بين يدي الموضوع

من المؤكد أن لما حدث في بلدان الربيع العربي تأثيرا على كثير من العقول، فمنهم المندهش لما رأى ومنهم الذي أحدث مراجعات جمة في أسلوب تفكيره ومنهج عمله، ومنهم من رأى أنها فتنة فتحت على الأمة ومنهم من هو موقن بنصر الله رغم كل التعثرات، وتختلف وجهات النظر. لكن بعد ما انساقت إليه سوريا من حرب دموية وبعد ما رأى الناس من استقرار ليبيا على صفيح ساخن تظهر آثار حرارته بين الفينة والأخرى وبعدما آلت إليه مصر بعد الانقلاب العسكري تغيرت الرؤى من جديد، فأصبح البعض يرى أن لا مستقبل للإسلاميين في الحياة السياسية، والبعض يرى أن الصبر على ظلم حكام الجبر وطغيانهم أهون من الدخول في دوامات لا يعلم لها نهاية، والبعض الآخر يرى أن خلف هذه الأحداث المحنة منحا وخيرا كثيرا سيفتح للأمة. وتتعدد الآراء. وليس المهم هنا استعراض آراء الناس ووجهات نظرهم وأفكارهم، ولكن نود أن نصنف هذه المقالة ونضعها في الإطار الخاص بها.

لقد عاش الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمة الله تعالى عليه وهو على يقين أن الإسلام منتصر لا محالة ولقي الله على هذا، ولقد كان يكتب في هذا الأمر وينظّر للدولة الإسلامية، دولة الخلافة الثانية على منهاج النبوة، في أصعب الظروف التي عاشها الإسلام في الوطن العربي، حيث المد الشيوعي على أشده والبطش والقمع في أوجه، فيكتب الإمام كتاب “الإسلام غدا” بيقين تام أن النصر لهذا الدين لا ريب. ذلك أن الإمام رحمه الله تعالى كان قلبه معلقا بالسماء ويده في الأرض، فلا يتزعزع يقينه في نصر الله مهما كانت الأحداث لكنه لا يغفل الأسباب لأن سنة الله لا تحابي أحدا .

وما أحوج الحركة الإسلامية إلى الربانيين الذين لا تجرفهم أحداث الساحة، فلا يغترون بكثرة ولا يضعفون من قلة ولا يحنون الرؤوس للظلمة ولا يعطون الدّنية في دينهم ولا يطغون على الخلق بل يكونون رحمة على العالمين، دعاة للخير همهم إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله عز وجل ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، همهم إقامة دين الله في الأرض.

إن ما يجب أن يكون واضحا عند الإسلاميين أن إقامة الدولة هو بغرض إقامة الدين وليس العكس، تسخر الوسائل لخدمة الأهداف والغايات، فإن عكست المعادلة لم يعد العمل عملا إسلاميا ولا المشروع مشروعا إسلاميا. الدولة خادمة للدعوة والدعوة رحمة على الناس والرسالة للعالمين، فلا بد من دولة قوية تحتضن الدعوة وتدافع عنها في كل الميادين وتعطي النموذج في العدل وحقوق الإنسان والتنمية وفي كل الأمور التي تبحث عنها الإنسانية ولم تجدها لا في حضارة الغرب ولا في حضارة الشرق. ودون بناء تلك الدولة، دولة الخلافة الثانية على منها النبوة، مراحل تبتدئ بتنظيم رجال الدعوة في كل قطر وتمر بتحرير الأقطار المسلمة وتصل إلى توحيدها فبناء الدولة الخليفيّة.

تقديم

لقد كان لدخول الاستعمار إلى بلاد المسلمين الأثر البالغ، حيث تمكن من إدخال منظومة فكرية جديدة أسهمت النخبة المغربة التي سيطرت على الحكم من بعد رحيل العسكر الأجنبي في تثبيت أركانا وإنزالها على أرض الواقع، وهذا أحدث اختلالات جمة في البيئة الإسلامية أدت إلى انحرافات خطيرة في كافة المستويات.

