القصيدة الأصلية

تذللت في البلدان حين سـبيتني) قصيدة رائعة، غاية في الروعة. من إبداع شيخ الشيوخ في عصره، العارف بالله، الشاعر الأندلسي، سيدي أبو مدين شعيب بن الحسين الأنصاري، المعروف باسم سيدي بومدين أو شعيب أبو مدين المغربي. والقصيدة كسائر شعره، غنائي ممتع وسهل ممتنع، يتدفق بالصدق، والجمال والجلال…

والقصيدة الأصلية، جاءت كما يلي:

تذللت في البلدان حين سـبيتني *** وبـتّ بــأوجــاع الـهـوى أتـــقـلــبُ
فلو كان لي قلبان عشـتُ بواحدٍ *** وأتــرك قـلـبـاً فـي هــــواك يــعـذبُ
ولـكـن لـي قلباً تـَمَـلـَّكـه الـهـوى *** فلا العيش يهنى لي ولا الموت أقربُ
كعصفورة في كـف طفل يضـمها *** تذوقُ سياق الـمـوت والطفلُ يلعـبُ
فلا الطفلُ ذو عقل يحـنُّ لما بهـا *** ولا الطيرُ ذو ريــش يطيرُ فيذهـبُ
سمـيتُ بالمجنون من ألم الهوى *** وصــارت بـيَ الأمـثــــالُ تــضـربُ
فيا معـشر العشاق موتوا صبابة *** كما مات بالـهـجران قيــس المعذبُ

القصيدة المغناة

وقد طرأ على القصيدة الأصلية تغيير كثير عند الغناء. لأسباب معنوية وأخرى فنية.

وهكذا نجد البيت الأخير، قد سقط من القصيدة، عند كثير من المنشدين. وأصبح مكانه

فيا أيها المحبوب كفاك من الجفا *** هذا الفتى المغلوب بالباب ينحب

والصبابة: اشتياق، وتلهف، وحنين… والاشتياق عند العشاق، أبلغ وأمتع. ولعله المقصود من قولهم: (ورب أمنية أحلى من الظفر). ولا ينبغي أن يفهم منه طلب العذاب، أو إن العذاب مشتق من العذوبة… ولعل البيت الأصلي، في نظر الملحن، ليس بالقوة المطلوبة… لكن البيت البديل، لا ينسجم مع روح النص، الذي يفيض تذللا وخجلا من الله تعالى.

لنستمع إلى الشاعر في معرض آخر، لا يقل حلاوة وطراوة:

بالذل قد وافيت بابك عالما *** أن التذلل عند بابك ينفع
وجعلت معتمدي عليك توكلا *** وبسطت كفي سائلا أتضرع
ويقول أيضا في انسيابه المعتاد:

فدع من المحالِ واخضع تذللا *** لذلك الجمال.. والنور والحلا
اجعلْ وصفكَ ذلا *** وكن عبداً مقيمْ
ما في الوجود إلا *** إلهنا العظيمْ
للطور قد تجلّى *** وكلّم الكليمْ
وهذا التلطف يتنافى مع: فيا أيها المحبوب كفاك من الجفا.

وهناك تغييرات أخرى لا مسوغ لها. نكتفي بالأهم منها:

وصـارت بيَ الأمـثالُ تـضـربُ: تحتاج بالفعل إلى كلمة (سقطت من الأصل) حتى يكتمل الوزن. لذلك تغير البيت عند الغناء كما يلي: وصــارت بـيَ الأمـثــالُ في الحي تــضـربُ. واختار آخرون: وصــارت بـيَ الأمـثــــالُ في الناس تــضـربُ. لقد اختاروا الأسهل. لكن الأنسب: وصــارت بـيَ الأمـثــالُ في الحب تــضـربُ. أو في العشق.

كما لجأ البعض إلى لي عنق الشطر الثاني من البيت الأول ليصبح:

تذللت في البلدان حين سـبيتني *** بثوب أوجــاع الـهـوى أتـــقـلــبُ

وهي صورة غريبة، متناقضة مع المعنى. فالأوجاع العميقة لا تتناسب مع الثوب…

ولعل الأفضل كلمة عمري، واستغراق العذاب مدى حياته، ودوام الهيام:

تذللت في البلدان حين سـبيتني *** عمري بأوجــاع الـهـوى أتـــقـلــبُ

القصيدة الجديدة

وقد تأثرت كغيري بهذه القطعة الرائعة. ونسجت على منوالها، على البحر الكامل، الذي يتداخل مع الطويل، فيعد من جوازاته المقبولة. وهي مجرد محاولة متسائلة. ومن يدعي معارضة هؤلاء الأكابر، لا في الشعر ولا في الطهر؟…

يا حسن قل لي لا تذرني أعجب *** ماذا فعلت بعابد يتقرب
قد كان يطلب من وصالك شربة *** مما تفيض على القلوب فتطرب
لكنه قد صار في كف الهوى *** يلهو به مثل الصبي ويلعب
يشكو إليك غرامه متوددا *** والسهم في كبد الفؤاد مصوب
لو كان للقلب الذي يحيا به *** ثان لآثر تركه يتعذب
ليعيش بالقلب السلام وينتهي *** مما يعاني في الغرام ويهرب
يا حسن أدرك من سبيت فؤاده *** وتركته من دون قلب ينحب
اردد عليه سكونه وأناته *** فالعقل كاد من التقلب يذهب
اعطف على هذا الفتى فهيامه *** لما طغى ما عاد سرا يحجب
حتى نأى متشردا عن أرضه *** متذللا يرجو لقاك ويرغب
فعسى تطيب له الحياة بنظرة *** لما يذوق من الجمال ويشرب