أرى منذ الصغر، ومازلت أرى، في بلدتي، وفي كل بلدة أزورها، أرى الحمام الطائر في المدينة يستوطن البناءات الشاهقة، ولكنه لا يستوطن كل بناء شاهق، وإنما يختار منها. والعجب أنه لا يختار إلا بناء المحكمة، فما قصة الحمام مع المحكمة؟

وإني لا أرى المحكمة في أصل بنائها إلا كنهر للحياة، يدخلها المظلوم وقد ضاقت الدنيا به، وأشرفت نفسه على الهلاك، فإذا هو وطئ بقدميه فناء المحكمة، فكأنما غطس في هذا النهر، وإذا بالحياة تستتب بين جوانبه من جديد. أو إني أراها روضة من رياض الجنان، يدخلها كل بائس أو شريد قد أنهكهما الظلم وأواره، وأشقتهما الشدة ورمضاؤها، فإذا هما يجدان في بساتينها الظلال الوارفة، والماء السلسبيل، ويجدان عند أسياجها الأمن والسلامة من كل وحش ضار.

وهذا الحمام الطائر، ما من قوم إلا وهو عندهم رمز سلم وسلام، وإنهم لا يزالون يكنون به عن الصفاء والود واللطف، وذلك بخلاف الطيور الأخرى، فهذه القبرة رمز الغريم اللئيم، وهذا الطاووس رمز المغرور المتكبر، والدجاجة للجبان، والحجلة للخواف…وهكذا.

إذا فلا غرابة أن تجعل هذه الحمامات -رمز السلم و السلام- والتي أراها الآن ترفرف في السماء، من بناء المحكمة مسكنا لها، وذلك ما دامت المحكمة نهرا فيه الحياة، وما دامت أيضا روضة فيها الماء والطعام. ولكن، أصحيح هذا الذي قلناه؟ أليس من الواجب ألا نستعجل حتى نلج محكمة، وننظر ما بداخلها وما يجري في ساحتها، وبعد ذلك نقرر ما نراه صوابا؟

وأي محكمة نلج؟ أنلج هذه أم تلك؟ وهل توافقونني إذا اخترت إحداها وجعلتها فأر الاختبار، ومادة التقرير؟ أم إن منكم من إذا اجتهدت وبذلت الجهد، حتى إذا أصدرت الحكم وكتبت التقرير، قال: أوليس ما قررت وأصدرت إنما هو خاص بهذه المحكمة، وليس بقاعدة عامة؟ من أجل ذلك اختاروا أنتم المحكمة التي نجري عليها تجربتنا، أو أقول لكم ما هو أحسن من ذلك: ليختر كل واحد منكم محكمة، وليجر التجربة بنفسه، وبعدها إما أن يوافقنا التقرير أو لا يوافق.

وأنت إذا قصدت محكمة أي محكمة، فإن أول ما يلفت انتباهك هؤلاء الناس الذين ملأوا مدخل المحكمة وفناءها، فهذه مثلا، أم قد استلقت تحت شجرة وابنها بين يديها يناغيها وهي شاردة عنه في ملكوت آخر. وهذا رجل شارد، يجلس على عتبة والشمس فوق رأسه، وقد وضع عليه ملفا من الأوراق يخفف بها من شدة الأوار، ولست أدري لم آثر الشمس على الجلوس تحت الشجرة؟ أيريد أن يأخذ حماما شمسيا، أم إنه لأمر ما صدع رأسه؟ ومن تلك الحسناء بجانب ذاك العجوز؟ أيكون حليلها؟ ومن ينام بجانبها، فكأنه ديك وهي حمامة، وهل بين الديك والحمامة ما شرع الله؟ أم إنه أبوها، وقد جاء بها المسكين إلى المحكمة، لتقدم بنفسها شكاتها، تشكو فيها وحشا يسرق من سعادتها، وما من سبب في ذلك، إلا لأنه يسميها زوجة له… وتأملت هؤلاء الثلاثة وغيرهم، وكيف أنهم كالفراشات تجتمع حول نور الشمعة، والنار تأكل من أجنحتها، إلا أن اجتماع هؤلاء، إنما هو حول نور العدل والإنصاف، والمحكمة هي شمعتها، ألم نذكر النهر والماء والظلال؟

