القضية الثانية: قيادة التغيير وبناء القوة المجتمعية

كشفت الأحداث في مصر عن معنى القيادة الضرورية لإنجاز أهداف التغيير وقيادته سواء في بعده التكتيكي أو الاستراتيجي المصيري.

فمستقبل الأمة، الذي هو مستقبل الثورة حتما، يرتبط بقضيتين جوهريتين؛ قضية القيادة وقضية بناء القوة المجتمعية عبر السواد الأعظم للأمة وفق مشروع مجتمعي واضح ومتكامل، علما أن القضية الثانية تشكل موضوع اشتغال القضية الأولى. لذلك فكل تفاصيل التغيير إنما هي جزئيات ضمن هاتين الكليتين: كلية القيادة وكلية القوة المجتمعية.

فمن المعلوم أن جماعة “الإخوان المسلمون” من أكبر الجماعات الإسلامية، بل تعتبر أمها ومن أقدمها وجودا وتنظيما، وميزتها الأساسية أنها تؤمن بالعالمية في التنظيم. ولاشك أن هذا سيطرح على عملها القطري إشكالات متعددة قد لا تنكشف حقيقتها إلا مع مثل هذه الأحداث الكبرى التي تحتاج إلى نوع معالجة تنتبه بدقة متناهية إلى تحديات المحلي والإقليمي والدولي والعلاقة بين هذه المستويات ومدى تأثيرها في اتخاذ القرارات، وكذا مدى تحالفها (هذه المستويات) عند مواجهة موقف الإخوان في هذه المسألة أو تلك وفي هذا المكان أو الزمان أو ذاك، والشاهد عندنا في الباب أمران:

الأول: يتعلق بالقيادة من حيث النوع والامتداد.

والثاني: يتعلق بالتنظيم والقوة المجتمعية والنظام.

الأول: القيادة من حيث النوع والامتداد

وهو عامل حاسم في قيادة كل معارك التغيير والإصلاح في كل المراحل؛ سواء زمن القيادة التاريخية، هي القيادة المؤسسة للتنظيم والواضعة لمشروعه في كلياته، أو زمن القيادة التي يفرزها نظام الشورى حينما يستوي عود التنظيم وتستقيم أدوات اشتغاله الذاتية.

هنا لا بد من الانتباه جيدا إلى الاختلاف الجوهري بين تنظيم إسلامي وبين تنظيم غير إسلامي على مستوى طبيعة القيادة، ذلك أن وظيفة التنظيم الإسلامي الدعوية بالمعنى التجديدي الشامل للدعوة كما أسس له الإمام حسن البنا، رحمه الله، على قصور في مستوى التفكير الذي عرضه به، جعل من القيادة ذات طبيعة متميزة بالربانية، والربانية هنا ليست بالمعنى المبسط الذي يدل على سمو في القيم التي تملأ كيان القيادة؛ بل هي تمايز جوهري بين القيادة العُلمائية أو المفكرة أو الفقهية التي تُحَصل مجموعا ممتازا في باب علم من العلوم أو فن من الفنون وبين القيادة الربانية. وهذا التمايز يجعل القيادة تقود الفرد والجماعة عبر سلوك جامع لمعاني الإحسان، ولا شك أن هذا الفرق له تجلياته في مستويات التدبير وبناء استراتيجيات التنظيم وقواعده حيت تنعكس هذه الخاصية في التوازن السلوكي العام للتنظيم إذ تحصل الممارسة السياسية في زمانها ومكانها المناسبين، ولا يمكن في لحظة دقيقة يصبح السياسي أو الفقهي أو الفكري أو غيره قائدا للمشروع بوعي أو بغير وعي من القيادة.

فجُل التنظيمات الإسلامية تمر عليها مراحل التأسيس ثم يصبح مستوى التضخم، في الممارسة السياسية والحركة اليومية مع ما يتعرض له التنظيم من ضغط هائل من جهة الواقع ومطالبه وضروراته، هو صاحب المبادرة، بل يصير صاحب التوجيه والإرشاد في كثير من الأحيان ويتوارى الدعوي ومقتضياته إلى مواقع متخلفة لا تسمح له بممارسة القيادة والإرشاد كما ينبغي.

