توطئة

مقالة تؤازر إخوان مِصر في محنتهم بعد انقلاب العسكر، ورِضا أطياف مِن الشّعب المصريّ بالفحشاء والبغي والمنكر تُذكِّر مَن نسي بأوثان كبيرة سقَطَت والله أكبر.

اهْبِطوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ

قلت للسيدة الوالدة – حفظها الله – صبيحة يوم الأربعاء: قتَلَ المعتصمين في الميادين الأعداءُ؛ هجَموا عليهم وهم نيام في خيام بالغازات المُسَيّلة للدّموع، والرّصاص المخترق للرؤوس والضّلوع، وقتَلوا من رفض الخنوع قنصا وخنقا وحرقا، ودهْسا وعفَسا وسحقا.

هدموا الخيام وأحرقوها ومن فيها. هتَكوا الستائر وروّعوا الأطفال والشيوخ والحرائر، لم يراعوا في مؤمن إلاّ ولا ذِمّة. وسقط شهيدا من الإخوان المسلمين، ومن المسلمين الإخوان آلاف بين راغب في الشهادة، ومواجه لآليات الدّمار بصَدْر عارٍ، وشعارات وهتافات الاستنكار.

لم يكن جواب الوالدة حينئذ تعليقا منها على ما أخبرتُها به دامع العينين، حزين القلب إلاّ مُختزَلا سعْداتْهُم، سعْداتْهُم)، ذهبوا إلى الله تائبين طاهرين، رمضان هو رمضانهم، والعيد عيدهم.

كانت كلمات السيدة الوالدة ناصعة صادعة صافعة، أيقظَتْني من ذهول الأحداث، ومرارة الحزن على من جُرح ومن أهين ومن اعتُقل ومن مات ضحية إجرام مِن أفّاك مُبير، في أتون معركة غير متكافئة بين جيش مؤجّج مدَجّج، وبين مؤمنين نائمين آمنين مطمئنّين، ومؤمنين قائمين ساهرين مراقبين. وراجَعْت ما سمعت من السيدة الوالدة حفظها الله فألفيت كلامها حقّا عدلا، وقولها صِدقاً فصلا.

أيّ حزن وأيّ عزاء! ومن قضى من الشهداء ودّع الحياة بعد أن تهيّأ للرحيل أزيد من أربعين يوما في رباط واعتكاف.

أيّ حزن وأيّ أَسى على مَن جُهّزَت روحه للبناء في شوال استنانا بسنة خير الأنبياء، وزوجه أمنا عائشة أحب الناس إليه من رجال ونساء أن قالَت: «بنى بي رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال فأيّ امرأة أبرك مني».

مباركة تلك التي يُبنى بها في شوال، وأيّ بركة تشمل من بُني بروحه في شوال إذ زفّت إلى الجِنان، وإلى حُور عينٍ حِسان، لم يطمثهنّ إنس قبلهم ولا جان.

وأيّ بركات تنتظر الشهداء في مقعد صدق عند مليك مقتدر أن أدركوا رمضان الطهر، والذكر، والفتح والنصر، والأجر والقدر والعشر في التماس تلك التي هي خير من ألف شهر.