ولكن، مالنا وقد أطلنا الوقوف أمام هؤلاء المتناثرين حول بناء المحكمة، وسوغنا لأنفسنا أن نقتحم عليهم دخائل أنفسهم، وأن نكشف عن سرائرهم، ثم أن نعريهم أكثر مما هم عراة، والناس إن ستروا عوراتهم باللباس، وكان فيهم الكاسي والعاري، فإن للناس عورة أخرى، وإن لها لباسها، ألا وهي عورة الأنفس والأفئدة، ألا وإن سترتها الرضا والقناعة والاستعفاف، وإن عراة الأنفس إنما هم هؤلاء البؤساء الذين لبسوا أحوالهم، حتى إنك إذا نظرت إلى أحدهم، أخبرك منظره عن حاله. وليس غلوا إن قلنا عنهم: هؤلاء مظهرهم ومخبرهم سواء، وإن كان للناس مظهر ومخبر، فلهؤلاء مظهر ومظهر، أو مخبر ومخبر، حتى هذه العملات النقدية هي أحسن حالا منهم، أوليس للعملة وجهان؟ فما قيمة هؤلاء البؤساء بين العملات؟ بل ما قيمتهم بين إخوانهم البشر؟ فيا رحمة الله لهم.

لنترك هؤلاء المساكين وأحوالهم، ولنتابع مسيرتنا، أوليست بغيتنا ساحة المحكمة وما يقع عليها؟ فلندخل إذا. ودخلت محكمتي – وهذه أول مرة أدخل فيها محكمة – وإذا بالبرودة تلذع جلدي، حتى توهمت أني دخلت ثلاجة وليست محكمة. وتلفت أنظر عن يمين وشمال، فلم أجد إلا هذه الجدران المرخمة، وتلك الكراسي المصطفة، وقلت: ربما كان مصدر البرودة ذاك الرخام.

وجلست أنتظر المحاكمة مستقبلا كراسي السادة القضاة، ورأيتها عالية والجالسون أسفلها، وذكرت ما كان يقوله لنا أساتذتنا عن فضل العلم، وكيف أنه يرفع صاحبه أعلى الدرجات. فلاشك إذا أن السادة القضاة علماء من أهل الذكر، أوليسوا يحكمون نيابة عن الله؟ وأخذت أرسم في خيالي صورا لهم، وذلك مما وجدته عالقا في فؤادي أيام كان أساتذتنا رحمهم الله تعالى يحدثوننا عن شريح وإياس، وعن جميع وابن عبد السلام، أولئك النجوم اللآلئ في سماء العدل، وتلك الفوارس السوابق في مضامير العدالة والإنصاف. فما أسعدني أن أرى اليوم رجالا سوف تذكرني رأيتهم تلك النجوم اللآلئ والفوارس السوابق.

وإني مازلت على هذه الحال أحدث نفسي حديث الماضي والذكريات، إذ دخل علينا رجل يصيح باسم المحكمة، ثم دخل على إثره بعض الرجال وهم يلبسون زيا واحدا، ولولا أنهم لم يجلسوا على كراسي القضاة، لظننت أنهم جند يقفون بين يدي أوامر المحكمة، وهمست إلى أحد الجالسين جواري: من هؤلاء الجند؟ قال: ليسوا بجند، وإنما هم السادة القضاة.

وأخذتني دوخة، وقمت وقعدت، ونظرت عن يمين وشمال. أهؤلاء هم الذين أطمع أن أرى من خلالهم شريحا وابن عبدالسلام؟ أيكون قاضيا من حلق لحيته وأعفى شاربه؟ أليس العكس هو الصواب؟ أويكون قاضيا من حسر عمامته عن رأسه؟

ولكن، مالي أحكم على القوم من مظاهرهم، أوليس القضاء يكون بالعلم والحكمة، لا بالعمامة واللحية؟

ويصدمني ما أسمع، وتصدق فراستي، وتصح نظريتي، ويكون ما افترضت صوابا، وذلك حين سمعت السادة القضاة يتكلمون، فإذا احتاجوا دليلا سمعتهم يذكرون المادة والفصل، وكان الأولى أن أسمع الآية والحديث. فيا رحمة الله على إرثك يا شريح.