لذلك وإن حافظت جماعة “الإخوان المسلمون” على محورية الشيخ حسن البنا في وجودها، فإنها لم تكتشف الوسائل الكفيلة بالحفاظ على امتداد الميزة الإحسانية الربانية في القيادة والتدبير، مما أفرز لنا عبر مراحل عمل الجماعة قيادات عظيمة ومتنوعة، لكن يغلب عليها الطابع العُلمائي والفكري والحركي في عملية الزحف، الأمر الذي حاصر الجماعة ضمن قوالب تجريبية ولم يجعلها منفتحة على اجتهادات تغييرية جذرية جامعة بين معنى القوة المجتمعية وجعل تغيير نظام الحكم هدفا مباشرا مع استلهام قيمة عامل الغيب واستشراف محوريته في النظر الاستراتيجي والتدبير المرحلي واليومي.

طالع أيضا  مفاهيم يجب أن تصحح بعد الثورة المضادة في مصر اليوم

إننا هنا لا نتحدث عن مبادئ عامة، بقدر ما نريد من الحركة الإسلامية أن تدرك أنه لا مستقبل لها ولأمتها وللإنسانية مالم تستلهم بكل علمية ووضوح أهمية البحث عن القيادة الربانية الجامعة في عملية زحف متكاملة بين مصير الفرد عند الله تعالى ومصير أمته التاريخي؛ جمع في نفس الوقت بين صناعة الشهادة والاستشهاد وبين صناعة التاريخ بكل قيمه الإنسانية والكونية ونظمه العادلة والمكرمة للإنسان، كما أنه جمع بين معاني الشورى ومعاني الإحسان.

ولاشك أن هؤلاء الرجال الذين قهروا الانقلاب وأهله وقدموا أنموذجا عظيما للمواقف النبيلة سيكون اعتقالهم وسجنهم فرصة عظيمة لاكتشاف المزيد من عالم الربانية وحقائق النبوة خاصة بعد رباط عظيم شهده العالم في ميادين رابعة والنهضة وميادين أخرى، مما يجعل سجنهم رحمة لهم وحصارهم منحة وذخرا للأمة لا محنة. واكتشافهم هذا سيكون عاملا حاسما في تطوير عملية الزحف وتحقيق أهداف التغيير، وهوما سينتج فهما وعمقا ووسائل جديدة للثورة؛ أي سيعطي معنى ودفعا هائلا لثورة مصر، مما سيفتح أفقا كبيرا لكل المجتمعات العربية والإسلامية للانطلاق نحو اكتمال الولادة الجديدة وتجاوز أوهام النخبة المغربة.

وهنا، وبصفتي واحدا ممن وقفوا مع علم المنهاج النبوي، توفيقا من الله العلي العظيم، كما اجتهد في اكتشافه وصياغته الإمام المجدد عبد السلام ياسين، أقول بأن جل قيادات الحركة الإسلامية ستجد بين الواقع الجديد، بعد هذه الوقفة النبيلة أمام الثورة المضادة، وهي مؤامرة كبرى، إمكانية هائلة في اكتشاف المعنى التجديدي لنهضة الأمة مع هذا العلم، ولذلك لا نستغرب كثيرا إذا ما وجدنا الإمام المجدد عبد السلام ياسين وقف مع تجربة “الإخوان المسلمون” في كتابه القيم جدا؛ كتاب “الإحسان” وفي غيره من مؤلفاته الغزيرة، وعرض عليهم اقتراحات جوهرية تمكنهم من تفعيل الريادة في قيادة الأمة نحو التغيير الجذري والمتكامل.

ولذلك فنوع القياد في مشروع التغيير الإسلامي يتميز بالربانية الجامعة المقتحمة لمعاقل الغموض والخوف ولمعاقل الباطل بكل رحمة وقوة وحكمة ومرونة، ومن ثمة فهي قيادة تقتضي أن يتجند معها العلماء والمفكرون والمثقفون والخبراء حيث تكون وظيفتها الأساسية الحفاظ على امتداد قيم النبوة في الدعوة والبناء والتغيير لأن هذا الامتداد هو معنى وجودها، علما أن هذه القيم ليست عمليات جزئية مبعثرة ضمن هذا العلم أو ذاك ولا ضمن هذا الفن من الفنون أو ذاك بقدر ما هي قوة جامعة عبر رحمة القلب وحكمة العقل في الفهم والوعي وتوجيه الإرادة والعمل في كل تفاصيله ومستوياته.

