صناعة الموقف

تُتّهم جماعة العدل والإحسان بعزوفها عن المشاركة السياسية، وبأنها تنأى بنفسها عن ولوج غمار التدافع السياسي حتى لا “تخدش” مصداقية تصورها المثالي المتشبع بالفكر الصوفي حسب مزاعم المنتقِدين. وحيث إن المشاركة في عُرف الكثيرين تُختزَل في خوض الاستحقاقات الانتخابية، فإن الجماعة ـ في تقديرهم ـ تمارس التصوف السياسي وتغرق في الأحلام والأماني تُحدث نفسها بخلافة إسلامية، يستيقظ الشعب يوما فيجدها قائمة تقيم العدل وتوفر أسباب الحياة الكريمة، فلا ظلم، ولا بؤس، ولا حرمان. وكفى الله الجماعة أعضاء وأنصارا شر التدافع ومقارعة الأنداد في الميدان.

تُهم جاهزة وتشويش ممنهج لم ينل من عزيمة العدل والإحسان ومُضيها قُدما لتصريف تصورها، رغم أشكال الحصار والتضييق، يجلي ذلك ويؤكده سعيها الحثيث لمقاومة الاستبداد وفضح الفساد، لا تخلف المواعيد تدق ناقوس الخطر، ترفع الصوت في وقت يخلد فيه الجميع ـ إلا ما رحم ربي ـ لسبات سياسي، فتصنع الحدث، ويستفيق القوم بين منصف يثمن الموقف، وبين مزايد يشكك في النوايا.

في أوج الراحة “البيولوجية” للفعل السياسي، إلا ما كان معارك على الهامش يستثمرها النظام لترسيخ موقعه انسجاما مع نزعته الاحتكارية وربحا للوقت، في انتظار أن تنقشع غيوم المخاض السياسي إقليميا، وأرض الكنانة تحديدا، بادرت الجماعة لصناعة الموقف وخرقت جدار الصمت من خلال بيان الأمانة العامة لدائرتها السياسية، تنبه وتحذر أن البلد مهدد في استقراره وسلمه الاجتماعيين.

موافقة أم سيرورة

في مثل هذا الشهر، وقبل حوالي أربعة عقود ـ 39 عاما ـ وبالضبط في رجب 1394هـ الموافق لـشتنبر 1974م، وجه الإمام المرشد عبد السلام ياسين رسالة نصح إلى الملك الحسن الثاني يدعوه فيها لإصلاح حقيقي شامل يقطع العهد مع الاستبداد الظالم للعباد والمبذر لمقدرات البلاد والمفوت لفرص الرقي والنماء. فهل هي موافقة أم استدعاء مقصود لحمولة رسالة “الإسلام أو الطوفان”؟

إن ما يتميز به مشروع العدل والإحسان التغييري أن تصوره النظري يقوم على قراءة قرآنية لتاريخ المسلمين، ويستشرف المستقبل من التوجيه والإخبار النبويين، أن بعد استبداد وجور حكم العض والجبر عدلا تستعيد به الأمة سيادتها قرارا واختيارا؛ تصور ضبط المنطلقات والمفاصل الكبرى لمسيرة التدافع وحدد متطلبات كل مرحلة، ويكفي المتتبع ملاحظة تطور أجهزة الجماعة وبرامجها التربوية والتعليمية والتدافعية انتشارا في الشعب وتغلغلا لطيفا في مختلف القطاعات المهنية، رغم التضييق والحصار ومؤامرات الإقصاء.

لذلك، فبيان العدل والإحسان من خلال مؤسسة الأمانة العامة لدائرتها السياسية لبنة جديدة في صرْحِ مشروع تغييري للجماعة أسُّه المسؤولية والصراحة والوضوح مع الجميع أداءً للشهادة وقياما بالواجب وإقامة للحجة واقتراحا للحلول وإبراءً للذمة؛ فالبيان/الموقف محطة في المسيرة التاريخية للجماعة صُوَاها ومعالمها الكبرى: الإسلام أو الطوفان، رسالة القرن الملكية في ميزان الإسلام، مذكرة إلى من يُهِمه الأمر، ومداراتها وعلاماتها الموجِّهة: دعوات الميثاق والحوار الوطني، حلف الإخاء، جميعا من أجل الخلاص، مرورا بالمذكرة/النصيحة لحركة التوحيد والإصلاح وجناحها السياسي حزب العدالة والتنمية غداة قَبوله تحمل مسؤولية تدبير الشأن العام بشروط تخدم الاستبداد وتشرْعِنُه أكثر ما تخدم المشروع الإصلاحي وتؤسس للانتقال الديمقراطي.

بيان البيان

لم تكتف الجماعة بإصدار البيان الذي جاء واضحا لا غموض فيه ولا التباس، سمى ـ كالعادة ـ الأمور بأسمائها، فالاستبداد مهما أخذ من زينة وسَرْبَلَ مبادراتِه ومخططاتِه بألوان زاهية ونعوت جذابة: عهد جديد، تنمية بشرية، مخطط أزرق، مخطط أخضر، … يبقى استبدادا يتنفس الهيمنة والاحتكار.

وقطعا لطريق التأويلات وتحريف المقاصد، بادرت الجماعة من خلال افتتاحية موقعها الرئيس ـ الجمعة 13 شتنبر2013 ـ لتوضيح الواضح فحددت رسائل البيان وحصرت الجهات المعنية بها في ثلاث: الشعب، الدولة/النظام، النخب.

