استهلال

لقد أسال خطاب 20 غشت 2013 الكثير من المداد حول واقع المنظومة التعليمية بالمغرب، التي ما تركت الوزارات السابقة وصفة جاهزة إلا ونقحت بها مخططاتها وبرامجها وألحقتها بالمدارس والجامعات المغربية، ليخضع بذلك التلاميذ والطلاب على حد سواء إلى عملية تجريب عدة مقررات متتالية، قصد استخراج القالب النهائي وصياغة الشكل الرسمي للكتاب المدرسي الخالي من الجوهر والمضمون، ثم تأتي النتيجة بعد مخاض عسير تجاوز 12 سنة في رحم المؤسسات التعليمية بأن التجربة باءت بالفشل ولا بد من ولادة جديدة للنهوض بالتعليم!

فشل البرامج والمخططات أم فشل منظومة تعليمية بأكملها!

اسمحوا لي في البداية كمواطن مغربي أن أتساءل مع السيد وزير التعليم العالي بهذا السؤال الذي يطرح نفسه بالضمن على الوزارة الوصية بعد مرور ما يقارب سنتين على انتخابها للاشتغال داخل حكومة بنكيران: ما الذي يجعل البرامج والمخططات التعليمية واحدة تلو الأخرى تنتكس وتتراجع من سيئ إلى أسوأ؟ قد يستساغ أن يفشل مخطط، برنامج… لكن كيف نستطيع أن نفهم ونستوعب فشل منظومة تعليمية بأكملها؟!).

أولى هذه البرامج والمخططات جاءت مع عشرية الإصلاح المتجسدة في الميثاق الوطني للتربية والتكوين، ثم استبدل بتنزيل برنامج آخر عرف “بالبرنامج الاستعجالي” (2009-2012)، وهو ما يفسر على أن هذا المخطط لم تأت به الوزارة الوصية إلا لأن الذي قبله لم يصلح قاطرة التعليم التي استقر مركزها في المرتبة 110 من بين إجمالي 142 دولة عالميا في سنة 2012، شاهدة بذلك على كل ما قيل في الخطاب الملكي بأن الحكومات السابقة عملت على النهوض بالتعليم بجعله في مؤخرة ترتيب الدول العالمية!

فطول المدة التي شغلها تنزيل الميثاق الوطني للتربية والتكوين، والمخطط الاستعجالي الذي شهد على نفسه بالفشل، ما هي إلا تكريس لـ”مسألة التجريب” وكأن الفئات المتمدرسة اليوم أصبحت كفئران تمارس عليها الوزارة الوصية سلسلة من التجارب لإعداد المخططات والبرامج الناجعة في التدريس، وإن دلّ هذا على شيء فإنما يدل على افتقار هؤلاء لرؤية واضحة حول البرامج التعليمية والمخططات المستقبلية أثناء صياغتهم للمنظومة التربوية، الشيء الذي يترجم فشل المنظومة التعليمية بأكملها!

النهوض بالتعليم أم النهوض بالتلميع!

إن الناظر بعين فاحصة والمتأمل بذهن متقد، يرى على أن خطاب 20 غشت 2013 جاء على أعتاب مرحلة واقع أسود يعيشه المغرب، ليطبطب على قلوب شعب مفقر محروم بكلمات لا تزيد الجاهل بالواقع إلا جهلا وبلادة، ويقول بالواضح والملموس للحكومة الحالية بأن “سبعة أيام ديال الباكور انتهت” وبدأت سلسلة الحسابات التي ستجعلها تتحمل كل فشل راكمته الحكومات السابقة على جميع المستويات!

ومن جهة أخرى، سيقف هذا الناظر مندهشا أمام القول بضرورة النهوض بالتعليم، وهو ما يقتضي تشجيع الطاقات التي يزخر بها البلد لتساهم وتشارك مع باقي الفاعلين التربويين لإخراج المنظومة التعليمية من الوضعية الكارثية التي باتت تعاني منها، لكن الفعل كان شيئا آخر تجلى في النهوض بكل من يساهم ويشارك في تلميع الاستبداد والفساد سواء أكان رقاصا أم طبالا… على حساب النهوض بالتعليم!

وختاما

لا بد من التأكيد على أن تقدم المجتمع وتخلفه في عصرنا اليوم، مرتبط بنظامه التربوي ارتباطا وثيقا، ومسألة النهوض والانتكاس في المجتمعات الغابرة والحاضرة يقف وراءها نظام تربوي ناجح أو فاشل، ذلك أن إصلاح التعليم والنهوض به قضية جوهرية، أصبحت تحتاج إلى إشراك جميع الطاقات والاستفادة من خبرتها، وتستدعي فاعلية وإحساسا من قبل أصحاب القرار لإعداد أجيال تدفع عجلة التقدم إلى الأمام في كافة المجالات الحياتية والحضارية.