إننا تابعنا جميعا قيادات الإخوان الراسخة القدم في ميادين الجهاد والاجتهاد خلال حوالي ثمانية عقود وهي تقود الجماعة في لحظات دقيقة من تاريخها وتاريخ الأمة، لكننا بعد رباط رابعة ورباط الاعتقال والسجون سنفاجأ جميعا بولادة نوع جديد من القيادة حسِب الظالمون سجنها نهاية، لكن سيجعله الله عز وجل الحكيم العليم فرصة الولادة الجديدة لهؤلاء الرجال، وهو ما سيكون عاملا حاسما في معادلة الصراع محليا وإقليميا ودوليا، ولا شك أن لهذا أثره البليغ والبالغ على جميع الحركات الإسلامية.

طالع أيضا  مفاهيم يجب أن تصحح بعد الثورة المضادة في مصر اليوم (3)

فنحن أمام لحظة تاريخية من صناعة إلهية ليكتشف الإسلاميون المعنى الحقيقي للثورة بقيادة إسلامية، ولذلك فما جرى في عالمنا العربي قبل انقلاب 30 يونيو في مصر لم يكن ثورة، لأنه ببساطة لم تعد هناك ثورة بالمعنى التقليدي، وإنما نحن أمام لحظة زمن الأمة التي تقود نهضتها الشاملة مع قيادة ربانية لا تعرف إلا البذل ثم البذل ثم البذل خدمة لهذه الإنسانية المعذبة بفعل حضارة مقطوعة عن الله عنيفة على الإنسان في أبشع صور العنف المعنوي والمادي. لذلك فلا نغتر بعبارات يكررها الإعلام في سياقات معينة، ومن ثمة فلابد من وعي دقيق بالسياق الذي ينبغي ان نعمل ضمنه والسياق الذي نحذر من خطورة احتوائه واستغلاله لقدرات وإمكانيات أمة تريد الانعتاق الكامل والحرية الكاملة. وهو ما يقودنا إلى بحث القضية الثانية والكلية الثانية: القوة المجتمعية.

الثاني: التنظيم والقوة المجتمعية والنظام

القوة المجتمعية ليست قوة عسكرية تتقوى استعدادا للحرب أو ردعا حتى لا تقع، وليست قوة سياسية محدودة الأفق، وليست قوة علمائية ضيقة النظر، وليست قوة اقتصادية يهيمن عليها منطق الاحتكار والثراء السريع، وليست قوة إعلامية تختفي وراء معنى المهنية الغامض لتروج بضاعتها؛ القوة المجتمعية بناء عضوي على وضوح تام ينظم حركة المجتمع أفقيا وعموديا بوعي كامل منه وفق مشروع مجتمعي أصيل وقيادة مجتمعية أصيلة ويتحرك صانعا لتاريخه وتاريخ أمته مقترحا على الإنسانية مساهمته في صناعة تاريخها. وبهذا فالقوة المجتمعية قوة نظام وتنظيم، مما يعني حتما أن من أولوياتها محاربة الاستبداد والفساد وكل أنظمتهما بما هي مصدر أصلي للضعف والتمزق وانعدام القوة.

1. ما بين التنظيم العالمي والنظام العالمي

من المعلوم أننا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وبعد الاستقلال السياسي لجل الدول المستعمرة، وجد العالم نفسه بين يدي نظام عالمي غير عادل ويكيل بمكيالين. وقد كان عالمنا العربي والإسلامي، عبر الكيان الصهيوني واغتصاب فلسطين وتنصيب أنظمة سياسية عميلة وضعيفة، أكبر المتضررين من هذا النظام فضلا عن كثير من الدول المستضعفة.

