استهلال

إن الحديث عن الثورة المصرية يعكس نوعا من التأثر بالواقع الدموي الذي تشهده الشوارع والميادين في كل شبر من أرض الكنانة. وسواء أكان الحديث من شاعر، أم مفكر، أم أستاذ، أم طالب، أم اجتماعي، أم سياسي إلى آخر من يمكنهم الحديث عن هموم الأمة – آمالها وآلامها- فإنه لا شك أن كل واحد من هؤلاء لا يتحدث إلا ليترجم وينقل للآخر حرقته وآلامه مما يشاهده من قتل للأبرياء، وسفك للدماء، وإجهاز على شعب استقوت عليه الآلة العسكرية، ويصب كامل غضبه وسخطه على أنظمة عربية تكالبت على بني جلدتها من العرب والمسلمين وفضلت تقوية شوكة الطغاة والظالمين بالصمت على جرائمهم البشعة في حق العزل والمستضعفين.

السلمية أقوى من الدبابات

قدم الشعب المصري منذ ثورة 25 يناير 2011 آلاف الشهداء والجرحى والمعطوبين لإزالة الاستبداد، وما زال إلى اليوم يقدم العديد من الدماء التي استرخصت أرواحها في سبيل الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية؛ دماء تراق كل يوم في أرض الكنانة وأرواح ترتقي من عالم الباطل والفناء إلى عالم الحق والبقاء، وأعراض وجماجم تداس وتكسر بآلة وحشية همجية فتاكة، ومساجد ومصاحف تدنس وتحرق بكل خبث وحقد ضد العروبة والإسلام والمسلمين، كل هذا يحدث اليوم.. بينما الحكومات العربية تراقب في صمت رهيب، وهي التي استطاعت أن تبارك للانقلابيين الانقلاب على الشرعية، وزودتهم بثروات “البترودولار” ونصرتهم بالإعلام تعتيما وزورا وبهتانا، ولم تستطع أن تستنكر إراقة دماء الأبرياء من المسلمين، كما لو أن سفك الدم العربي المسلم لم تعد له أية حرمة في قاموس حكام العرب – ملوكا ورؤساء على حد سواء – الذين اكتفوا بالصمت والخنوع والركوع والسجود لإسرائيل وأمريكا صباح مساء، ولم يحركوا ساكنا كما اعتادت شعوبهم على صمتهم الذي سيكتب على جبينهم وصمة عار بلون أسود سيشهد عليها التاريخ!

ولم يكتف الانقلابيون بالانقلاب على الشرعية فحسب؛ بل تعدوه إلى ارتكاب أبشع المجازر ضد المعتصمين، كان أولها مجزورة الحرس الجمهوري التي راح ضحيتها 111 شهيدا منتهكين بذلك حرمة شهر رمضان المعظم، لتتوالى المجازر تلو المجازر من مذبحة المنصة ورمسيس… إلى أن قرروا فض اعتصام ميداني رابعة والنهضة بالقوة التي أفقدت آلاف المصريين فلذات أكبادهم وسرقت فرحة العيد من قلوبهم وأذاقتهم مرارة الظلم والطغيان، ومع هذا القمع العسكري للمعتصمين لم يواجهوه بالعنف المضاد، وإنما كانت سلميتهم هي السلاح الذي واجهت به صدورهم دبابات الانقلاب الغاشم إيمانا منهم بأن السلمية أقوى من الدبابات!

الانقلاب العسكري وعودة الاستبداد

لقد أراد السيسي بعزل الرئيس محمد مرسي عن الحكم أن يثبت لأمريكا وإسرائيل أنه “فرعون القرن 21″، وأنه سيكتسح المجتمع المصري، ويعيد مياه الاستبداد إلى مجاريها ولو على حساب أشلاء ودماء الأبرياء، لتأتي النتائج حتى الآن، كما خطط لها الانقلابين ومن وقف إلى جانبهم، وذلك باعتقال شرفاء وأحرار مصر الذين ضحوا بالغالي والنفيس واسترخصوا فلذات أكبادهم في سبيل حرية الوطن، وإطلاق سراح مبارك الذي استنزف خيرات المصريين أزيد من 30 سنة في ظل حكم ديكتاتوري، وهو ما يكشف الغطاء عن الوجه الحقيقي للانقلابيين الذي بات واضحا، عنوانه كومبارس الانقلاب العسكري وسمته البارزة: محاربة الإرهابيين!

نعم إنه الانقلاب العسكري، الذي يكفل لأعوان السيسي حرية التعبير عن الرأي وتزوير الحقائق في الإعلام ويمنع الرأي المعارض له ويغلق قنواته الإعلامية وفق قوانين ولوائح الدولة!

نعم إنه الانقلاب العسكري، الذي يعتقل مرشد “جماعة إرهابية” في بيته دون أن يواجههم بطلقة واحدة يدافع بها عن نفسه من الاعتقال!

نعم إنه الانقلاب العسكري، الذي يبرئ “ذئبا بشريا” اغتصب الوطن ويضع شرفاءه خلف القضبان، لأنهم لا يخدمون مصالح مبارك مصر الذي تربع على كرسي الحكم أزيد من 3 عقود!

نعم إنه الانقلاب العسكري، الذي لا يفتح تحقيقا عندما يكون المستشهد مواطنا “إرهابيا” يحمل في يده القرآن، ويطارد شرفاء الشعب لأن المقتول يمثل أحد جنود العسكر الذي يحمل أحدث الأسلحة المحرمة دوليا!

تساؤلات لابد منها

وفي ظل هذه التطورات الخطيرة التي تشهدها الساحة المصرية نتساءل عن مآل الثورة المصرية.. إلى أين؟

– هل سيعود الحكم الاستبدادي الذي بدأ مع الانقلاب العسكري إلى الحكم بخروج حسني مبارك من السجن؟

– هل خروج حسني مبارك واعتقال قيادات جماعة الإخوان المسلمين والزج بهم في السجون هو بداية لتصفية الحركة الإسلامية داخل المجتمع المصري؟

– هل انتهى ربيع الحرية بعودة رؤوس الاستبداد إلى الواجهة؟

– أم إن الثورة ستنتهي باجتثاث الاستبداد وبتره من جذوره التي تتكاثر كالبكتيريا يوما بعد يوم؟