مقدمـــة

الأمة فيها خير، نعم، وباق فيها الخير، نعم، فهو لا ينقطع إلى يوم القيامة. نسب الأمة بالإسلام ما زال حبلا موصولا لم ينقطع بحمد الله، رغم الفتن والدخن، ورغم داء الأمم والوهن، ورغم صدمة الاستعمار والمحن. لكن نتساءل هل الأمة بخير وعلى خير؟ أحسب أن كل مؤمن غيور وكل منصف عاقل بصير سيجيب أن الأمة وإن كان فيها خير كثير لكنها ليست بخير وعلى خير، إنها تعيش واقعا فيه من المصائب والتحديات أقل ما يمكن أن يقال عنه أنه واقع صعب ومرير، واقع تُرثى له. ذلك أننا إذا أردنا أن نطلق عليه وصفا مناسبا فلا نجد وصفا أنسب وأبلغ من الوصف الذي أطلقه عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه واقع فتنة.

فهو ليس بواقع جاهلي، تلك الجاهلية التي كانت زمن ما قبل الإسلام. وليس بواقع إسلامي، ذلك الإسلام الذي كان في ذروته زمن النبوة والخلافة الراشدة، وإنما هو واقع فتنوي.

وتأصيل الفتنة مفيد جدا لفقه سنة الله في تاريخ المسلمين ماضيه وحاضره ومستقبله. ينبغي أن نميز مفهوم “فتنة” عن مفهوم “جاهلية” ليتجلى أمامنا الفرق بين مجتمع قاعدته الكفر والجحود لم يعرف تعاليم الرسالات الإلهية. وبين مجتمع مسلم لا يزال في عمومه متمسكا بالدين وإن كرّت عليه الجاهلية وغزته وحرفت من مساره. على هذا التمييز بين المفهومين يترتب نوع تعاملنا مع المجتمع 1 .

فما مفهوم الفتنة؟ وما آثارها على الفرد والأمة؟ وما أسبابها؟ وما المخرج منها؟

مفهوم الفتنــة

جاء في لسان العرب عن الأَزهري وغيره: جِماعُ معنى الفتنة الابتلاء والامْتِحان والاختبار، وأَصلها مأْخوذ من قولك فتَنْتُ الفضة والذهب إِذا أَذبتهما بالنار لتميّز الرديء من الجيِّدِ. وفي الصحاح: إِذا أَدخلته النار لتنظر ما جَوْدَتُه… قال ابن الأَعرابي: الفتنة الاختبار، الفتنة المِحْنة، والفتنة المال، والفتنة الأَوْلادُ، والفتنة الكُفْرُ، والفتنة اختلافُ الناس بالآراء، والفتنة الإِحراق بالنار؛ وقيل: الفتنة في التأْويل الظُّلْم.

يقال: فلان مَفْتُونٌ بطلب الدنيا قد غَلا في طلبها.

وبنفس المعنى جاءت في مقاييس اللغة أيضا: الفاء والتاء والنون أصلٌ صحيح يدلُّ على ابتلاء واختبار. من ذلك الفتنة، يقال: فتَنْتُ أفتِنُ فَتْناً. وفَتَنْتُ الذّهبَ بالنّار، إذا امتحنتَه.

قال الراغب الأصفهاني: الفتنة من الأفعال التي تكون من الله تعالى ومن العبد كالبلية والمصيبة والقتل والعذاب وغير ذلك من الأفعال المكروهة. ومتى كان من الله إنما يكون على وجه الحكمة، ومتى كان من الإنسان بغير أمر الله يكون بضد ذلك). فمن أمر الله كقوله تعالى: {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم} 2 . وأما من الإنسان بغير أمر الله كقوله تعالى: {إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق} 3 .

أما الفتنة بالمفهوم القرآني فقد وردت على إحدى عشر وجها، منها:

– بمعنى العذاب، في قوله تعالى: {ذوقوا فتنتكم} 4 . أي: عذابكم.

– بمعنى الإثم، في قوله تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} 5 .

– بمعنى الجنون والغفلة، في قوله تعالى: {فستبصر ويبصرون بأييكم المفتون} 6 .

– بمعنى الصد عن سبيل الله، في قوله تعالى: {واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك} 7 .

– بمعنى القتل والهلاك، في قوله تعالى: {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} 8 .

وهي في آيات أخرى بمعاني الشرك والكفر والإحراق والتعذيب والحيرة والضلال والعذر والبلاء والمحنة 9 .

وأما بالمفهوم النبوي فهي بمعنى العنف والاضطراب والفوضى والقتل والهرج. فعن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن بين يدي الساعة فتنا كقطع الليل المظلم” 10 . وعن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: “بادِروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم” 11 .

