مرحلة تصحيح المسار

هذه المرحلة هي الأكثر حساسية، إذ هي مرحلة انتقالية قد تدخل البلاد في متاهات الخروج منها صعب، وقد تطول مدتها إذا لم يتم التعامل معها بالحكمة اللازمة، ففي هذه المرحلة يتم التأسيس لتجربة مغايرة للتجربة التي كانت أيام الاستبداد، وإذا غابت الحكمة في تدبير هذه المرحلة فقد لا تعمر التجربة الجديدة طويلا لتحل محلها أخرى فتسقط البلاد في تجريبية تضيع الوقت وتبدد الجهود، أو يستعملها أصحابها للحفاظ عليها وتحويلها بعد ذلك إلى استبداد من نوع جديد. وقد لا تبنى تجربة أصلا لتدخل البلاد في دوامة العنف والحرب الأهلية. إنه الجزء الضيق من الطريق، إنه عنق الزجاجة، لا يمكن الخروج منه إلا إذا توفرت إرادة شعبية تجتمع لصياغة ميثاق يضمن الاستقرار ويضع البلاد في المسار الصحيح.

الوضوح

لا نقصد بالوضوح أن يطلق العنان للصراعات الإيديولوجية خلال المرحلة الانتقالية بغية حسمها، فهذا من المنزلقات التي تؤدي إلى بناء معسكرات تأخذ المعركة إلى ساحة أخرى غير ساحتها الحقيقية التي تفرض منطق التعاون من أجل إعادة البناء، لكن المقصود هو أن يكون الجميع على وضوح تام أمام الملإ في أفكاره وطريقة عمله وأن يتم الابتعاد عن “النفاق السياسي” فلا يظهر تنظيم بالوجه الذي يرضي الجماهير حتى إذا ما امتلك أدوات التنفيذ في جهاز الدولة أعلنها انقلابا ليظهر بوجه آخر، وهذا الوضوح التام يعطي فرصة كبيرة للشعب ليعبر عن إرادته من أجل صياغة المرحلة المقبلة بما يراه يتناسب مع قناعاته وأن يتمكن من اختيار القيادة التي تستطيع التعبير عن هذه القناعات لصياغتها في برامج عملية في بناء الدولة وتطويرها، وهذا التلاحم بين الشعب والقيادة التي يختارها هو الذي يولد التعبئة الشاملة.

الميثاق الجماعي

لقد ظهر جليا خلال الربيع العربي كيف أن بعض القوى السياسية التي لا تتمتع بشعبية واسعة كانت حريصة على ضرورة صياغة الدستور خارج العملية الانتخابية، أي لا يمكن لأي طرف نجح في الانتخابات بعد الثورة أن يصيغ دستورا قد يتحكم في مستقبل أجيال قادمة علما أن الفائز الذي أفرزته صناديق الاقتراع لن يعمر في الحكم سوى بضع سنوات. والحقيقة أن هذا الطرح يبدو منطقيا لكنه يفرض علينا تساؤلات تحتاج إجابات. من المعلوم أن شكل الدولة التي يريدها الإسلاميون غير شكل الدول التي يريدها العلمانيون بكل تصنيفاتهم رغم النقاشات التي تدور حول الدولة المدنية، فليس هناك اتفاق حول كل ما يحمله مصطلح “مدني” في فكر الإسلاميين مع ما يحمله في فكر العلمانيين، فهل ينافق السياسيون خلال المرحلة الانتقالية فيظهروا بمظهر حتى إذا ما تمكنوا من السلطة فرضوا على الناس شكل الدول التي يريدون؟ أم يتم الاتفاق على مبادئ حاكمة ثابتة يكون الحسم فيها للشعب لا يستطيع أن يتجاوزها أو أن يغيرها أي كيان سياسي وصل إلى السلطة؟ وحتى إن حصل هذا الأمر فإلى أي درجة ستكون هذه المبادئ مجسدة لإرادة الشعب المستقبلية وهو لم يتخلص بعد من الضغط المادي والمعنوي الذي خلفه الاستبداد؟