أفلا يكون رمضانهم أحلى رمضان وهم في مجاهدة نفس، واجتهاد نَفَس في طاعة الله، وعبادة من لا يُعبَد سواه، وعدم المخالفة عن أمر رسول الله، صابرين أنفسهم مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجه الله، ما لهم من لحاف إلا سماء الله، وما لهم من فِراش إلا أرض الله، يتعرضون لحرّ الشمس برؤوس حاسرة، وقرّ الليل بأجسام واهية، ولنفحات الله في أيام دهره بقلوب منكسرة، وألسنة مناجية، ولهجمات أعداء الله والدين والإنسانية بتجرّد من كلّ حول وقوّة، إلا من حول من له الحول، وقوّة من له القوة، مَن بعينه ما يقع لعباده المؤمنين، ناصر المظلومين ولو بعد حين، ومؤيّد المستضعفين بالنصر والتمكين، وإن ظنّ المجرمون أنّهم عليها قادرون، مغرّدين خارج سرب الشّرع والشرعية، والأخلاق والقيم والمروءات والدساتير والقوانين. قُبحاً لهم وترْحاً مِن راقصين على جراح الشعب، وزاحفين على بطونهم، منبطحين استسلاما لمن بيده السّلاح والإذن بتنفيذ قرار الأبالسة الكبار. ولا حديث عن العاكفين على عجل السامري من ديدان القرّاء، وحثالة الإعلام، وعبدة الأصنام والأزلام، الطائفين بلا إحرام على أهرامات فرعون وقارون وهامان، سماسرة باعة الذّمم، ذيول فلول رمز النّظام المتأله المخلوع، وملتقطي فتات مآدب اللئام، مَن أُميط عن كفرهم اللّثام. وفُتِح الباب ورُفِع الحجاب فإذا هم عُراة بلا ثياب، ينظر الناس إلى سوءاتهم بتقزّز واستهجان واستغراب، وينظرون هم ومن ينظر بمنظارهم إليها بإكبار وانتشاء وإعجاب، ولا من يخصف عليها بأوراق الشجر، وهي من الكثرة المستعصية على الحساب، عورات متلبّس بحرام ومنكر، وما تخفي صدورهم أكبر، وما يخفي لهم القدَر من عقاب وسوء مآل، وخذلان وإحباط وتَباب أدهى وأمرّ.

ويتساءل مَن في رأسه عين ترى – وإنها لا تعمى الأبصار – ومن له أذن تسمع – وما أنت بمسمع من في القبور – ومن له قلب وهل للصخور قلوب؟ أستغفر الله بل إِنَّ {مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} 1 . ألهذا الحدّ يمكن أن تسقط القيم، وتتردّى الهِمم، ويتكلّس الحِسّ وتتهوّد الفِطَر وتتنصّر وتتمجّس؟! اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ. شيخُ أزْهر طيّب شاخ عقله فشيّخوه، وتطيّب بطيب زهره اسماً ليكون المسمّى بريء الذمّة حسَن النية سليم الطويّة، يظنّ بالشياطين خيرا، ولا يعصي لهم أمرا، ويُفتي بما يوجد لانقلابهم مبرّرا وعذرا، ثم يعتكف حِلس بيته عشراً ملتمساً منهم قَدرا وأجراً، وقد جعلوه سُخريّا، وجعلوا منه سخريّة لمعهد أصيل، يتخرّج منه مُعَمَّم عميل، للدّخيل وكيل، حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. والتعميم خطأ على كلّ حال، وإلاّ ففي الأزهر رجال وأيّ رجال، {صدقوا ما عاهدوا الله عليه؛ فمنهم مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا. لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} 2 .

كفى يا علماء البلاط ووكلاء الضبّاط الذين يدّعون الكمال لشُباط، وهم يعلمون أنّ الكمال متاح لكلّ الشهور إلاّ لشُباط، وأيام شباط، وليالي شباط. كفى فإنّ حارس الظالم ظالم، وأمّا أعوان النّظام فهم مَن يبري له قلم ظلمه، أويخيط له كسوة حكمه، ومن يكتم شهادة رفض إثمه في قلبه، بشيطنة خرساء تركن إلى عافية الجبناء. رحم الله الإمام أحمد بن حنبل المفتي بهاته الفتوى لما سأل حارس القلعة عن مكانه من الظلم في شرع المحجة البيضاء.