وممن حاول الحديث عن معنى الفتنة بشكل واضح وجلي، رجل صحابي كان خبيرا بالفتن، رجل عاش الجاهلية وعاش الإسلام، وعاش الفتنة. إنه سيدنا حذيفة بن اليمان رضي الله عنه. فقد روى ابن أبي شيبة أن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال لسائل سأله عن الفتنة: لا تضرك الفتنة ما عرفت دينك. إنما الفتنة إذا اشتبه عليك الحق والباطل).

فما هو الدين الذي إذا عرفه المسلم نجا به من ضرر الفتنة؟

إنه الدين، كما جاء في حديث جبريل عليه السلام؛ هو إسلام وإيمان وإحسان. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه و سلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد سواد الشعر شديد بياض الثياب لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفّيه على فخذيه، وقال: يا محمّد أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الإسلام أن تشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا”. قال صدقت. فعجبنا له يسأله ويصدقه! قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: “أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره و شرّه”. قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: “أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”. قال : فأخبرني عن الساعة. قال: “ما المسؤول عنها بأعلم من السائل”. قال: فأخبرني عن أماراتها. قال: “أن تلد الأمة ربّتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان”. ثم انطلق فلبثت مليا، ثم قال: “يا عمر أتدري من السائل؟” قلت الله ورسوله أعلم. قال: “إنه جبريل أتاكم يعلّمكم دينكم” 12 .

طالع أيضا  واقع الفتنة والمخرج منه (2/2)

فاشتغال المسلم بالترقي في درجات الدين، واجتهاده في طلب مقاماته، هو من ينأى به عن أضرار الفتنة، وينجيه من آثارها.

وعن أبي إدريس الخولاني أنه سمع حذيفة رضي الله عنه قال: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله! إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: “نعم!” قلت: فهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: “نعم، وفيه دخَنٌ”. قلت: وما دخنه؟ قال: “قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر”. قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: “نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها”. فقلت: يا رسول الله! صفهم لنا! قال: “هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا”. قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: “تلزم جماعة المسلمين وإمامهم”. قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: “فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك” 13 .

ومما قيل عن الفتنة أيضا ما رواه مسلم في صحيحه عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ستكون أمراء ستعرفون وتنكرون فمن عرف فقد برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع”. قالوا: يا رسول الله أفلا نقاتلهم؟ قال: “لا ما صلوا”. قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: “قوله من عرف فقد برئ” معناه: من عرف المنكر ولم يشتبه عليه فقد صارت له طريق إلى البراءة من إثمه وعقوبته بأن يغيره بيديه أو بلسانه فإن عجز فلينكره بقلبه) ثم قال: وقوله “ولكن من رضي وتابع”، أي ولكن العقوبة والإثم على من رضي وتابع). إن من المؤسف حقاً أن نشاهد بعض المسلمين يسير في المنكر لأن الكبراء ساروا به، أو قالوا به، وهذه والله انتكاسة خطيرة، وأن تكون معرفة المنكر من عدمه ليس ميزانها كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإنما لأن الكبراء قالوا بها، ألا ما أعظمها من فتنة تعرض على القلوب ومن فتنة تكون في المجتمع”.

آثار الفتنة على الأمة

هذه الفتنة ماذا فعلت بأمة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأفرادها وبجماعاتها؟ لقد أصابتها بأمراض خطيرة، لم تصب من أفراد الأمة الأجساد فقط بالقتل والجروح، إنما أصابت القلوب بجفاف الإيمان ومرض النفاق. روى الطبراني من حديث الضحاك بن قيس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إن بين يدي الساعة فتنا كقطع الليل المظلم، فتنا كقطع الدخان، يموت فيها قلبُ الرجل كما يموت بدنه”. يعني يكثر النفاق والعياذ بالله. ومن هذه الأمراض وعلى رأسها:

1- مرض الغثائية

الفتنة جعلت من الأمة أمة غثاء، لا وزن لها بين الأمم، ولا قيمة لها بين الدول، ولا قرار لها في المجتمع الدولي، أمة تفتقد أبسط شروط الوجود الوازن والكيان القوي على الخريطة السياسية، من حيث الوحدة والجيش والاقتصاد والحكم والقرار، أمة لم تقدر على النهوض بحالها، فكيف يرجى أن تنهض بحال غيرها؟ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها”، فقال قائل: من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: “بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل. ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن”. قيل: وما الوهْن يا رسول الله؟ قال: “حب الدنيا وكراهية الموت” 14 .

