ربيع عربي مستأنف

بلغ الغضب الشعبي في الدول العربية مبلغا لم تعد تنفع معه تلك المسكنات الدعائية التي كانت تطلقها أجهزة السلطة الحاكمة ولا تلك الحملات الإعلامية التي تصبغ فيها سواد الواقع الحقيقي باخضرار وهمي لا يوجد إلا في قنوات الصرف الإعلامي. فخرج الناس مسترخصين أرواحهم من أجل تغيير واقعهم البئيس بواقع بديل يضمن لهم الكرامة والحرية والعدالة. عنوانه اختيار الأمة لحكامها وقصده التعاون الصادق على بنائها والتوزيع العادل لثرواتها. فسُمي خروجهم عن طاعة حكامهم الغاصبين للحكم بالسيف والوراثة أو بالسيف والديماغوجيا بـمُسمى: “الربيع العربي”. وكانت من ثماره فرار حاكمٍ وقتل ثانٍ وسجن ثالثٍ وحرق رابعٍ وخوف الآخرين وذُعرهم وهم ينتظرون أدوارهم.

غير أن الدول التي استطاعت فيها الشعوب أن تتخلص من طواغيتها وأن تكتب دساتيرها وتنتخب رئيسها بطريقة شفافة لم تجد الطريق الانتقالية أمامها ميسرة مفروشة بالورود، وإنما اعترضتها عقابيل وإكراهات أثقلت عليها إتمام إنجازاتها، إن لم تمنعها منعا من التقدم وتحولها إلى انتكاسة كما هو الحال في تجربة الثورة المصرية التي أفرزت صناديقها رئيسا ينتمي إلى أعرق الحركات الإسلامية المعاصرة. مما يفيد أن الربيع لا يتوقف عند الإطاحة برأس النظام وإنما يفيد إتمام الإطاحة بجميع بؤر الفساد والاستفساد، واستئناف الربيع بالتعاون والتوافق لا بالاستحواذ والاستعداء، بالتدرج والتطبيب لا بالقفز والبتر. باستحضار الواقع لا بمعاندته.

من الدولة إلى الأمة

بالرغم مما يؤاخذ به الإخوان المسلمون في مصر على أخطاء ارتكبوها أو دُفعوا لارتكابها، إلا أنهم من حيث أرادوها دولةً فإذا بالقدر يجعلها أمةً تُوسِّع رؤيتها وتُلملم جراحها لغدٍ لا تقوى على نزالها القرى الظالمة، إذ سينتهي تمالؤ الأشرار وتنفضح حُججهم وتتهاوى دعاواهم، فيجيء الحق بقوته وحجته ليُزهِق الباطل إزهاقاً. قال الله تعال: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} 1 .

آنذاك يخسأ أصحاب الإديولوجيات القزمية الحاقدة التي تتباكى في حِجر الظالم الغالب بسيفه، وتتنكر لصياحها بالديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، وتخفف على عزلتها وهوانها بالتصفيق المجاني لأفعال القتلة والرقص المحموم على الذات الممزقة… أفٍّ لكم ولما تعبدون من دون الله.

من الشهادة إلى النصر

كانت ملحمة رابعة العدوية بالفعل شاهدة وشهادة على استحقاق كبير للمجاهدين الحاضرين في ساحة الإصلاح والبناء والتغيير، وهم الذين جاؤوا -أغلبهم- عبر تربية الإمام حسن البنا رحمه الله والذين معه من أجيال الدعاة الصادقين الصابرين. تهيؤوا للشهادة في ساحة إيمانية جهادية جامعة. يحاجون سلميا من منعهم وظلمهم واحتقرهم. صيامٌ وقيامٌ ودعاءٌ، توكل وتضرع واستعداد للموت في سبيل الله والمستضعفين… طلبوا الشهادة وحدثوا أنفسهم بها فنالوا شرفها -بفضل الله تعالى- فحاشى أن يضيع اللهُ دعاء المضطرين المـُقبلين المخلصين… ومدد الله لا يتخلف عن جهاد الصادقين الموقنين. فقد تمتد يد الباطل دهرا بيدَ أن صولة الحق تأتي عليها وتظهر… ولينصرن الله من ينصره.

لا ثقة في حكام الجبر

إن كان من شيء لا تنساه الأمة في حاضرها ومستقبلها ولا يغفل عنه العقل السياسي في تحليله ونقده للواقع العربي المعاصر فهو الخيانة العظمى لله ولرسوله وللمومنين من طرف بعض الحكام العرب الذين خططوا وموَّلوا ودعموا الانقلاب الفاحش على الشرعية وقطع الطريق على ديمقراطية فتية فاز فيها رئيس مدني منتخب مشهود له باستقامته وتفانيه في خدمة بلده. حُكامٌ كشفوا عورة حكمهم الوراثي القمعي وأبانوا عن خسة معدنهم الجبري وأظهروا حقدهم العميق على الشعوب. أجمعوا شركاءهم وأجلبوا بخيلهم ورجلهم على إخوانهم في مصر ليتقوا بتقتيلهم فتنة قد تصيبهم في عقر ديارهم.

