كان لافتا للانتباه أن يخصص خطاب الملك بمناسبة ذكرى 20 غشت لقطاع التعليم وما تعاني منه منظومته من اختلالات مزمنة؛ ذلك أن المغرب حطم كل الأرقام القياسية على مستوى عدد مخططات الإصلاح الفاشلة.

في هذا السياق، جاء التذكير “بأهمية الميثاق الوطني للتربية والتكوين، الذي تم اعتماده في إطار مقاربة وطنية تشاركية واسعة”، الذي أريد أن يكون عنوان “العهد الجديد”، حيث تم اعتماده سنة 2000، لكنه تعثر وتأكد عطبه بعد سبع سنوات من انطلاقه، وهو ما فرض اللجوء إلى إنعاشه بالمخطط الاستعجالي الذي رصدت له ميزانية خيالية بالملايير، أسند تنزيله إلى فريق تابع للمجلس الأعلى للتعليم الذي ألغى الوزارة وتجاوز مصالحها وأقسامها وأطرها، وأعلن وقتها -2007- أن الميثاق الوطني للتربية والتعليم في طور الموت السريري.

اليوم، ولاعتبارات سياسوية، يعاد طرح قضية التعليم، ويلقي الخطاب الرسمي باللائمة على الائتلاف الحكومي الحالي ويحمله فشل منظومة التعليم، إذ تمت مؤاخذة الحكومة بأنها لم تعمل على “استثمار التراكمات الإيجابية في قطاع التربية والتكوين، باعتباره ورشا مصيريا، يمتد لعدة عقود”. وعوض تعزيز ما اعتبرها الخطاب الرسمي “المكاسب التي تم تحقيقها”، تم التراجع و”دون إشراك أو تشاور مع الفاعلين المعنيين، عن مكونات أساسية منه، تهم على الخصوص تجديد المناهج التربوية، وبرنامج التعليم الأولي، وثانويات الامتياز”.

وفي إطار التشخيص لاختلالات المنظومة التعليمية تم التنصيص على أن “قطاع التعليم يواجه عدة صعوبات ومشاكل، خاصة بسبب اعتماد بعض البرامج والمناهج التعليمية، التي لا تتلاءم مع متطلبات سوق الشغل، فضلا عن الاختلالات الناجمة عن تغيير لغة التدريس في المواد العلمية، من العربية في المستوى الابتدائي والثانوي، إلى بعض اللغات الأجنبية، في التخصصات التقنية والتعليم العالي. وهو ما يقتضي تأهيل التلميذ أو الطالب، على المستوى اللغوي، لتسهيل متابعته للتكوين الذي يتلقاه”.

عاهات التعليم بالمغرب مثل تعدد اللغات منذ الأسلاك الأولى للتعليم، وغياب استجابة المناهج والمقررات لحاجة السوق، والاكتظاظ، والخريطة المدرسية، وانعدام التفويج في الحصص العلمية – ما يعني إلغاء الأنشطة التطبيقية، وبالتالي يصبح تلقين المعارف مهيمنا على اكتساب الخبرات والمهارات – ووأد البحث العلمي، وانسداد آفاق سوق العمل لغياب الشفافية وشروط المنافسة الشريفة، وغياب مشروع مجتمعي يسعى لتحقيق إقلاع اقتصادي على قاعدة توطين التكنولوجيا أو اعتماد التكنولوجيا المتوسطة توفيرا لمناصب الشغل، والتوزيع غير العادل للثروة ومقدرات البلد… هذه كلها العناوين الكبرى ومفردات شلل المنظومة التعليمية، إلا ما كان من معطيات كمية: نسب تمدرس، نسبة تعليمات فتيات العالم القروي، نسبة نيل شهادة باكالوريا تدنت مصداقيتها العلمية.

هي اختلالات مُسلّم بها ومعلومة، بل هي عاهات مستديمة شوهت جسم منظومة تعليمية مستوردة، ذلك أن ما يسمى “ميثاق التربية والتكوين” ليس غير بنود تقرير المؤسسات المالية المانحة منتصف التسعينات – 1994 – أو ما عُرف وقتها بالسكتة القلبية. والأمر وما فيه أن القصر، وفي إطار احتكاره للمبادرات، يسارع كالعادة، إلى التلويح بما هو في حكم المعلوم لتسجيل السبق والتنصل من المسؤولية المباشرة عن هذه الأزمة بإلقائها فقط على الحكومة.

وحيث إن قطاع التعليم لم يرق بعد ليصبح قضية مجتمعية ينبري للتخطيط لها ووضع فلسفتها فضلاء خبراء أبناء البلد بإرادة مستقلة عن تجاذبات الحكم، وتوضع له المناهج المنسجمة مع هُوية الشعب انطلاقا من مشروع مجتمعي مطلبه الحرية والكرامة والاستقلال، فإنه سيبقى – إلى حين – أداة يوظفها الحاكم لتحقيق ما يضمن له الاستقرار والاستمرار. ولعل في إعادة إنتاج المجلس الأعلى للتعليم – تعيينا لرئيس ليس من أهل الاختصاص، من جهة، واختيارا للأعضاء وفق منطق الكوطا السياسية إرضاء لمكونات المشهد السياسي والنقابي من جهة ثانية، وتوزيعا لدم القطاع على الفرقاء السياسيين، من جهة ثالثة، وتهربا من تبعات إخفاق شبه مضمون، من جهة رابعة – دليل على احتكار النظام لهذا القطاع ومسؤوليته عن هدر المال العام خلال عقود وتضييع فرص إقلاع اقتصادي وتعطيل أفواج من شباب المجتمع وإخلاف مواعيد كثيرة مع التنمية والانعتاق من طوق التخلف ونير التبعية.

مجلس أعلى للتعليم قديم/جديد يعهد إليه “تقييم منجزات عشرية الميثاق الوطني للتربية والتكوين، والانكباب على هذا الورش الوطني الكبير” – كما يوصي الخطاب – سيتطلب كغيره من المجالس العليا في شتى القطاعات ميزانية خيالية وتعويضات لأعضائه الذين ستتوسطهم وجوه اقترفت جرائم تربوية في حق الأجيال، تخرج على المغاربة بعد شهور بتوصيات فضفاضة عائمة، لن تجد إلى التطبيق سبيلا، لأن الغرض أساسا هو شغل الرأي العام وقتل الوقت والإيهام بأن إصلاحا ينجز وأن النظام يولي قضايا الشعب الاهتمام اللازم، وأن العطب في الجهاز الحكومي الذي لم يقو على مسايرة حيوية مبادرات القصر.