إن فقه الأولويات يجب أن يحضر بقوة خلال هذه المرحلة، وأولى الأولويات أن يجتمع الناس على كلمة واحدة، والاجتماع على كلمة واحدة لا يعني الالتزام برأي واحد وإبعاد الآراء الأخرى ولكن أن تذوب كل الترسبات العالقة من زمن الاستبداد بين القوى السياسية التي لم تشارك في جرائمه على قاعدة التعاون من أجل مصلحة الوطن. وهذه القاعدة تفضي مباشرة إلى ضرورة صياغة ميثاق جماعي يلتزم ببنوده الجميع وتطرح فيه القضايا حسب الأولويات، وكل ما يصعب الحسم فيه فلابد أن تتوفر الإرادة لديهم لتأجيله حتى تنضج الشروط المناسبة لذلك، ويكون ذلك في جو حسن النوايا التي تتمحّص أمام الشعب وتصدقها المواقف العملية.

قد يتساءل متسائل: كيف الحديث عن الميثاق والتعاون وحسم الخلافات منها وتأجيل ما لم تتوفر شروط الحسم فيه في سياق الحديث عن مراحل بناء الدولة الإسلامية القطرية؟ أليس “نفاقا سياسيا” من جانب الإسلاميين يداري القوى العلمانية حتى إذا ما استتب الأمر في أيديهم انقضوا على الدولة وفرضوا على الناس ما يريدون؟

إن الجواب على هذه الأسئلة قد سبق إيراده بشكل ضمني في الفقرة السابقة لما تم الحديث عن ضرورة الوضوح في كل شيء، ومن الوضوح الوضوح في الرؤى المستقبلية لشكل الدولة والمجتمع، لكن ما يجب أن يكون واضحا عند كل الأطراف وما يجب أن تركز عليه بنود الميثاق هو ألا تستخدم الدولة لفرض إرادة معينة على الناس، أما أن يتم تنزيل أفكار جهة ما على الواقع بإقرار شعبي فهذا ما لا ترفضه كل التشريعات المنظمة للبشرية وما لا يرفضه المنطق والعقل.

إن “الدولة الإسلامية” لا يجب أن تفرض على الناس، وإن فرضت فهي لا تعدو أن تكون نوعا من الاستبداد يمارس عليهم، إذ الأصل أن تتهيأ النفوس وتطمئن لدعوة الإسلام كاملة لتأتي الدولة حامية لهذه الدعوة ومهيّئة لأسباب استمرارها وانتشارها، فتكون الدولة الإسلامية آنذاك مطلبا شعبيا. وفي الدولة الإسلامية يضمن حق المعارضة للمخالفين، حتى المخالفين فكريا وعقائديا.

مرحلة البناء

لا نتصور أن عملية البناء قد يتصدى لها فريق بينما الآخرون يجلسون في البرلمانات يعارضون أو يكتبون في الجرائد عن الحكومة متصيدين أخطاءها، فإن كان هذا هو المسار سرعان ما يدخل السياسيون في السوق الانتخابية يزايد على بعضهم البعض ويكذب على الناس، فإن كانوا أصحاب سلطة زينوا للناس الأمور وأوهموهم أن كل شيء على ما يرام، وإن لم تكن في أيديهم سلطة نصبوا أنفسهم مدافعين عن الشعب وما هو إلا نفاق يراد به الوصول إلى السلطة لا غير.