إن الحديث عن التدهور الذي تعيشه الأمة الإسلامية لا يمكن ربطه فقط بالاستعمار والآثار السلبية التي خلفها وراءه، بل إن أزمة الأمة ضاربة جذورها في التاريخ منذ انقلاب الحكم من خلافة راشدة إلى ملك عاضّ، غير أننا نريد أن نركز الحديث عن المخلفات الفكرية أو منظومة الأفكار التي استقرت في الدويلات الإسلامية وتطورت حتى أصبحت فيما بعد مسلمات يعد أي نقاش فيها جريمة.

إنه لم يكن من الممكن الحديث لما كانت الدولة الإسلامية موحدة عن مسألة فصل الدين عن السياسة وأن الدين شأن خاص يجب أن يكون بعيدا عن المجال العام وأن الدين ظاهرة اجتماعية سلبية نشأت لظروف معينة ويجب عليها أن تختفي باختفاء أسبابها أو ما شابه ذلك مما استوردته النخبة المغربة من مدارس خارج الحدود. وفي سياق الربيع العربي وتحرر بعض الشعوب من طغيان حكامهم يظهر بحدة الكلام حول طبيعة الدولة بعد الثورة، ويحاول البعض أن يجر الأمور إلى ساحة أخرى غير الساحة الطبيعية التي يجب أن تناقش فيها هذه الأمور، فتظهر مصطلحات ومفاهيم من خارج السياق لتفرض على واقع لا يستوعبها أصلا.

إن أي كلام عن ديني/مدني في بلاد المسلمين هو اعتداء على البيئة المسلمة يؤدي إلى تشوهات فكرية وأيضا انحرافات في الممارسة تكون نتائجها سلبية إن لم نقل وخيمة. والذين يريدون أن يفرضوا هذه الثنائية الدخيلة في بلاد المسلمين يمكن تصنيفهم إلى ثلاثة أصناف.

الصنف الأول: هم الذين لا يخفون عداءهم للإسلام بل وولائهم لقوى خارجية أكبر من ولاءهم للدولة الوطنية، وهؤلاء قلة يضيق مجال التفاهم معهم ولن يعمروا طويلا لأن الشعب لن يتقبلهم.

الصنف الثاني: هم النخبة المغربة المتشبعة بأفكار وقيم الحضارة الغربية ولم يتسن لهم الاطلاع على أحكام الإسلام ومناهجه وتاريخه، وهم الأكثرون، وهؤلاء يسهل اللقاء والتعاون معهم على قاعدة مصلحة الشعب حتى يقتنعوا بالطرح الإسلامي وجدواه.

والصنف الأول والثاني هم النخبة، أما الصنف الثالث فهم شريحة تخضع لسيطرة الدعاية والإعلام يزول عنهم الغبش عندما يتحرر الإعلام لينطق بلسان الشعب وتتحرر المساجد لتصير الملجأ الآمن لأبنائه.

وقد نجد عوامل أخرى تنضاف إلى ما ذكرناه. ومما يكرس النظرة السلبية إلى الإسلام والدولة الإسلامية أخطاء بعض الإسلاميين الذين ينصبون أنفسهم في مواقع تجعل منهم مصدرا للخوف، فيقال هؤلاء لا سلطة في يدهم ويفعلون كل هذا فماذا لو أصبحت في أيديهم شؤون الحكم؟

إن أبناء الحركة الإسلامية عليهم مسؤولية عظيمة، فهم الطليعة التي تتقدم موكب الأمة تجلي لها الطريق وتوضح لها معالمه، فلابد لها من منهاج يرتب المراحل وينظم الخطى ويحدد الوجهة إلى إقامة دولة الإسلام التي يشع نورها على الإنسانية بما تقيمه من عدل وبما تنشره من قيم الإسلام الخالدة.

قال الله تعالى: {الذين إن مكّنّاهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر} (الحج:41).

وأملا في الوصول إلى قيام دولة الإسلام الحاضنة لمعاني الخلافة الثانية على منهاج النبوة لا بد من توحيد الأقطار، والأقطار لن تتوحد إلا تحت راية الإسلام، إذن لابد من قيام دويلات إسلامية قطرية تكون لبنات الدولة الإسلامية الخليفيّة.

ونتناول هنا مراحل قيام الدولة الإسلامية القطرية من وجهة نظر خاصة اعتمادا على ما طرحه الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى في مؤلفاته.