أفبعد هذا الذي حدث في الجزائر، وفي فلسطين، وفي مصر، وتونس يبقى للمؤمن عذر أن يتمنّى أو يشتهي من داخل أروقة الأنظمة المتألّهة المستبدّة وتحت قبابها المظروفة المسقوفة الهابطة المزخرَفة الحاجبة لرؤية السماء، والمانعة دون تنسّم هوائها، والتمَلّي بطَلْعة بُدورها وشموسها ونجومها نسمة حرية، أو هبّة ديمقراطية شرقية أو غربية، شمالية أو جنوبية، أو رذاذاً من غمام الكرامة الآدمية، إلاّ أن يكون ممّن تلبّسَتْهم نعَمِيَّة الموقّعين على بياض، وأنعامية الواقعين في المستنقع وهم يتوهّمون أنهم ورود على حياض، ونعامية من تضع رأسها في الأوحال وتقول مسك وعنبر، وتضيف إلى هذا المنكر ما هو أبشع وأخطر أَن لم يرَها في ما هي فيه من الوَحَل أحد، ولم ترَ ما فيه الظّلمة من كبد ونكَد، ومكر وغدر وحقد وحسد، ولم تر ما فيه الأشراف الأطهار الأحرار من تمنُّع وإباء على المساومة والتهديد والإغراء، رغم ما يتعرضون له من إيذاء وبلاء تكاد تنشقّ من شدة وطأته الأرض، وتخِرُّ الجبال، وينفلق البحر، وتهوي السماء.

ويتساءل الـمُغرَم بالبحوث الأكاديمية، والدراسات الاستراتيجية، والمصطلحات التأصيلية، والمشاريع المستقبلية، هل من سبيل لنظرية وسطية تترك ما لقيصر لقيصر، وما لله لله، وتزاوج بين دين يتربّع عرش القلوب الطاهرة، ودنيا تُزفّ لأصحاب العقول النيّرة؟ توازن وتكامل والاختلاف في الأمّة رحمة، والتعايش بسلام وتسامح حسن تدبير، وأمن واستقرار ثمرة بُعْد نظَر، ومجرى من مجاري عين الحكمة، وتقاسم مصالح وتوزيع أدوار وبهذا يحصل الكمال، وكفى الله المؤمنين القتال.

نقول لصاحب هذا المقال: إذا كان لك رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم أصحّ نموذج، وأرجح مثال، فإليك ناطق باسم هذا النّموذج المثال الصحابيّ الجليل ربعيّ بن عامر رضي الله عنه، يعبّر عنه باختصار واختزال: إنّ الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. قالها مُدَوّية في وجه رستم ملِك الفرس عديل أوباما رئيس الولايات المتحدة الأمريكية قطب نظام هذا الزمان، وليس فقط لمُلوك العضّ، ورؤساء جبر الولايات المتفرّقة الأمريكية كراكوز خيال ظلّ ذاك النظام، ليعلم الناس أنّ الإسلام إخراج من ظلمات عبادة العباد، وضيق سجن الدنيا، وجَور الأديان إلى عبادة إحسان ودنيا استقرار ورفَه وسعادة وأمان، ودين عدل لا جور ولا قبول بالظلم والطغيان. هذا هو التكامل والتوازن يا من قنَع من الفيل بذَيْل، ومن مائدة اللئام بفُتات، ومِن سوقهم ببضاعة مُزجاة. وإلاّ فاهبطوا مصرا فإنّ لكم ما سألتم من فوم وعدس وبصل، بعد أن رُفِعَت عنكم عقابا مائدة المَنّ والسّلوى، إذ لم تصبروا على طعام واحد من إسلام موحِّد، ورضيتم بديلا عنه ما تُخرج أرض أم الدنيا الملعونة من أعشاب إعلام سامّ وهوامّ شياطين إنس وجانّ، ومن حشرات ضارّة، ووحوش ضارية، وذباب حامل للقاذورات، وما شئت من دوابّ وأنعام وزواحف وأغنام ونَعام. أستغفر الله بل إنّ البشر إذا تحوّل إلى هذه المخلوقات فهو أبخس وأخسّ وأضلّ، شارَكَها في الفِعل، وامتازَت عنه أنْ لم يُخلَق لذلك، ولذلك خُلِقَت.