ومن هذا الذي قد وقف من بين الجلوس يلاحي السادة القضاة؟ أوما يعرف آداب المجالس والمحاكم؟ وقال من كان بجانبي: ويحك، إنه المحامي. قلت: ومن يكون حضرته؟ قال: أو ما تعرف المحامي والمحاماة، فهذا الذي يحامي عن المظلومين، ويقف سدا منيعا أمام الظالمين. فقلت: لعل هذا يخفف عني من وقعة الصدمة التي أصابتني، فلأصغ إليه، ولأدعون الله أن ينصره، وأن يسدد رميه، وأن يجعل كلامه منارة للحق، يهتدي بها السادة للوصول إلى الحكم الصواب.

ووقف مولانا ليصدع بكلمة الحق التي لا تترك صاحبا، لا يخاف إلا أن يجانب الحق والصواب، وأصغيت فلم أسمع لا صدعا ولا حقا، وإنما هي كلمات عيية كأني به يحفظها، فما زال يكررها على السادة القضاة، في كل محكمة وفي كل حين، كما تكرر الببغاء على سيدها بعض الكلمات التي حفّظها إياها. وقلت: وا ضيعة الصدع بالحق، فوا الله إن الذي يصدع به ما هذه حاله وما تلك نبرة صوته، وإنما الصادع بالحق، إذا وقف احمرت عيناه، ورفع صوته، واشتد غضبه، وتكلم من سليقته كلام القلب والحال، لا كلام الإنشاء والمقال، فكأنه نبي يوحى إليه الساعة، أو ملهم يقرأ من اللوح مباشرة.

ها أنا ذا قد ذكرت لكم – أيها السادة- القصة بحذافيرها، وما تصرفت في أحداثها، وما نقحت وما حذفت منها شيئا وإن كان حقيرا، أمانة مني في نقل ما رأيت، وليست الأمانة تكون دائما في الأمور العظيمة دون الصغيرة، وإنما هي كالروح تسري في كل جسم، صغيرا كان أو عظيما، أليس للبعوضة روح كما للفيل روح؟ فكذلك الصدق والأمانة. ولذلك فإن من علامات الأمين أنه الذي يتحرى الأمانة في أتفه الأشياء قبل عظيمها، بحيث لو أن أحدهم استأمنه على نواة تمرة، ما ترك أمانته.

فهل وجدتم ما ذكرت لكم في بداية حديثنا من شأن المحكمة وأصل بنائها، وأنها وأنها؟ هل صدق آخر القصة أوائلها؟ فلأترك لكم يا سادتي الحكم والتقرير، ولتُعفوا صاحبكم من تلكم المهمة العظمى، فما زالت مرتبته دون تلك المرتبة، وأنا مازلت لم أشف بعد من مرض الخوف على الرزق والنفس، وأخشى أن يقدر الله لي في المستقبل فاضلا من الناس، فأطلب مودته وصحبته، فيكون ممن ذكرهم هذا المقال، فإذا هو اطلع عليه، رآني متحاملا على السادة القضاة، وموالينا المحامين، ويتهمني بذنب التعميم، وإذا هو يزهد في صحبتي ومخاللتي، فأخسر بذلك فذا من الناس فاضلا، وهم اليوم قلة، كما هو الزئبق والتبر الخالص.

على أن هذا لا يثني صاحبكم من أن يحرر تقريره عما رأى، ولكنه تقرير أدبي، فتلك صنعته، وذاك مبلغ ما يطيقه حتى يبرأ من دائه، وإنها لصنعة تسوغ الخطأ فتجعل منه الصواب، نسأل الله أن يجنبنا وإياكم الوقوع في الخطإ.

ولكن، هل ما كتبت إلا تقريرا أدبيا؟ وهل ما ذكرت آنفا إلا حكما وقضاء؟

فيا أيها الحمام لست هناك، أفأفقدك الزمن حسن ذوقك، وظرافة انتقائك الأشياء؟ فلكهف مظلم في تلك الجدد السود هناك، خير لك مما أنت تمشي فوقه، وتطرح عليه ما فضل من حويصلتك. أم إنك أيها الحمام لست حماما، وإنما أنت نسور تحوم فوق المحكمة لتتلقط جثث الضحايا المساكين؟ وإن ضحاياها لهي هذه الأنفس المكلومة، وتلك الأرواح الجريحة التي تقطر جراحها كرامة وعزة وإنسانية.