، وأنها لا تستحق الوظيفة، وأخبرها أن الوظيفة قد وجدت صاحبها ومن يستحقها، وأنه شاب نبيه، وأنه زيادة على نباهته شاب أنيق ظريف المظهر.

عادت المسكينة إلى بيتها تمشي تجر ذيول الخيبة والمرارة، وخيل إليها أن ذلك المدير إنما هو وحش مخيف قد افترس أحلامها المسكينة وهي لا تزال في مقتبل العمر، وخيل إليها أن ذلك الوحش المفترس، إنما يملأ بطنه ويحشوها بأحلام الكثير من الضحايا، وأنها كانت هي آخر الضحايا.

عندما كانت تمشي وهي ترمي بقدميها الثقيلتين، لم تكن تفكر في نفسها وخيبة أحلامها، وإنما كانت تفكر كيف تخبر والديها وإخوتها، كيف تلقي عليهم بهذا النبأ الذي يقصم الظهر، وتلاشت أحلامها التي كانت تحلم بها قبل الساعة، وصار لها حلم واحد فقط، وهو أن يمر النبأ سالما على أسرتها، وخاصة على أمها المريضة المسكينة، وأسرت في نفسها قائلة: اللهم إني أعوذ بك من أن تجمع علي مصيبتين، خيبة الأمل وأن يصيب والدي مكروه.