الشعب الذي يخطب وُدَّه الجميعُ باعتباره صاحب القرار والفاعل الرئيس في المعادلة السياسية، فلا قرار إلا ما قرره، وكل اختيار أو نهج لا يستجيب لتطلعاته لا مصداقية له. والشعب ثانيا باعتباره المعني بالسياسات والاختيارات. والشعب ثالثا لأنه هو من يؤدي فاتورة الإخفاقات والتعثرات.

وحرصا منها على الوضوح مع الشعب الذي يكتوي بلظى الغلاء وارتفاع الأسعار وتدني الخدمات وجمود الأجور)، فإن الجماعة ـ حسب الافتتاحية ـ كما كانت دائما وككل الشرفاء، إلى جانبه ومعه في محنته، تستشعر معاناته وتعمل جهدها ـ عبر الموقف السياسي والفعل الميداني ـ للتخفيف عن فئاته المهمشة، ورفع بلاء المخزن عنه…).

الدولة المغربية، حيث تم التمييز بين النظام وبين الحكومة، كل حكومة، وليست الحالية برئيسها ذي المرجعية الإسلامية. فالنظام بصفته الفاعل الأساسي والمتحكم الأوحد في مفاصل المشهد السياسي، يتحمل مسؤولية تركم الإخفاقات وتوفير البيئة “الملائمة” لاستشراء الفساد وحماية المفسدين وتعطيل آليات المحاسبة والمساءلة. والحكومة، إنما يؤتى بها لتكون واجهة لتصريف توجهات النظام وتنزيل مبادراته، فما كان من إنجاز ففي حبل النظام يفتل، وفي حساب رصيده السياسي يصبّ، وما كان من فشل فالحكومة وحدها تسدد فاتورته من رصيدها وشعبيتها السياسية: حزب الوردة الذي قاد تجربة التناوب نموذجا؛ حكومة، بل حكومات تنصب واجهة لتسويق صورة الدولة الحديثة والتفاوض باسم الشعب مع المؤسسات المالية المانحة لإغراق البلاد في شراك مديونية يدفع المواطن البسيط فاتورتها تراجعا فظيعا في الخدمات والحقوق الاجتماعية العامة: تعليم، سكن، صحة، شغل… فليس إنصافا أن تُحمّل الحكومة ورئيس ائتلافها تحديدا مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع الاجتماعية من تردّ يهدد السلم والاستقرار المجتمعيين، وهذا لا يُعفيه وحزبه من مسؤولية قبوله تدبير مرحلة حساسة كان الوعي الشعبي فيها يتبلور ويتشكل لاكتساب حقوق سياسية واجتماعية تؤسس لعهد يستعيد فيه الشعب إرادته وقراره.

وحيث إن الدولة/النظام ـ حسب الافتتاحية ـ تستفرد بمقدرات الوطن وتحتكر ثرواته لنخبها المفسدة دونا عن الناس…)، فإن الجماعة ستظل شوكة تخز كل جبار عنيد ومفسد عتيد، وصوتا يجهر في وجه الظالم والمحتكر بأن كُفَّ عن أبناء الوطن غيك وعسْفك وإسرافك وتبذيرك).

والنخبة المغربية ثالثا بصفتها ضمير الأمة وعقل الشعب ووجدان الوطن، إن هي رسخت قناعتين في عقلها وسلوكها؛ أن تكون خادمة للناس قريبة منهم حاملة همهم، وأن تُطَلِّق الحسابات الضيقة والصراعات الجزئية والمكاسب الذاتية، فترتقي لمهمتها التاريخية ودورها النبيل: إثراءً لثقافة الحرية وقيادة لصف التحرر). لذلك، فـالجماعة تمد اليد، ولا تمل من ذلك، وتجدد الدعوة أن هَلُمُّوا بنا إلى جبهة وطنية تضم كلّ صوت حر، فتعارض الدولة وسياستها الفاشلة وتخدم الشعب وحاجاته الأساسية. جبهة تؤطر النضال وترشد الاحتجاج وتوحد المطلب وترسم الوجهة).

القافلة تسير

تتوالى الأحداث والذكريات، ويسجل التاريخ أن جماعة العدل والإحسان ظلت وفية لمبادئها متمسكة بوسطية منهجها التربوي ـ السلوكي وسلمية خطها التدافعي منحازة إلى مصالح الشعب، تعيش همومه ويقاسمها مِحنَها، لا تعبأ باستخفاف المُشككين، تشحذ عزيمتها قيادةً وقاعدةً مخططات التضييق والاستهداف وتؤكد الأحداث صواب تصورها، وتشهد الأيام بل السنون على صدق نواياها ونبل أهدافها وسمو غايتها.

إن أبناء وبنات العدل والإحسان ليسوا طُلاب مناصب، لا تستهويهم السلطة ولا تغريهم عروض الاتجار في هموم الشعب ومعاناته؛ همُّهم وغاية مطلبهم أن يسود العدل والكرامة في المجتمع ويهنأ الشعب متصرفا في ثرواته ومقدراته حرا سيدَ قراره.

لذلك، فالعدل والإحسان كما بدأت قبل 39 سنة، ما زالت بالحق تصدح، وللحق تدعو، والحقَّ تنشُد ليعِز الشعب ويحيى سيدا كريما.