لنتفق أولا أن لا شيء يحدث في هذا الكون عبثا، وإنما بتدبير حكيم عليم. ولنتفق ثانيا أن سنن الله جلت قدرته لا تتخلف، لذا وجب ربط الأسباب بالنتائج، والأخطاء التي يرتكبها الإنسان أثناء عمل ما لا بد وأن تكون لها آثار على نتائج عمله. ولنتفق ثالثا أن ما يحدث بتدبير الله الحكيم لا شك فيه خير لدينه، ولو ظهر لعقلنا القاصر عكس ذلك… ومع كل هذا وذاك تبقى مسئولية الإنسان قائمة، وجودا وعدما، سلبا وإيجابا، في كل ما يحدث.

إن ما يحدث ببلاد مصر لا يخرج عن هذا السياق؛ فبعد ثورة 25 يناير أفرزت الانتخابات فوز قوة إسلامية تصدت لإدارة الشأن المصري العام. ولست مخولا بتقييم نتائج هذه الإدارة، فإن لذلك أهله، وأهل مصر أدرى بشعبها وشعابها، والنوايا لا يعلمها إلا الباري تعالى، ولا نحسبها إلا صادقة. والسياسة، كما هو معروف، تقديرية اجتهادية، قطعية في أصولها ومقاصدها، ظنية في تفاصيلها وأحكامها، غير ثابتة. من هنا فالخطأ نسبي، ولا يقدح في مصداقية مرتكبيه.

ويحضرني هنا موقف النبي صلى الله عليه وسلم مع الخباب بن المنذر في غزوة بدر حين سأل قائلا: “يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ هَذَا الْمَنْزِلَ، أَمَنْزِلًا أَنْزَلَكَهُ اللَّهُ لَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَقَدَّمَهُ، وَلَا نَتَأَخَّرَ عَنْهُ، أَمْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ؟ قَالَ: “بَلْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ”؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَنْزِلِ، فَانْهَضْ بِالنَّاسِ حَتَّى نَأْتِيَ أَدْنَى مَاءٍ مِنْ الْقَوْمِ، فَنَنْزِلَهُ، ثُمَّ نُغَوِّرُ مَا وَرَاءَهُ مِنْ الْقُلُبِ، ثُمَّ نَبْنِي عَلَيْهِ حَوْضًا فَنَمْلَؤُهُ مَاءً، ثُمَّ نُقَاتِلُ الْقَوْمَ، فَنَشْرَبُ وَلَا يَشْرَبُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَقَدْ أَشَرْتَ بِالرَّأْيِ”. فَنَهَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ النَّاسِ…” والشواهد في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء كثيرة لا يتسع المجال لذكرها، تؤكد نسبية التقدير والاجتهاد في إدارة النبي صلى الله عليه وسلم لأمور الناس وهو خير الخلق.

من هنا، فإن الانقلاب الذي قاده الجيش لا مبرر له، وإراقة الدم ليس له إلا تفسير واحد، وهو الحقد الدفين على الإسلاميين حاملي دعوة الإسلام! ذاك الدم الذي تفنن في إراقته الانقلابيون وصفق له مؤيدوهم.

إن العاقل المنصف، والشخص الأخلاقي، لن يتردد في شجبه لهذا الدم المراق، واستنكاره لذاك الانقلاب، وإن كان لا يؤمن بالإسلام والمنهج الإسلامي، لأنه يعارض أبسط “الأبجديات الأخلاقية”. هنا يجب أن تختفي الإيديولوجيات، وإلا علت الأحقاد وبزغت المصالح وطغت الأنانيات.

وهكذا نجد أنفسنا اليوم أمام توجهين كبيرين، سيحفظهما التاريخ:

– إسلاميون ساقهم القدر إلى إدارة الحكم، باستحقاق، وقد انقلب عليهم الانقلابيون، وانكشف للعالم أن سر اضطهادهم وتعذيبهم وتقتيلهم، وهم العُزل، هو “إسلاميتهم”. وتذكر حالتهم هاته بقصة أصحاب الأخدود التي قال عنها الله تعالى: وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّـهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (البروج: 8)… وإلى جانب هؤلاء نجد كثيرا من العقلاء، بمختلف توجهاتهم، يستنكرون الانقلاب ويدينون الدم.

– انقلابيون، أعماهم حقدهم وكرههم للإسلاميين والإسلام فانقلبوا على شرعيتهم، فصاروا يعتقلون ويقتلون ويحرقون… ولسان حالهم: قَالُوا حَرِّ‌قُوهُ وَانصُرُ‌وا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ قُلْنَا يَا نَارُ‌ كُونِي بَرْ‌دًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَ‌اهِيمَ وَأَرَ‌ادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِ‌ينَ (الأنبياء: 70)…. وإلى جانب هؤلاء نجد بعض المغفلين وأصحاب المصالح والحاقدين والحساد.

ولا يسمح المجال لمنطقة وسطى؛ فالإنسانية بما أهدته لك أيها الإنسان من خيراتها تطلب منك أن ترد إليها بعض جميلها. هذا، إن لم تكن إسلاميا أو مسلما. أما إن كنت مسلما فواجب الإنسانية وواجب الدين يدعوانك إلى أن تكون بجانب المظلوم والمقتول. إن التاريخ يسجل، ويميز، فاختر موقعك. والأيام دُول بين الناس!

هذا عن مسئولية الإنسان. أما عن قدر الله تعالى، المدبر الحكيم، فيعلمنا من خلال كتابه العزيز وسيرة الأنبياء أن النصر حليف المستضعفين والهلاك مصير الطغاة. وقد حفظ لنا التاريخ أن ما من محنة تصيب الإسلام والمسلمين إلا وكانت محطة لميلاده وبعثه من جديد، وبروز قوته وانتصار أهله، ولكن لا بد من ثمن وابتلاء. مصداقا لقوه تعالى: وَلِيَعْلَمَ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّـهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (آل عمران: 140)… وهذه سنة الله! والشهادة في سبيل الله أسمى ما يطلبه المؤمن، لأجرها العظيم عند الله. وهكذا يكون النصر بالتمكين في الأرض، في العاجل، وبالأجر العظيم في الآجل.

وخلاصة القول: إن ما يحدث اليوم بمصر هو ميلاد للأمة من جديد، وانتشار للإسلام، وبعث للحركة الإسلامية وإحياؤها واتساعها وترشيدها، ونضج للفكر الإسلامي على متخلف الأصعدة، وكل هذا تحقيق لوعد الله عز وجل: وَعَدَ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْ‌ضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْ‌تَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِ‌كُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ‌ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (النور: 55).