ويتساءل غربيّ مغَرِّرٌ، ومُغترِب مُغَرّرٌ به، هل بعد هذا الذي وقع في الجزائر وتونس ومصر وفلسطين وليبيا واليمن وسوريا يمكن أن نضمن للديمقراطية وجودا في شعوب تعوَّدَت على الاستبداد، واستحلَت عيش الرقّ والعبودية، وصارَت حوتا لبحر العضّ والجبر لا ترى لها عيشا إلا في مياهه، وبين صخوره وطحالبه، وأنيابه ومخالبه؟

نجيب نقلا عن أحد الصحفيين الشرفاء، المستقلين الأحرار، العارفين بقواعد اللعبة السياسية، ولاعبيها المهرة، وميادينها المعتبرة، ومدرّبيها الأكفاء، ومُحترفيها وهُواتها وجمهورها، وحوافزها وجوائزها، ومنصاتها وكواليسها، ومرجعياتها ومقصدياتها، ومُواطنيها ورُعاتها، ورعاياها وضحاياها: «يا أيها العالـَم القبيح الوقح، اللّقيط النّجِس». قالها وهو يخاطب العالـَم الغربيّ وأذنابه من تُبّع التُبّع في الوطن العربي لمـّـا كان الفلسطينيون الأشاوس في غزّة العزّة تُهدَّم بيوتهم بالطائرات النفّاثة، وتُبادُ أُسَرُهم على مرأى ومسمع، ويسعى السياسيّ المـُحنّك، والإعلاميّ المدرَّب، والديبلوماسيّ الأُمَميّ المُلوّن والظلّ الذّيل الذي يدور معهم حيث ما داروا، ويسير خلفهم حيث ما ساروا، يبرِّر ما وقع ويقع بأنّ الصهاينة يدافعون عن أنفسهم، ويحمون ديارهم، ويقتصّون منتقمين ممّن أصابوا بصاروخ طائش أعمى هامشا من ناحِيَة ضاحية وكْر كلْب ضيعةِ مُستوطن محتلّ. ألا بئس الميزان وأصحاب هذا الميزان المختلّ. إن أخطأنا في الوزن بقي في الإمكان أن نراجع ونسدّد ونقارب، ونصلح ما فسد، وإن كان الخطأ في الميزان فلا مراجعة ولا حلّ، ولا أمل في أن يُعالَج المعتلّ. قالها يومها الإعلاميّ الشريف بحرارة، ولن يشفِيَ غليلي قوله اليوم حتى أضيف بمرارة نسجا على نفس المنوال، وعزْفاً على أوتار نفس القيتارة: يا أيها العالـَم الوسخ المسخ، المحترف للكذب والخداع والمكر والغدر وسيء الأسقام مما عُرف مرضا وعرَضا، ومما لم يعرف إلى الآن أصله وفصله. يا أيها الملوّث الموبوء. يا أيها السفيه غير النّبيه ولا النّزيه ولا الوجيه. يا أيها العالَم السائب الخائب النائب عن إبليس اللّعين في كل شأن مشين، وكل أمر هجين. يا أيها المتواطئ على رؤية الحق باطلا والباطل حقا، المتآمر على الخير قضاء بالمؤبد مع إيقاف التنفيذ، وإعلاما بالإعدام قذفا وشنقا. يا عالـم الذّباب القذر، والفراش الملتمس للحريق المناهض للنّحْل الطيب المبشر بالعسل، والملتمس للرحيق حيث يوجد الرحيق ألا قبحا لك وترحا، وددت لو أنني لم أعش لأراك، ولم أعرفك معرفة والله جرَّت ندما، وأورثت نفسي حنقا، وجرعتني الموت أنفاسا. كما قال علي كرم الله وجهه لمن خذلوه من شيعته، وكما يقول كلّ حرّ في عالَم شرّ لا خلاق لأئمته، ولا مروءة للقيّمين على إعلامه واقتصاده وسياسته.

