كان، قديما، رجلان صديقان، أحدهما متزوج، والثاني عزب، وكانا غريبين يسكنان بلدة بعيدة عن أهلهما، يحترفان من الصنائع أعجبها وأغربها؛ كانا يحفران القبور. وليس العجب متعلقا بحفر القبور التي تؤوي الموتى، وإنما العجب أنهما كانا إذا دفنا ميتا، انتظرا إلى حلول الليل، فعادا إليه ينبشان قبره، ثم يسرقان الكفن ليبيعاه من جديد. لذلك كانا يقضيان النهار كله في عطالة، يجلسان في وسط البلدة يتسقطان أخبار المرضى والأموات، فإذا سمعا بأحد من البلدة فارق الحياة، أسرعا إلى أهل الميت يعرضان عليهم الخدمة. وهكذا، سرعان ما صارا أشهر من علم، يعرفهم سكان البلدة كلهم، إذا مات ميت هرع أهله إليهما.

وكان الشاب العزب يكتنز حصته من المال عند صاحبه المتزوج، لأنه كان يخشى عليه من الضياع، لاسيما أنه يعرف عن نفسه شغفها بالملاهي واللعب، وكانت بين الصاحبين مودة أوثق من الحبال، لا يقطعها إلا الموت، وقد مرت على صحبتهما أعوام لا بأس بها، قضياها معا يجوبان أقطار الأرض يسرقان الأموات.

وأما المتزوج، فرجل كهل، له حليلة يحبها أكثر من نفسه، وأما هي فكانت تعرف منه هذا الحب الكبير، فكان مفتاحها إلى قلبه، أنها إذا أرادت منه شيئا، وعلمت أنه ربما جادلها فيه، عمدت إلى قلبه فأحسنت إثارة مشاعر الحب فيه، فينسى الرجل عندئذ نفسه وتنال مرادها.

لم يكن للرجل وزوجه أولاد، رجل وامرأة يعيشان وحدهما، وكانت هي من تباشر كنز المال، وكانت تشتهي السوق والمحلات، عادتها أن تدمن دخولها، وأن تختار لنفسها من البضائع أجودها وأغلاها.

وربما نفد المال من الزوج بسبب كساد الموت في البلدة، فلا يجد ما يعطي زوجه للذهاب إلى السوق، فتستأذنه حينها أن تأخذ من مال صاحبه قرضا دون أن يعلم الشاب بذلك، على أن يعيده زوجها حين يصيبان من العمل مالا، وربما عارضها زوجها ولامها على إسرافها، ولكنها كعادتها تتقن إمالة قلب الرجل إليها، فتحسن الإغراء بالقول والعمل، فينهزم الرجل ويلبي لها مطلبها.

واتفق أن العمل كسد وأسرفت المرأة في الشراء، وأراد الشاب أن يزور أهله في بلدته، فطلب المال من صاحبه، وماطله صاحبه من أسبوع إلى أسبوع، لأنه لم يكن معه من المال شيئ، أنفقته زوجه كله بين الأسواق، وطالت المماطلة، ودخل الشك إلى قلب الشاب كعادة كل سارق، سرعان ما يدخل سوء الظن بالصاحب قلبه.

علم الشاب أن صاحبه خانه، وأن مجهوده في سنوات قد ضاع، وذهب أدراج الرياح، فسقط في يده، وأظلم الشر في عينيه، لذلك قصد صاحبه في صبيحة يوم، وتوعده بشدة، أمهله أسبوعا قبل أن يشتكيه عند القاضي.

بالغ الرجل في إرضاء صاحبه، وعده أن يرد إليه ماله متى عاد العمل إلى ازدهار من جديد، وكذلك خوفه من العقاب، ومن الفضيحة بين الناس، إن هو اشتكاه عند القاضي. لكن الشاب لم يعر اهتماما بما قاله صاحبه، وقصد القاضي يقدم شكاته عنده.

وعند القاضي تكلم الشاب بكل شيء، أخبر بقصته وصاحبه، وأصبح الصديقان بين يدي القاضي كفرسي رهان، كلاهما مذنبان ويستحقان العقوبة ذاتها.

لم يحكم القاضي بشيء، وإنما اختلى بهما في غرفة يحدثهما. قال:

– قد وقعتما أيها التعيسان في أشد عقوبة، ولا يخلصكما منها إلا أنا، فأجيباني بصدق، وأعفو عنكما.

قال الرجل: – سل ونحن نجيب.

قال: – هل حفرتما في هذه المدة الطويلة قبرا لقاض؟

قال الرجل: – نعم، حفرنا أكثر من قبر.

قال: – وكيف وجدتم حالته بعد الموت؟

سكت الرجل ولم يجب، وأجاب الشاب قائلا:

– وجدناه بعد ساعات عن دفنه متفحما في رماده، فكأن جثته ليست بجثة إنسان، وإنما هي جثة أفعى محترقة.

لما سمع القاضي الجواب من الشاب، أخذته عبرة وشهيق، وتعجب الرجلان كيف يبكي القاضي هكذا كالطفل، وهو الذي بين يديه أعناق الرجال. لاحظ القاضي في وجهي الرجلين أنهما يستغربان مما رأيا، فقال لهما: لعلكما تسألان ما يبكي القاضي الساعة؟ أليس كذلك؟

قالا: – نعم يا سيدنا القاضي.