مرحلة التحرير

مما لا شك فيه أن السياق العام للدولة الإسلامية انحرف كليا بعد سقوط الدولة العثمانية، فإضافة إلى تجزئها دخلت أفكار غريبة إليها، وتمكنت هذه الأفكار من التحول إلى مرجعيات للممارسة بل وأصبحت شيئا مقدسا لا يجوز مناقشته، وأي نقاش فيه يعد تراجعا وانتكاسة ل”المسيرة الديمقراطية”، والسبب في هذا أن من يحملون هذه الأفكار قد امتلكوا وسائل التنفيذ من خلال احتكارهم للسلطة. لكن مع وجود بون شاسع بين الوعي الشعبي وبين هذه الأفكار فإنه من السهل التخلص منها عندما تتحقق الحرية للشعب، حيث يبدي رأيه من دون مانع. ومع اعتقادنا أن الطليعة التي يجب أن تقود هذا التحرير يجب أن تكون جذورها ممتدة في عمق الوعي الشعبي، حيث تكون تعبيرا عن إرادته، فإننا نرى أن الحركة الإسلامية مؤهلة كثيرا لقيادة التحرير إذا ما حافظت على هذا الموقع، ولذلك فمراحل التحرير تتجه صعدا من بناء عمل إسلامي ثم التغلغل في الشعب وتبني همومه ليتم بعد ذلك النفاذ إلى أجهزة الدولة وتحريرها من الطغمة المستبدة التي تقود الشعب ضدا عن إرادته.

تحرير العمل الإسلامي

من غير اللائق أن يرضى الإسلاميون بواقع الأمة وأن يشاركوا أنظمة الجبر عملهم ليعطوهم شرعية تضلل الشعب وتضيع عليه فرص التحرر، بل يجب عليهم أن يعلنوا مخططهم أمام الملأ ونيتهم في اقتلاع الحكم الفاسد واستبداله بحكم يرضاه الله تعالى ورسوله ويحقق المصلحة للناس، وهذا يقتضي تنظيما قويا متماسكا يمتلك وضوحا في الأهداف والغايات وله القدرة على الاجتهاد لاختيار الوسائل المناسبة لتحقيقها.

يود حكام الجبر لو انكمش الإسلاميون عن تبني مطالب الشعب أو أن يعملوا في سرية مجهولين عند الناس ليتمكنوا من الانقضاض عليهم متى شاءوا ويلفقوا لهم ما شاءوا من التلفيقات ليظهروهم أنهم أعداء الوطن، فيرتبوا لهم ما شاءوا من المحاكمات والأحكام.

ومن الآليات التي يمكن أن يعتمدها الإسلاميون حتى يحرروا عملهم من قبضة الحكام ويثبتوا وجودهم في ساحة المواجهة السياسية ما يلي:

1- التحرر التنظيمي: لا بد للإسلاميين في كل قطر من أن ينتظموا في تنظيم، فبدون التنظيم لا يمكن أن يكون لفعلهم وزن. وهذا التنظيم يجب أن يخرج إلى العلن ويمارس بعيدا عن العنف وأن لا يستقوي بأي جهة خارجية. وقد يكون هذا التنظيم جماعة واحدة أو إطارا جامعا لعدة جماعات توحدها الأهداف والغايات.

2- التحرر الفكري: لا بد من أن يمتلك التنظيم الآليات الفكرية التي تمكنه من صياغة منهاج يضعه داخل سياق بناء الخلافة على منهاج النبوة متحررا بذلك من كل المشوشات الفكرية سواء كانت تاريخية أو واقعية.

3- التحرر التربوي: ونقصد به أن يكون للتنظيم منهاج تربوي يستطيع من خلاله تحصين البعد الروحي عند أفراده، ولا بأس في تعدد المدارس التربوية داخل القطر الواحد إذا كان هذا التعدد لا يؤثر في علاقات التقارب بين الجماعات الإسلامية، فإذا حصل فلا بد من الحوار والاجتهاد الجماعي لإحداث تقارب بينهم حتى ينتظموا في جبهة واحدة تكون لها أهدافا واضحة.

