لا يختلف اثنان حول الدور الهام الذي بات يلعبه التعليم في حياة الأمم، إذ هو السراج الذي تستنير به الإرادات التغييرية، وبواسطته يصبح الصراط قويما ولاحبا؛ لذا فالتغيير منوط بمدى اعتناء المجتمعات بهذه البوابة، وبمدى جعله أولى الأولويات، ناهيك عن طبيعة الإرادة السياسية التي تؤطره، من حيث الغايات التي يرنوها والوسائل التي يتوسل بها.

في هذا السياق يعتبر المغرب ضمن البلدان التي عرفت خطابات تربوية متعددة، تتراوح ما بين الكلاسيكي والحديث، والمؤثلة على أسس تربوية ونظرية محكمة، تسعى جميعها إلى المساهمة في رقي المدرسة المغربية، وبعث دم الحياة في شرايينها، بيد أنها تختلف من حيث الفلسفة التطبيقية التي تدعو إليها والمرجعية النظرية التي انبثقت منها، إلى جانب المرامي التي تروم تحقيقها.

إذا كان التعليم بالمغرب منذ زمن ليس ببعيد، يغلب عليه الطابع الكلاسيكي من خلال الطرق التي تنتهجها هيأة التعليم، بقصد شحن المتعلم بالمعارف وتلقينه أقصى ما يمكن من المعلومات، بشكل غير هادف أو محكم، والتي تتم أساسا ضمن ما يسمى في حقل التربية ببداغوجية التعليم الموسوعي، التي تعلي من شأن المعلم على حساب المتعلم، عاملة بمقولة الشيخ والمريدين، الأول يخطب ويلقي أحاديثه، والآخرون ينصتون ويستقبلون، فتكون “القدسية” بذلك سمة يوسم بها ذاك الموقف ما دامت الأفكار لا تناقش والسكون يتسيد على الفضاء، وكأن على رؤوسهم الطير، ولا مجال لصقل ذكاءات المتعلمين وإعطاءهم فرصة للتعبير عن ما يخالج صدورهم من قدرات معرفية وتواصلية، الأمر الذي ينتج عنه نوع من الانغلاق والتفكير الأحادي إزاء القضايا المثارة، ناهيك عن سيادة ثقافة الحفظ على العملية التعلمية.

إن هذا النهج الذي يقتفيه رواد المدرسة التقليدية، كان محط نقاش وجدل فكري تربوي، بين العديد من المهتمين بالشؤون التربوية، والذي تمخض عنه في الأخير إعادة النظر في الفلسفة التي تقوم عليها تلك المدرسة، إلى جانب عقلنة العملية التعلمية، وجعلها تحمل في طياتها أهداف ومرامي معينة، دون التيه أو المجازفة اللتين لا ينتج عنهما إلا الفشل والسير في حلكة الظلام الدامس، تلكم المزالق التي جاءت بيداغوجية الأهداف لكي تحد من أثرها، رامية إلى جعل العملية التعلمية تأخذ بعدا رساليا يسعى إلى تحقيق أهداف معينة وفق تصورات تربوية محددة، إلا أن هذه الأطروحة وإن كانت لها مزايا تتميز بها، اختزلت التعلم في البعد المعرفي، متجاهلة أبعاد أخرى، تلكم التي حاولت المقاربة بالكفايات أن تتداركها بجميع البيداغوجيات التي تنضوي تحتها، ومقلصة من صلاحيات المدرس، وجاعلة إياه بمثابة موجه ومساعد يتدخل من حين لآخر لتوجيه سكة العملية التعلمية إذا انحرفت عن سيرها العادي، إنه التلميذ الذي احتل موقعا مركزيا ما دام هو الذي يقوم ببناء المعرفة وتثقيف نفسه بنفسه ضمن ما يسمى بالتكوين الذاتي. إن التعلم في أتون هذه المقاربة يعتبر أشمل وأعم مقارنة بسابقاتها، بحيث يسعى إلى بناء شخصية المتعلم، من خلال صقل مواهبه، وتعبئة جميع موارده من قدرات ومهارات ومواقف، للتعامل مع مختلف الوضعيات العملية التي قد يتصادف معها في حياته اليومية، فالتعليم وفق هذا التصور إذن لا يمكن حصره في شحن المعارف وفرض سلطة معينة على المتعلم تكبل حريته وتقيد طموحاته وقدراته، بل الأمر يكمن في إقدار التلميذ على اكتساب كفايات متعددة على مدى زمن طويل، تجعل منه شخصية متكاملة، بحيث يقدر على التواصل، ويتعامل مع الأمور بمنهجية محددة، تتنافى والتيه، إلى جانب التصرف بعين نقدية وعدم تقبل الآراء كيف ما كانت نوعيتها بدون أية حصافة وتمحيص.

وأخيرا وليس آخرا، تعتبر المدرسة بما هي مجال للتعلم، بمثابة القاعدة الثانية بعد الأسرة التي تمكن المتعلم من آليات مضبوطة ووسائل معينة، تؤهله للاندماج داخل المجتمع، من خلال القدرة على التعامل مع وضعيات مختلفة يياومها المرء في حياته اليومية، باعتماد الرصيد الثقافي والتواصلي والمنهجي الذي اكتسبه أثناء الدرس، ويعتبر هذا بمثابة الفلسفة التي تنبني عليها بيداغوجية الإدماج متحرية أن لا يكون للتعلم سجن مبوب لا يكاد المتعلم يخرج منه بدون أية أسلحة تجدي له نفعا، وتشفي له غليلا وتطبب له علة، واعتبارا لهذا المزلق جاءت هذه الرؤية لكي يكون التعلم مفتاحا لجميع الأبواب الموصدة، ونبراسا تستنير بها الأفئدة حيال ما قد يعكر صفوها، ومنظارا ترى به الأزمات لتحل.

حاصل القول أن نشير إلى أن الخطابات التربوية التي عرفتها الساحة التعليمية، وبدون اعتبار للأسس التي تتأثل عليها، لا يمكن أن نجد لها صدى في الواقع، لتكشف عن جدواها ونجاعتها، إن لم تكن هناك إرادة حقيقية، مبنية على قيم التشارك والديمقراطية الحقيقية، ووضوح الرؤية، ووضع حد للمزايدات السياسية التي تعكر صفو الكينونة الوظيفية للتعليم.