قال: – أبكاني أنني أعرف السبب الذي كان من وراء احتراق القاضي الذي دفنتما، فإنه كان يحكم بالرشوة، وإنني -وأنتما المجرمان- مجرم مثلكما، فأنا كذلك أحكم مثل حكم ذلك القاضي المرتشي، فأسلب المظلوم، وأعطي الظالم… ألا وإني لطالما حدثت نفسي بالتوبة الصادقة، لكن النفس كانت تغلبني في كل محاولة، وقد بعثكما الله إلي لأعتبر من حديثكما. فبالله حدثاني كم صادفتما من قاض سلبتموه كفنه، وكيف كانت حالة كل واحد منهم، وأنتما اللذان جبتما أقطار الأرض تسرقان الموتى؟

قال الرجل: -صادفنا يا سيدي القاضي تسعة وتسعين قاضيا، كلهم وجدناه على حالة واحدة، متفحما في رماده.

قال القاضي: – تبا لكما أيها التعيسان، قد أفسدتما علي حياتي، فكيف يحلو لي عيش بعد الذي سمعت منكما؟ ألا إني تبت وعدت إلى رشدي، فلأكونن عادلا بعد الذي كان، ولأهجرن الرشوة ما حييت. وأما أنتما، فتوبا إلى الله وأنا أستركما ولا أحكم بشيء يضركما، على أن تعملا عندي في قاعة المحكمة، وأنا أضمن لكما لقمة العيش.

قالا: – سمعا وطاعة، ولكن ما يكون عملنا في المحكمة؟

قال القاضي: – تجلسان عن يميني وشمالي، فإذا نظرتما مني انحرافا عن الحق، وطمعا في رشوة، قولا لي في صوت خفي عن الحاضرين: تسعة وتسعون قاضيا، وأنا أفهم عنكما، وأعود إلى جادة الصواب.

قالا: – قبلنا.

مرت مدة طويلة والقاضي بين صاحبيه، كلما رأيا منه انحرافا قالا له: تسعة وتسعون قاضيا. فما زالت حالة القاضي تتحسن من سيء إلى حسن، ومن حسن إلى أحسن، حتى صار اسمه يذكر بين القضاة العدول الثقاة، وكل ذلك بفضل ما يردده صاحباه.

كان القاضي قد ألف فيما مضى من حياته البذخ ورفاهية العيش، وحين ثاب إلى رشده، وأقلع عن أخذ الرشوة، قصرت يده ورث عيشه، وأصبح الخصام سيرته مع أهله في كل صباح ومساء، وعاد شيطان السوء يوسوس له، والمسكين يجاهده مذكرا نفسه بين الفينة والأخرى بزملائه التسعة والتسعين.

وفي يوم من الأيام، أصبح القاضي على خصومة مع أهله، وحين احتد بينهما الخصام، وكانت حجة المسكين أوهن من بيت عنكبوت، خيره أهله بين أن يرجع إليهم بذخهم ورفاهيتهم، وبين أن يسرحهم سراحا جميلا، فقصد المسكين المحكمة وفي عينيه ظلمة وضلال.

جلس القاضي بين صاحبيه ينظر في القضايا المعروضة عليه، وفي إحداها تخاصم اثنان، أحدهما غني ظالم، والثاني فقير مظلوم، وكان القاضي فيما مضى قد أخذ الرشوة من هذا الغني الظالم مرارا وتكرارا. لكن القاضي في هذه المرة تجلد وحملق بعينيه في الخصمين يسمع منهما. وأثناء الاستماع إليهما، غمز الغني الظالم القاضي غمزة علم منها أنه يعرض عليه ما يشتهي من مال، رشوة مقابل أن يردي خصمه في هذا النزال. وكانا الجليسان على جانبي القاضي يراقبان عن كثب تلك المناورات، واطلعا بفضل ما حصل لهما من تجربة، على غمزة الظالم، وترقبا صاحبهما القاضي كيف يقضي ويتصرف.

صرف القاضي نظره عن الغني إلى الفقير حتى لا يفتنه عن الحق، لكن الغمزة التي غمزه كانت قد دخلت قلبه وجرت منه مجرى الدم، وأصبحت تتضخم في عقله ونفسه رويدا رويدا، وزاد من تضخمها أنه تذكر الخصومة بينه وبين أهله، وتحولت الغمزة شيطانا مريدا سكن عقل القاضي وقلبه، فأخذ يلين في كلامه مع الغني، ويغلظ للفقير، ولاحظ الجليسان أن صاحبهما قد عاوده مرضه، وأنه يخرج بقدميه من جنة إلى نار، فهمسا في أذنيه: تسعة وتسعون قاضيا. لكن القاضي لم يعر الكلمة اهتماما، فهبا معا في صوت مرتفع: تسعة وتسعون قاضيا.

عندئذ التفت إليهما في قسوة قائلا: لا تقولان تسعة وتسعون، بل قولا مائة، إن النبتة التي ترعرعت سيقانها في مياه المستنقع تقتلها المياه العذبة.