وإذا ما تحرر التنظيم الإسلامي على هذه المستويات فإنه يملك بذلك القدرة على التغلغل في الشعب وتبني همومه والقيام بتعبئته استعدادا للحظة الحسم مع نظام حكم الجبر.

تحرير الشعب

كل شعوب الأمة الإسلامية كانت تقاتل العدو المستعمر وكلها أمل في غذ أفضل، لكن سرعان ما تبددت تلك الأحلام لتكتشف أنها في قبضة دكتاتوريات تقودها إلى غير وجهة، ومع مرور السنين ترسخت عادات ونشأت أجيال وتكونت ذهنيات ليس من السهل تغييرها بين عشية وضحاها، يضاف إلى ذلك كون هذه الشعوب قد قدمت تضحيات في مقاومة هذه الأنظمة لكنها خذلت ليجني ثمرة تضحياتها أحزاب وجدوا دفء في أحضان السلطة.

إن الشرط لكي يتمكن الإسلاميون من بسط المشروع الإسلامي وتحقيق أهدافه هو مدى صمود الشعب معهم، ولن يصمد الشعب إلا إذا اقتنع بجدوى المشروع الإسلامي، ولن يقتنع إلا إذا لمس في الإسلاميين الصدق، ولن يتأتى هذا إلا إذا وقفوا معه في كل المحن التي تعترضه وأن لا يرضوا بأي مساومات إذا غيبت مصلحته مهما بدت في ظاهرها أنها مفيدة للعمل الإسلامي .

وهذا الاصطفاف مع الشعب لا يعني تربيته على العادة المطلبية، فهذا منزلق خطير قد يجني على سنوات من البناء. فعلى الإسلاميين أن لا يراهنوا على تكثير العدد دون تمحيص الأفراد، وأيضا لا يبنوا قراراتهم خصوصا تلك التي تصب في صراعهم مع أنظمة الجبر انطلاقا من شعبية قد تكون زائفة لا يعول عليها حين اللحظات الحاسمة. الإسلاميون ليسوا في سوق انتخابية يتنافسون على كسب أصوات الناخبين فيضطرون إلى إرضائهم بكافة الوسائل المشروعة وغير المشروعة كما تفعل غالبية الأحزاب، بل هم في معركة بناء أمة ينبغي فيها الوضوح الكامل مع الناس لكي يقتنعوا بضرورة البذل وقسمة التضحيات من أجل قضية هي قضية المسلمين جميعا، لكن قد لا يكون الحافز جهاديا إيمانيا استجابة للنداء الرباني عند الكل، ومع ذلك لا بد من أن يتسع مجال العمل الإسلامي حتى يصبح جبهة تضم كل الصادقين في خدمة قضايا الشعب لتحريره من الاستبداد المحلي والاستكبار العالمي.

تحرير الدولة

القومة على حكام الجبر من آكد الواجبات على كل مسلم، بهذا يقتنع من يرد على التنظيم الإسلامي ويقتنع كل الناس مهما كانت دوافعهم لذلك، وإزالة حكم الجبر يعني استبداله بحكم عادل، لذلك وجب على الإسلاميين أن يكونوا أطرا قادرين على تسيير شؤون الدولة بعد التحرير، والتحرير لا يعني هدم الدولة ثم إعادة بناءها من جديد فهذا مما يؤخر ولا يقدم وقد يكون الرصاصة التي تطلق في صدر الإسلاميين فلن يستطيعوا مواجهة التحديات بدولة مخربة، ولذلك لابد خلال عملية الزحف للاستيلاء على الحكم أن يحافظ الشعب على الممتلكات العامة وعلى أجهزة الدولة وهياكلها، ويتم استبدال العامل البشري الفاسد بآخر صالح. لكن قد يود حكام الجبر أن ينهجوا سياسة الأرض المحروقة فيدمروا كل شيء ليضعوا الشعب بين خيارين إما أن يكونوا أو لا يكون شيء، وهنا لابد أن تبلغ درجة الحكمة أقصاها عند المحررين حتى يفوّتوا الفرصة على أولئك، وتبقى الظرفية هي الحاكمة في الاجتهاد لاختيار الوسائل المناسبة لتفادي الخسائر.