أسأل من خدَعْتم، ضَعُف الخادع والمخدوع: هل ما وقع في مصر انقلاب أم تمرّد، أم ثورة، أم ثورة مضادّة، أم فوضى حزبية، أم انتفاضة شعبية؟

قالها الأمريكي ساخرا من نفسه ومن مرسليه إليكم:

«من مشى مشية البطّة، وأحدث صوتها لا يسمى إلا بطّة»، وتسميها الحثالة المنحطة، والنذالة المحبَطة أسماء أخرى لا علاقة لها بما يُسمع ويُرى: تسمّيها سلطة، تسميها محطة، تسميها خُطّة، تسميها خارطة، تسمّيها البلطجة الإعلامية المصرية حلوى عيد بالقشطة.

كم كان يُعفيكم مِن تُهمة البَلادَة لا مِن وَصْمَةِ الإبادة لو سمّيتموها ورطة أو سَقطة أو خبطَة نتيجة جَلطَةٍ في رأس الجيش والشرطة، بل كان أجدر بكم وأحرى أن تقولوا حِطّة عسى أن يُغْفَر لغير المـُلوّثين بدماء المصريين منكم خطاياهم وتُحَطّ عنهم أوزارهم التي قصَمَت ظهورَهم.

لا عزاء بل تهنئة لشرفاء مصر، وأحرارها، شبابها وشيوخها وأطفالها وحرائرها، إليهم نرفع القُبّعة ونُحيّيهم أجمل تحية.

وعزاؤنا أن نسمع منهم ما يثلج الصدر من آيات الصمود، وأحاديث الثبات وما نرى منهم من أهرامات الإيمان، وآثار حسن البنا، وسيد قطب من مرسي والبلتاجي وصفوة حجازي وغيرهم ممّن نعرف ومن لا نعرف رجالا ونساء، شيوخا وأطفالا، ما يزيدنا يقينا أنّ في الأمّة الخيرية أخيار ما يزالون على هدي من سبقونا بإيمان تابعين لهم بإحسان، {فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} 3 .

هنيئا لنا بكم. ولمن يتوهمون أنّ نور الله يمكن أن تطفئه الأفواه النافخة، وأنّ نارهم يمكن أن تحرق المشاعر الصادقة في القلوب الواثقة بصبح الله القريب، الذي يرونه بعيدا ونراه قريبا، نقول بلسان الكتاب المبين المحفوظ بحفظ الله إلى يوم الدين: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ. وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ. وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ. وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ. وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ} 4 .

سبحان الله، هل يملكون إلا أن يقولوا ما قال في حقّهم ربّ العالمين، ولو شاءوا ما قالوا، ولكن كتب الله عليهم أن يقولوا ما قال أسلافهم المقبوحون، فهم على آثارهم يُهرعون، وأقوالَهم يردّدون، وأحوالَهم يعيشون، ومآلَهم ينتظرون!

إجرام وضحك، تغامز وانقلاب، تفكُّه وتضليل، إنكار وتخوين، تبرير وتعليل لما يخطّطون له من تقتيل وتنكيل.

ومع ذلك، وبعد ذلك تجد من يجعل إجرامهم أزهريا، ومخطّطهم سعوديا، ومُستبدّيهم ومُفسديهم ولايات إماراتية، وظلامهم نورا، وضلالهم مباركا عدليا منصورا، وسيسَهم الصّعيدي التصعيديّ حصانا لا حمارا، وبردعته هودجا، وصبّاحَهم مُبشِّرا، لا ملعونا مدحورا.

أستغفر الله إن شبّهت حيوانات طبيعية جعلها الله للإنسانية سخريا، بحيوانات بشرية جعلها الله في ضرب الأمثال للإنسان رمزا للسُّخرية.