بناء الدولة

بعد إسقاط نظام الاستبداد وصياغة الميثاق يتعبّأ الجميع، سياسيين ومجتمعا، لمرحلة أصعب هي مرحلة البناء. الإدارة التي كانت زمن الاستبداد منخورة عششت فيها الرشوة والسرقة والمكر والاحتيال وعشش فيها عامل بشري فاسد، فلا بد من تطهير الإدارة وكل مؤسسات الدولة من الفاسدين والإبقاء على الصالحين إذا ما توفرت فيهم شروط ثلاثة وهي: الإسلام لأنه دين الشعب ولا بد من احترام إرادته في هذا الخصوص، مع التغيير والإصلاح لا ضده فلا يرحب بمن يحنّون إلى زمن الاستبداد، الكفاءة والمهنية فلا محاصصة في توزيع المناصب.

وأثناء صياغة القوانين المنظمة لأمور الدولة كلها لا بد من مراعاة فصل السّلط، وأن يحرص القانون على أن تلتزم كل مؤسسة باختصاصاتها، وهنا لا بد من أن يكون لمؤسسات الدعوة استقلالية تامة فلا تخضع لسلطة الدولة بل تكون هي الموجه والمراقب، لا من منطلق تكريس الدولة الدينية بل لأن هذه المؤسسات يكون مصدر قوتها الشعب، فهو الذي يخولها هذه السلطات، وهناك يتحرر العلماء والدعاة من وصاية السلطة زمن الاستبداد ليكونوا شاهدين بالقسط.

بناء المجتمع

لقد أدرك حكام الجبر أن قوتهم في ضعف المجتمع لذلك عمدوا إليه فقسموه شيعا وأفسدوا شبابه وخربوا التعليم لتدجين الأجيال الصاعدة وأطلقوا العنان لمشاريع الفساد لإلهاء الشعب، لكنهم هدموا عروشهم من حيث أرادوا الحفاظ عليها، فتراهم أحيانا يريدون الإصلاح فيأتون بمشاريع ترصد لها الأموال الطائلة لكن مصيرها يكون الفشل لأن المنفذ تم الإجهاز عليه بالتفقير والتجويع والتمييع والتضليل وكل الأسلحة الجهنمية.

إنه لن تقوم للدولة الإسلامية قائمة إذا كانت القيادة مفصولة عن الشعب، وإنما ينجح المشروع الإسلامي إذا اقتنع به الشعب وتعبأ تعبئة كاملة مع القيادة التي اختارها، وهذا يبدوا من المستحيلات في بلدان خرجت توا من قرون الاستبداد، لكن مع تغلغل الدعوة في أوساط المجتمع ترشد وتربي وتحتضن، ومع توفير الدولة للأمن والعدل وإتاحتها الفرص أمام الجميع فإن الشعب حتما سيشارك في عملية البناء وسيصبر على مشاقّه وصعوباته وسيصمد في وجه أعداء التغيير.

بناء الاقتصاد

تعاني الشعوب التي تحكمها أنظمة الجبر من التبعية الاقتصادية للدول المتقدمة اقتصاديا، فلا تصنع بل تبيع ثرواتها بأبخس الأثمان وتستوردها مصنعة، ولا تنتج ما يكفيها من الغذاء بل هي في حاجة إلى استيراده إذا توفر المال أو أنها تنتظر أن يعطف عليها “الرجل الأبيض” بالمساعدات التي تكون مقابل كرامة الشعب، وتطول لائحة المصائب.

وفي دولة ما بعد حكم الجبر لابد أن تسعى إلى استقلال اقتصادي يحقق العزة والكرامة للشعب، فالدولة حامية للدعوة، ولن يسمع جائع صوتها إذا لم تشبعه الدولة، ولن تصغي الإنسانية لدعوة تدافع عنها دولة تتسوّل على أبواب البرلمان الأوربي أو على أعتاب الكونغرس الأمريكي، إنما تهوي أفئدة الناس إلى دعوة عزيزة تدافع عنها دولة قوية متحررة.

بناء القوة

القوة بكافة أشكالها، فلا هيبة لدولة في الساحة الدولية إذا لم تكن قادرة على حماية حدودها وشعبها، ولا تسمع كلمتها ولا يؤخذ برأيها إلا إذا كانت قوية.