ولا أمريكا

الولايات المتحدة الأمريكية تحكمها البراغماتية السلبية التي لا مبدأ يوجهها سوى المصلحة. لذلك فهي تعمل على تقويض حكم الإخوان حتى لا يتحول إلى نموذج يقاس عليه ومرجع يُعول عليه أو مثال يُسعى إليه. وتعمل سرا وعلانية وفق خطط مخابراتية تنسق مع السعودية والإمارات والأردن وأزلام مبارك وإسرائيل وقيادة الجيش المصري على إفشال كل ما من شأنه أن يقض مضجعها مستقبلا… وكانت البداية من مصر لما تشكله من موقع استراتيجي وتاريخي وإقليمي تتلوها باقي البلدان التي زُحزحت فيها السلطة من مكانها ومالت نحو الإسلاميين (تونس، ليبيا، اليمن…).

لا تعويل على العلمانيين

انفضحت القوى الإديولوجية التقليدية -مع حفظ الاستثناء- من قوميين علمانيين وليبراليين وحداثيين ويساريين حاقدين وسلفيي آل سعود لما خانوا مبادئهم وتنكروا لمرجعياتهم. إذ فجأة شاهدنا هذه القوى تُسبح بحمد الحاكم العسكري وتُفوضه قتل المدنيين وتبارك تصفيته للإسلاميين، بل تشارك في حملات تشويهٍ ممنهجة للتيار الإسلامي عموماً وشيطنةِ رموزه، والدعوة إلى محو وجوده. ولا عجب أن ترى أقطاب هذه التيارات تنتشي وتنتفخ فيشاً وشماتةً في اعتقال آلاف المصريين الرافضين للانقلاب وإهانتهم. بل تنسب كل خطيئة لجماعة الإخوان المسلمين (أخونة الدولة، أسلمة الديمقراطية، الاستحواذ على السلطة، إرهاب المواطنين…).

تبخرت شعارات الدولة المدنية ودولة الإنسان والقانون والحريات العامة والشخصية والمواطنة والحقوق وحلت محلها شعارات ماكيافيلية مؤقتة يمليها الحاكم العسكري بالرصاص الذي عطل الدستور وألغى نتائج الانتخابات وسجن الرئيس وحلَّ البرلمان وضرب بصوت الشعب وإرادته عُرض الحائط.

درس الإعلام

قبل الثورة توالت صنوف الاضطهاد على الإسلاميين عموما وعلى الإخوان المسلمين على وجه الخصوص (من الملِك فاروق إلى المخلوع حسني مبارك)، ودائما كان يخدم الإعلام السلطة المتنفذة فتُلفق لهم التهم الباطلة ويُزج بهم في السجون الرهيبة ويتعرضون لشتى أنواع التعذيب والإهانة والإعدام، وتصنفهم جرائد النظام ضمن الإرهابيين أو المارقين أو الخوارج… وجاءت ثورة الربيع وانتصر الإسلاميون عبر صناديق الاقتراع رغم الحملات المضادة، ولم يعامِلوا أزلام النظام بالمثل، وبقي الإعلام في أيدٍ تنتمي إلى العهد البائد يؤدي وظيفته التي نشأ عليها؛ الحرب على الإسلاميين وتشويه مشروعهم والتلصص على أخطائهم والإعداد للانقلاب عليهم.

وهنا كان -في رأيي- على الثورة أن تحيِّد أجهزة نفود النظام السابق وتُنشئ إعلاما مهنيا يواكب الثورة ولا يحفر تحت جذورها. قال أحد الفلاسفة: اعطني تلفزة أعطيك شعبا.

“شيوخ المشركين”

إسقاطُ نظامٍ لا يكتمل بسجن الرئيس أو فراره أو قتله حتى، بل لا مندوحة عن كنس الإسطبلات المتعفنة بالميكروبات التي تفتك بالجسم إن تمكنت منه، والتخلص من سلطة الثعالب العجوزة التي تتلون بلون المرحلة وتعمل ضدها سرا متحينة فرصة الثورة المضادة… فحَول كل حاكمٍ ظالم طُغمة متنفذة لا تتجزأ منه تُزين له أفعاله فيراها حسنة وتُشين له أفعال غيره فيراها سيئة. عصابة من الدهاة يمكرون بالليل والنهار ليوقعوا بالمسلمين ويشلوا نهضتهم ويضعفوا قوتهم. طبقةٌ فاسدةٌ مفسدةٌ لا تُتعايش إن أردنا الإصلاح الحقيقي ولا تدع إصلاحا يتحقق مادامت فيها بقية حياة.

في التغيير الحقيقي يطرد شيوخ المشركين وكهنة المعبد ولا يحتفظ إلا بالنزهاء الأتقياء الحكماء الخبراء الذين يستفاد من خبرتهم في البناء على أساس جديد وليس على أساس القديم. وكل دعوى تربت على أكتاف الظلمة وأعوانهم فإنما هي دعوى قاصرة لا تثمر كيانا سليما وكل ما تثيره من ضجيج فجعجعة هو بلا طحن. والله سبحانه يقول: {إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ} 2 . صدق الله وكذب المنجمون. والحمد لله رب العالمين


[1] الأنبياء:18\
[2] يونس: 81\