طالع أيضا  واقع الفتنة والمخرج منه (2/2)

2- داء الأمــــم

إن كان مرض الغثائية جعل من الأمة كيانا رخوًا، وقشًا خفيفًا رغم الأعداد الهائلة من المسلمين البالغة أكثر من مليار ونصف، فإن داء الأمم فرقها دويلات وأقطارا، وفرقا ومذاهب، يقتل بعضهم بعضا، وتنتهك الحرمات، ويفشو الظلم والاستبداد، وتداس الكرامة الإنسانية في أبشع صورها. روى الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “سيصيب أمتي داء الأمم”، فقالوا: يا رسول الله وما داء الأمم؟ قال: “الأشر والبطر، والتكاثر والتناجش في الدنيا، والتباغض والتحاسد حتى يكون البغي” 15 .

الأشر والبطر بمعنى واحد. قال الأصفهاني رحمه الله: “البطر دهش يعتري الإنسان من سوء احتمال النعمة وقلة القيام بحقها وصرفها إلى غير وجهها”. )والتناجش: المزايدة في الدنيا والتنازع عليها. والبغي: الظلم.)

وإذا ظهر الظلم ولم يقم أهل الحق لمحاربته عمت العقوبة الجميع، يقول الله عز وجل: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة، واعلموا أن الله شديد العقاب} 16 .

3- الردة والارتداد

وهو مرض أخطر من سابقيه، لأنه يصيب الأمة في إيمانها، يقول الله عز وجل محذرا المؤمنين من السقوط في هذا المرض الخطير: {يا أيها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله، ولا يخافون في الله لومة لائم…} 17 .

وافتتح الإمام البخاري “كتاب الفتن” من صحيحه، بحديث وهو من أهم ما يمكن أن نفهم به المعنى الحقيقي للفتنة وآثارها، جاء فيه عن ابن أبي مُليكة قال: قالت أسماء، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “أنا على حوضي أنتظر من يردُ علي، فيُؤخذ بناس من دوني، فأقول: أمتي، فيقول: لا تدري، مشوا على القهقرى”. قال ابن أبي مُليكة: اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا، أو أن نُفتن).

مشوا على القهقرى بمعنى رجعوا إلى الوراء. ماذا في الأمام؟ وماذا في الوراء؟ في الأمام الإسلام، وفي الوراء الجاهلية. فالذين رجعوا إلى الوراء كلية إنما ارتدوا على أعقابهم كافرين خاسرين، والذين رجعوا إلى الوراء جزئيا إنما افتُتنوا في دينهم. ومن الرجوع إلى الجاهلية والوقوع في الفتنة التي كان ابن أبي مُليكة يتعوذ بالله عز وجل منها.

جاء في مقاييس اللغة، الراء والدال أصل واحد… وهو رجْعُ الشيء. تقول: رددت الشيء أرده ردا.

وسُمي المرتد لأنه رد نفسه إلى كفره.

وفي لسان العرب: الردة بالكسر: مصدر، قولك: رده يرُده ردا ورِدة. والردة الاسم من الارتداد. وفي حديث القيامة والحوض فيقال: إنهم لا يزالوا مرتدين على أعقابهم أي متخلفين عن بعض الواجبات، قال: ولم يرد ردة الكفر، ولهذا قيده بأعقابهم، لأنه لم يرتد أحد من الصحابة بعده، إنما ارتد قوم من جفاة الأعراب.

والقهقرى كما في لسان العرب: مصدر قهقر، إذا رجع على عقبيْه… وقد جاء في حديث رواه عكرمة عن ابن عباس عن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إني أمسك بحُجزكم هلُم عن النار وتقاحمون فيها تقاحُم الفراش، وترِدُون علي الحوض ويُذهب بكم ذات الشمال، فأقول: يا رب أمتي”، فيقال: إنهم كانوا يمشون بعدك القهْقرى، قال الأزهري: معناه: الارتداد عما كانوا عليه).

من كل ما سبق نستخلص أن مرض الردة هي الرجوع من الإسلام إلى الكفر، إلى الجاهلية. وللردة في الشريعة أحكام تتنوع حسب المذاهب والعلماء، هل يقتل حالا أم يُستتاب، ثم إذا لم يتُب يقتل، أم يستتاب أبدا ويُمهل ويُؤتلف ويرجى له أن يتوب. بينما مرض الارتداد هي الرجوع من الإيمان إلى إسلام الأعرابي، إلى المعاصي والذنوب، إسلام الطاعم الكاسي، الذي لا يحدث نفسه بنصرة قضايا الأمة، والدفاع عن مقدسات الدين.

ولا شك أنه كان من وراء هذه الردة والارتداد عاملان أساسيان هما:

أولهما: الشيطان، يقول الله عز وجل: {إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى، الشيطان سول لهم وأملى لهم، ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر، والله يعلم أسرارهم} 18 .

والشيطان إنما يسول للناس ويملي لهم ليخرجهم من الإسلام إلى الكفر، ومن الإيمان إلى المعاصي، عن طريق أعوانه من الناس وما أكثرهم.

طالع أيضا  واقع الفتنة والمخرج منه (2/2)

وثانيهما: أهل الكتاب من اليهود والنصارى، يقول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين} 19 .