اِهبطوا مصرا فإنّ لكم ما سألتم من أمّ الدّنيا الدنيّة، وأرض النّفاق اليوسفية السُّباعية 5 ، واهبطوا مصراً من ناحية أخرى تجدون إخوان الآخرة الموسَوية بدل الفرعونية، والهارونية بدل السامرية، والبنّاوية القطبية بدل الناصرية الساداتية، ومُرسية الإمام العادل بدل إبليسية عادل إمام، وبديعية شاطرة من صفوة بلتاجي إلى سيسية مباركة من بردعيّ بلطاجي. أمّ الدّنيا والكلّ في الدّنيا {وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} 6 . ويقرأ مقالَتك يا مفؤود مكبود مصدوم مصدور بقلب خليٍّ غير شَجِيّ، وعقل لا يملأ الفراغات ما بين السطور، ولا يفقه الإشارات التي توحي بها العبارات، ويُحيل عليها النَّثر الشعريّ والشعر المنثور، فيكتفي أن يقول: «سَجْعُ كهّان» أو «دردشةٌ فوق النّيل»، أو أحلام مغرور وأنّات مقهور. لـمِثْله أقول: فاتَكَ اللّباب واستهوتْك القشور. اللّباب أنّ مصر شاشة كبيرة تعرض عليك الحلقة الأخيرة من مسلسل ديمقراطية مشوّهة مبثورة أعلَنَت عن إفلاسها وتحوّلت إلى حظيرة فيها كل شيء، ممّا يخطُر على البال ولا يخطر على بال مِن عارٍ وشَنارٍ وثبور يُخزي الفاعل الظاهر والمقدَّر والمستَتِر، والمفعول به المنصوب، والمضاف والمضاف إليه المجرور، والمنعوت التابع لنعته في الرفع والنصب والجرّ، وسائر الحركات التي يسمح بها النّحو العربيّ في المنقوص والمقصور. وأما القشور فقرارات عِبْرية، وشاشة «عربيّة» وشجب صليبيّ، وبيانات أمميّة، وحوارات تبريرية تمريرية حول موائد مستديرة، وخلف كراسٍ متحركة تحت قباب مزخرَفة، واستوديوهات مسقوفة تُطبَخ فيها سندويشات باردة للمارّة العابرين، والسيّارة المستعجلين القانعين بالطعام الجاهز الخفيف الذي لا يُعرَف مدى نظافة يد من طبخه، ولا نيّته في الطبخ، ولا مدى سلامة المواد التي بها طبخ، والخلطة التي عليها نسخ. يقدِّم لك المنسوخ الممسوخ في دسِم لذيذ مسموم، وكُلْ هنيئا مريئا ما لا يُسمِن ولا يُغني من جوع، وما قد يمحق الأمعاء، ويُوَرّث الأسقام الجِسام، ويمرّر الميكروبات في أخفّ الاحتمالات وأحسن الحالات.

وفي ختام هذه التهنئة العيدية، نُذكّر من يُهِمُّهم الأمر إن بقي لأولي الأمر ما يُهمّ:

أوّلا: هما عينان: عيْن ترى أنّ الأنظمة المستبدّة العسكرية تضرب بلا هوادة، وعيْن أخرى ترى أنّها تخبِط خبط مذبوح مقبوح يلفظ أنفاسه الأخيرة.

ثانيا: هما أذنان: أذن تسمع أنّات فتقول: أنين أُمّ ثكلى فقَدَت ابنها، أرملة فقَدَت زوجها، وأذن أخرى تسمع ذات الأنّات وتقول: أنين أمّة تعيش مخاض ولادة موسَوية بعد حملة فرعونية توهّمَت أنّها قضَت على كلّ جنين، فإذا بالقدَر الحكيم قد أفلَت من يدها من سيضَع لتألّهها نقطة النهاية بعد أن يعيش في حضن رعايتها قادما مِن يَمّ العناية المولوية قُرّة عين لآسية الكاملة التقيّة، وعائدا إلى الأمّة برسالة ربّانية، وخلافة نبوية.

ثالثا: هما شفتان: شفة سفلى تقول: أوْقَدوا نارا وأطفأوا نورا، وشفة عُليا تردّ: {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} 7 . {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} 8 .

