للحريَة مبنىً ومعنى، وقع مميَز في القلوب والأذهان كما في الآذان، لذلك يعتبر الوقوف على هذا المفهوم ومشتقاته مثل التحرر والتحرير توضيحا للمفاهيم وتصحيحا للأفهام وتفنيدا لكثير من الأوهام أمرا في غاية الأهمية، خصوصا بالنسبة للأمم والشعوب التي عانت ولا تزال تعاني من الاستبداد ورديفه الفساد.

فالتحرر على وزن تفعُّل، وهذا الوزن يفيد رجوعا على النفس وانعكاسا، فالتحرر موضوعه الإنسان وهو نضال في وجه الذات وفي سبيلها، بهدف التخلص من أصفاد يحملها الإنسان بحكم العادة والتقليد والوراثة أو بسبب الأنانية والجهل والخوف، لأن أسباب الاستسلام والرقود الخامل والتنازل عن الحرية تقطن في الجذور النفسية العقلية الاجتماعية السياسية التالية:

أ‌) الأنانيات: كل فرد شغلته نفسه وشهواته، أو أمواله، أو جاهه الاجتماعي، أو وظيفته يريد الرقي فيها، إلى ما شابه. قال الله تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا}.

ب‌) الذهنيات: وعي للواقع مجانب، خرافية، جبرية، جهل، تضليل إيديولوجي.

ت‌) العادات: التصاق بالمألوف الساكن، بالترف، رضى بالواقع، خنوع موروث.

فما دامت هذه المعاني الفتنوية جاثمة في النفوس، قابعة في العقول، مفروضة في الواقع، فما للإنسان إلا حرية الجبناء، ما له إلا القناعة بالأمن المهين، أمن الرعية التي لا كلمة لها ولا شأن ولا رأي. مع الذهنيات البليدة، والأنانيات الانفرادية، والعادات المكدسة ما للإنسان إلا أن يرضى بوجود الجماد والحيوان الداجن، يتصرف فيه غيره، تفكر له الدولة، ترعاه، تدللـه إن كان منها وإليها وتغنيه، أو تهدي إليه).

كما تفيد صيغة التفعل التدرج والتكلف والمجاهدة. إن كلمة تحرر تدعو المسلم إلى مجاهدة النفس، وإجبارها على اقتحام العبقات، وإلزامها به، وفي هذه المجاهدة من التكلف والعزم وقوة الإرادة ما فيه؛ لأن النفس تكره الالتزام والانضباط، وتحب التفلُّت والترخُّص، وإذا تركها المسلم على هواها فإنها تترك الأمر وتتخلى عنه، ولذلك لا بد من أخذها بالشدة حتى تلتزم وتستقيم، وفي ذلك يقول الإمام المجدد عبد السلام ياسين طيب الله ثراه ومن كان سائرا في سبيل الهوى، أنى له أن يَحْمل الأمانة العظمى، أمانة رسالة الله، مبلغا عن رسول الله، عليه صلاة الله وسلام الله! من كانت نفسُه منطويَة على خُبثها ومرضها أنى يكون شِفاء لغثائية الأمة وأعرابيتها وهو حاملٌ الجرثومة بين جنبيه!إن تحقيق العبودية لله عز وجل، والتحرر الكلي من سلطان الهوَى هو الشرط الأول الضروري لتأهيل الفرد المومن للانخراطِ عن كفاءة في صف جند الله. وإن جندَ الله لا يكون جندا لله إلا إن سلمت القلوبُ فصلَحَتْ لتكون وِعاء لرحمة الله عز وجل الجامعةِ المؤلفة فإذا كان قلبُ المؤمن الفرد منضَمّاً على أعرابية، أو كان الإيمان فيه قد خَلُقَ واندثر، فلن يكون الحديث عن التآلف والعضوية إلا حديثَ زور، ولن تكون الإرادة إلا تعبيرا عن طموحات نفسية اجتمع عليها الناس مثلما نرى عند الأحزاب في الأمم التي لا خبرَ عندها بداء الأمم) 1 .

في حين التحرير على وزن تفعيل، وهذا الوزن يفيد انصبابا على العالم الخارجي وفعلا فيه، كما تفيد هذه الصيغة المبالغة والتكثير من الفعل والتفاعل به، وكذا التعدية والإزالة، فبعد أن يتمثل المسلم الحرية في ذاته ينبغي أن تتعداه لمحيطه إنزالا للحق وإقرارا، وإزالة للاستبداد وإبطالا، فالتحريرُهو عملية نضال يقوم بها الإنسان بهدف تأمين الحرية لأبناء مجتمعه أو وطنه، بمعنى آخر التحرير يقوم على معادلة بين محرِّر ومحرَّر.

وفي هذا يقول الإمام رحمه الله لا محيد لنا عن خطة الخسف ومسيرة الاستقالة أمام السلطان إلا إن فككنا الارتباط مع السنة السيئة وتمسكنا بالسنة النبوية والمنهاج، لنتنسم عبير الإحسان في ذلك الفضاء الإيماني، ولتحكم الأمة نفسها بفضائل الشورى وفضائل العدل مجملة، بفضائل الصحبة والجماعة، والذكر، والصدق، والبذل، والعلم، والسمت الحسن، والتؤدة، والاقتصاد، والجهاد. اقتحاما للعقبة وطلبا لوجه الله جل وعلا، لا تدحرجا على مهاوي السهولة والرخاوة وكراهية المساكين والغفلة عن الله والكذب والشح والجهل والكسل والتبعية الحضارية والهيجان واتباع خطوات الشيطان وتضييع الواجب الأقدس واجب الجهاد) 2 .

خلاصة الأمر أن التحرر يمثل المرحلة الأولى ابتداء وتأسيسا، والتحرير يمثل المرحلة الثانية ثمرة ونتيجة، فلا تحرير بلا تحرر، وفاقد الشيء لا يعطيه وكل إناء ينضح بما فيه، فمن لم يتربى في محاضن الإيمان تحررا من الشبهات والشهوات، وثار على الظلم في الميدان تحريرا للأوطان من الطغيان، سرعان ما يقع في ما ثار عليه طال أو قصر الزمان، وفي ذلك يقول المجدد طيب الله ثراه على قدر ترسُّب العوامل المفرقة، وعلى قدر فتكها وإضرارها تكون الحاجة إلى تعميق التربية الإيمانية وتصعيد الهمة الإحسانية لتجاوُز العوامل الأرضية الثقيلة، والتحرر من فعلها، وقهرها، وإسكاتِها، وإبطالها. بتوفيق الله جلت عظمته) 3 .


[1] العدل: الإسلاميون والحكم ص 63\
[2] نظرات في الفقه والتاريخ ص 16\
[3] الإحسان ج /2 ص 512\