كيف ذلك؟ بجميع الوسائل، إن لم يقدروا على إخراجكم من الإيمان إلى الكفر عن طواعية ورضا، أخرجوكم بالقتال والحرب. يقول الله عز وجل: {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} 20 .

4- افتراق القرآن والسلطان

ومن آثار الفتنة على الأمة كذلك ما أصاب الرأس من حكم بغير ما أنزل الله حيث افترق القرآن عن السلطان ليحل محله العض والجبر والاستبداد؛ فقد روى أبو نعيم في دلائل النبوة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ألا إن رحا الإسلام دائرة فدوروا مع الإسلام حيث دار، ألا إن كتاب الله والسلطان سيختلفان فلا تفارقوا الكتاب. ألا إنه سيكون عليكم أمراء يرضون لأنفسهم ما لا يرضون لكم، إن أطعتموهم أضلوكم، وإن عصيتموهم قتلوكم”. قالوا: وما نفعل يا رسول الله؟ قال: “كما فعل أصحاب موسى حملوا على الخشب، ونشروا بالمناشير. فوالذي نفس محمد بيده، لموت في طاعة الله خير من حياة في معصيته”.

5- انتقاض عرى الإسلام

ومن آثار الفتنة العظيمة خطرا ومصيبة انتقاض عرى الإسلام وانخرامها الواحدة تلو الأخرى ابتداء من انتقاض عروة الحكم الإسلامي الرشيد مرورا بانتقاض عرى العدل والشورى والإحسان وانتهاء بانتقاض عروة الصلاة. فعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ليُنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، أولهن نقضا الحكم وآخرهن الصلاة” 21 .

ولنزداد تدقيقا نسمع شهادة صحابي هو سفينة، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث إسناده حسن رواه أبو داود والترمذي وصححه ابن حبان. في رواية الترمذي: عن سعيد عن سفينة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك”. قال سعيد بن جهمان ثم قال: (أي سفينة): أمسك (أي احسب في أصابعك): خلافة أبي بكر، خلافة عمر، وخلافة عثمان ثم قال أمسك خلافة علي. فوجدناها ثلاثين سنة. قال سعيد فقلت له إن بني أمية يزعمون أن الخلافة فيهم قال كذبوا بنو الزرقاء! بل هم ملوك، شر الملوك.!

نعم انتقضت، بل نقضت عروة الحكم بعد ثلاثين سنة من وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء من يقول من على منبره، من مسجده، للناس يومئذ ولكل من يسمع فيعي من العقلاء أن ما وعد الله ورسوله حق، وأن الخلافة الأولى أقبرها السيف، وأن الحاكم العاض يحكم بهواه، وعصبيته، وجبروته، لا بالقرآن، ولا بشورى أهل القرآن، ولا بعدل القرآن، ولا بإحسان أمر به القرآن، ولا برعاية لتقوى الله. ضرب الأعناق! ودواء الأمة السيف!

وسالت الدماء بانتقاض العروة العليا، وتشبث الناس بالعرى الأخرى في حدود ما سمح به حامل السيف. إن كان بقي للأمة كيان قوي، واستمرار تاريخي، وشوكة قوية، وفتوح واسعة، وعلوم ومجد، وحضارة وابتكار، وصلاح وتقوى، فالفضل لله عز وجل بأن حفظ للأمة وجودها وتماسكها بهذا التشبث الذي أخبر به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: “فكلما انتقضت عروة تمسك الناس بالتي تليها”.

إن من معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم إخباره بالغيب، ومن كرامة الله جل وعلا لهذه الأمة أن بقيت صامدة مواجهة تارة مصانعة أخرى 22 ، فهل أوصى نبي الله صلى الله عليه وسلم أمته بشيء تتشبث به يكون أرجى أن لا تهلك معه جراء الانفصامات المتتالية؟


[1] انظر سنة الله، عبد السلام ياسين رحمه الله ، ص:33.\
[2] النساء:6\
[3] البروج: 10\
[4] الذاريات:14\
[5] النور:63\
[6] القلم:5-6\
[7] المائدة:49\
[8] النساء:101\
[9] انظر السنن الإلهية في الأمم والأفراد، مجدي محمد محمد عاشور.\
[10] رواه أبو داود والترمذي بسند صحيح.\
[11] رواه مسلم والترمذي.\
[12] رواه مسلم.\
[13] أخرجه الشيخان وغيرهما.\
[14] أخرجه أبو داود وأحمد بسند قوي من حديث ثوبان رضي الله عنه.\
[15] أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي.\
[16] الأنفال:25\
[17] المائدة:56\
[18] محمد:25-26\
[19] آل عمران:100\
[20] البقرة:217\
[21] رواه الامام احمد بسند حسن.\
[22] الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، نظرات في الفقه والتاريخ.\