رابعا: هما خيشومان: خيشوم يسار لابْنِ «مُبارك» يشمّ رائحة دخان يخنق من نار تحرق، ورائحة دم أهريق، وجثث منتفخة تحت الرّكام، أو على قارعة الطريق، وقذارة من رجس أنجاس تقتحم المساجد، وتسعى لخرابها، وتدهَم البيوت وتُهدّمُها فوق رؤوس أصحابها، وتسوق إلى الدهاليز المظلمة المنتنة الأحرار الأطهار من صالح وشاهد وصدّيق. وخيشوم يمين لابن رواحة رضي الله عنه إذ يقول:

أَقْسَمْتُ يَا نَفْسُ لَتَنْزِلِنَّهْ***بِطَاعَةٍ مِنْكِ أَوْ لَتُكْرَهِنَّهْ
فَطَالَمَا قَدْ كُنْتِ مُطْمَئِنَّهْ***جَعْفَرُ مَا أَطْيَبَ رِيحَ الْجَنَّةْ

ولــ«ابن المبارك» رحمه الله إذ يقول:

يا عابد الحرمين لو أبصرتنا***لعلمت أنك في العبادة تلعب
من كان يخضب جيده بدموعه***فنحورنا بدمائنا تتخضب
أو كان يتعب خيله في باطل***فخيولنا يوم الكريهة تتعب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا***رهج السنابك والغبار الأطيب

وهو رأس واحد لا رأسان: الله غايتنا، ومخّ واحد لا مُخّان: محمد رسول الله قُدوتنا، ووجه واحد لا وجهان: كتاب الله دستورنا، ، وعنقٌ واحد لا عنقان: الجهاد سبيلنا، ورقبة واحدة لا رقبتان: الموت في سبيل الله أسمى أمانينا.

“عَجَبًا لأمرِ المؤمنِ إِنَّ أمْرَه كُلَّهُ لهُ خَيرٌ وليسَ ذلكَ لأحَدٍ إلا للمُؤْمنِ إِنْ أصَابتهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فكانتْ خَيرًا لهُ وإنْ أصَابتهُ ضَرَّاءُ صَبرَ فكانتْ خَيرًا لهُ” 9 . مولانا الله والكافرون لا مولى لهم. مثوانا الجنة، والنار مثوى لهم، {إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ. فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ} 10 . {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ. وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} 11 . جحيم الخزي والعار والعبودية والصّغار، والاستعمار والاستحمار، والتبعية والاستكبار، وصدى كلّ نعيق ونهيق، وكلّ شيطان واقف على سبل لا تليق، من دعاة جهنّم، وبئس الرّفيق في دنيا الزّوال وأمّ دنيا الضلال، وفي آخرة العقاب وأسوأ مآل. ونعيم أهل العزّة من حماة الشرع والشرعيّة، دعاة الخير طالبي الكمال البُناة الأُساة من نساء ورجال، مَن أعْطَوا في الثبات على الحق والصبر والمصابرة والرباط والتقوى خير مثال في دنيا الجهاد والنّضال، ليُساقوا بإذن الله إلى جنّات ورضوان، وحور وقصور، وغُرَف وحبور، وشفاعة وجوار مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين في هاته الدار وفي تلك الدار، ما لا عين رأَت ولا أذن سمِعَت ولا خطر على قلب بشر: نظرة في وجه ذي الجلال لا حرَمَنا الله وإياكم من الحسنى وزيادة. وذلك أكمل نَوال يشرَئبّ إليه عُنُق المؤذّنين، ويقف عند سدرة منتهاه كلّ سؤال.

وختام كلّ مقال: صلاة وسلام على كل مصطفى نبي، وكلّ مطهّر وليّ، وعلى سيد المصطفين وخير صحب وآل. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات والحمد لله على كلّ حال.


[1] الآية 74 من سورة البقرة\
[2] الآيتان 23 – 24 من سورة الأحزاب\
[3] الآية 23 من سورة الأحزاب\
[4] الآيات 29 – 30 – 31 – 32 من سورة المطففين\
[5] رحم الله يوسف السباعي أن كتب عن أرض النيل روايته المشهورة: «أرض النفاق»\
[6] الآية 20 من سورة الحديد\
[7] الآية 64 من سورة المائدة\
[8] الآية 8 من سورة الصف\
[9] رواه الإمام مسلم\
[10] الآيتان: 38 -39 من سورة هود\
[11] الآيتان: 13 – 14 من سورة الانفطار\