وفي مرحلة من مراحل بناء “جماعة الإخوان المسلمون” صارت تنظيما عالميا ومدرسة مهمة في مجال الحركة الإسلامية، وإذا كان الأمر لا يفرض إشكالات عويصة من جهة كونها مدرسة منتشرة في العالم، إلا أن من جهة كونها تنظيما عالميا فسيجعل جهد التوجه المباشر للتأثير على أنظمة الحكم والمجتمع مرتبكا على حد كبير مما يجعل مراحل الزحف مرتبكة، خاصة في مصر، ذلك أنه، أولاّ، لا يمكن مواجهة تفاصيل نظام عالمي يغطي مجالاته العمودية والأفقية بكل قوة ووضوح عبر تنظيم عالمي، وثانيا، أنه لا يمكن استيعاب ما تجلبه من ضغوطات وإكراهات عالمية التنظيم على العمل القطري، لذلك فكثيرا ما يتدخل العالمي ليؤثر سلبا على القطري، وقد عانت الجماعة حتى في اصعب ظروفها من هذا الوضع، وهو ما يعني حتما أن بعد تجربة الإخوان ما قبل مذبحة رابعة توجب الحسم في علاقة العالمي بالقطري بترجيع العمل القطري المستقل تنظيميا، الأمر الذي سيقوي كثيرا العمل القطري ويدفع مباشرة إلى تركيز كل تنظيم قطري على مطالبه وظروفه المحلية لبناء القوة المجتمعية المحلية التي تؤسس لعملية سياسية متحررة محلية ضمن سياق صحوة ونهضة إسلامية عالمية بطبيعتها.

طالع أيضا  مفاهيم يجب أن تصحح بعد الثورة المضادة في مصر اليوم (5)

إنه لا يمكن مواجهة نظام عالمي ظالم إلا من خلال نظام عالمي عادل، ولذلك يجب على الحركة الإسلامية أن تتجه لبناء جزئيات هذا النظام قطريا مع الوعي الدقيق بالقيمة الاستراتيجية والمصيرية لحركة الإسلام في أفق الخلافة بما هي نظام عالمي إنساني.

2. القوة المجتمعية قاعدة النظام السياسي

الأنظمة السياسية الوراثية، سواء الملكية أو الجمهورية، أو الانقلابية غالبا ما تعتمد أسلوب القمع والترهيب والترغيب وشراء الذمم وتوظيف الأساليب القذرة في فرض نفسها عبر قوة مجتمعية وهمية من خلال احتكار مصدر الثروة والسلطة، ولذلك فهي أنظمة قابلة للتفكك والزوال كلما توفرت القوة المجتمعية الحقيقية.

من هنا ندرك قيمة القوة المجتمعية التي وفرتها “جماعة الإخوان المسلمون” في مصر وفي كثير من البلاد الإسلامية، لولا الارتباك السياسي الذي تسبب فيه المعنى العالمي لتنظيم “الإخوان المسلمون” بحيث جعل الأهداف السياسية المباشرة في القطر غامضة مما تسبب في تأخر كثير من القرارات السياسية عن موعدها المناسب ولاستنادها إلى منطق إصلاحي في سياق يفرض المنطق الثوري الذي تبلور بعد انقلاب 30 يونيو 2013.

لذلك ففي الظروف المحلية والدولية المحيطة بالعمل الإسلامي ما بعد منتصف القرن العشرين أصبح ضروريا الاتجاه إلى بناء القوة المجتمعية القطرية المستقلة وفق مشروع مجتمعي متكامل إذ تكون هذه القوة هي قاعدة النظام السياسي بحيث تصنعه وتحتضنه وتموت من أجله لكون مصلحتها الوجودية صارت مرتبطة به.

إن الانتماء العالمي غالبا ما يكون عائقا كبيرا في التقارب القطري بين الجماعات الاسلامية، لذلك إذا كان الهدف المباشر هو بناء قيادة القوة المجتمعية قطريا عبر رابطة إسلامية زاحفة نحو انتزاع قيادة الأمة وبناء نظام سياسي حر، فإنه صار واضحا أنه ينبغي أن تكون عملية بناء هذا النظام هي المعنى السياسي المباشر لتلك القوة كي تتمكن من توظيف كل امكاناتها بشكل أكثر توجيها ودقة.

ولا شك أن هذه القوة المجتمعية والنظام السياسي القطري هي قاعدة النظام العالمي الذي يمكنه مواجهة النظام العالمي الاستكباري القائم حينما تتبلور المراحل والظروف وتتوفر شروطها التي ينبغي أن يكون الوعي بها استباقي ودقيق وحاسم لدى كل القيادات القطرية المستقلة.

إن زحف القوة المجتمعية نحو بناء النظام السياسي ينبغي أن يتخلص من كل ما يعقيه وليس ضروريا له. ولذلك فبناء القوة المجتمعية هو ما يمنع التغيير الضروري من السقوط في فخ العنف والمؤامرة.

وهو ما يدفعنا للحديث عن القضية الثالثة المتعلقة بالعلاقة بين العنف والحرب والثورة.