(1)

قد لا يبدو هذا العنوان عرضا لفكرة جديدة، إذ إن ما هو مستقر في اعتقاد الغالبية العظمى من أبناء العالم الإسلامي وخاصة النخبه المخلصة أن الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية (الديموقراطية) التي تدور في فلكها هم الراعون الرسميون للأنظمة المستبدة في بلاد المسلمين، وهم الموجهون الحقيقيون والمُسيّرون الفعليون للسياسات الداخلية والخارجية لهذه البلدان. بل لطول رعاية الاستكبار العالمي لهذه الأنظمة المتحكمة في رقاب المسلمين حولها إلى أرصدة استراتيجية لهيمنته على العالم وخاصة بلاد المسلمين. وقد استطاعت الاستكبار الغربي أن يصنع في كل بلد نموذجا سياسيا خاصا بظروفه ومتكيفا معها. فهنا ترعى نظاما ملكيا وراثيا وهناك نظاما عشائريا وهنالك نظاما جمهوريا وفي بلد آخر نظاما عسكريا وهكذا دواليك. لكن الجامع لهذه الفسيفساء السياسية هو التماهي مع السادة الغربيين والتفاني في خدمة مصالحهم السياسية والاقتصادية بل والثقافية والحيلولة بكل الوسائل دون تحرر الأمة أو نهضتها.

وعكس ما تظهره الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الأنظمة السياسية الغربية من امتعاض أو احتجاج على بعض مظاهر الاستبداد أو سلوكاته الهمجية في بلاد المسلمين، وعلى النقيض مما تروج له من دفاع عن الديموقراطية وحقوق الانسان، فإن الواقع الفعلي القائم على الأرض يبرز خلاف الشعارات والتصريحات. فالغرب البراغماتي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية فشل دائما، ولا يزال، في تقبل تحول البلاد الاسلامية إلى ديموقراطية حقيقية تسود فيها الحرية الكاملة واحترام حقوق الإنسان دون تجزيء أو اختزال. ولنا في تجارب الجزائر وفلسطين ثم مصر فاليمن وغيرها خير مثال. فلا يستطيع الاستكبار الغربي إلى الآن قبول واقع وصول الإسلاميين إلى الحكم بوسيلة ديموقراطية لذلك فهو ينسلخ عن ديموقراطيته ويدعم أبشع أنواع الاستبداد الدموي ويموله ويغطيه إعلاميا ليحول دون تحقق هذا الواقع.

وتبدو الحالة المصرية، القائمة الآن، آخر شاهد صارخ على إصرار الغرب على حرمان الإسلاميين من “بركات الديموقراطية” وإطلاق اليد الطولى للاستبداد الدموي للتنكيل بهم أبشع تنكيل على مرأى ومسمع من العالم. فرغم الحجم الهائل للتضليل الإعلامي، يظهر لكل منصف أن هذه الهجمة الشرسة على الديموقراطية الوليدة في مصر، هي من تخطيط وتمويل الاستكبار الغربي أو تتم على الأقل بمباركته وبضوء أخضر منه. فرغم ما أنفق على الثورة المضادة في مصر من أموال طائلة، ورغم تداعي دهاة الاستخبارات من كل حدب وصوب لضمان حسن التخطيط والتدبير إلا أن الإخراج النهائي لهذه المأساة تم بصورة ركيكة لم تقنع إلا السذج والبُلَهاء من الناس. ولعل الفشل في تسويق أوهام هذه الثورة الدموية المضادة هو ما حدا بعرّابيها وممثيلهم إلى إزاحة الأقنعة عن وجوههم لتظهر بشاعتها وتعبر عن ساديتهم المدفونة تجاه المسلمين الأحرار من خلال إعمال القتل والحرق والسحل بشكل غير مسبوق ودون رادع أو خوف لينتجوا مجازر متتالية كان أبشعها لحد الآن مجزرة فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة وما تلاها. فقد كتبت الواشنطن بوست في افتتاحيتها صبيحة مجزرة رابعة العدوية أن الولايات المتحدة الأمريكية متورطة في مساندة الانقلاب الدموي وما أسفر عنه من مجازر وجرائم. كما أن مسارعة الرئيس الأمريكي أوباما ووزير دفاعه إلى التبرؤ علنا من علاقة بلديهما بهذه الحرب القذرة دليل على انكشاف المستور.

(2)

من مِنّا لا يتذكر خطاب القاهرة الشهير حين جاء الرئيس الأمريكي أوباما في بداية ولايته الرئاسية الأولى، في خضم حملة دعائية ضخمة قصد التخفيف من حدة بشاعة صورة بلده في الضمير العربي والإسلامي. جاء بخطاب يدعو إلى الديموقراطية ويبشر بدعم دولته لجهود نشرها وترسيخها في بلاد المسلمين. وكان اختيار القاهرة مدروسا بعناية، بسبب موقعها الاستراتيجي، كما هو الشأن بالنسبة للغة الخطاب ومضامينه. لكن الوعود البراقة والشعارات الرنانة سرعان ما تبخرت في الهواء وظهر زيفها حين انطلق الربيع العربي الذي عملت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها على محاولة احتواءه والتحكم في وجهته منذ بدايته، ثم رعاية الثورات المضادة له. وها هي ذي مصر تئن الآن تحت كلكل ثورة دموية همجية لا تراعي حرمة لأحد ولا ترعوي عن ارتكاب أبشع الجرائم ضد الأبرياء والعُزْل رجالا أو نساء، شيوخا أو أطفالا.

إن العقلاء في الغرب عموما وفي الولايات المتحدة الأمريكية خصوصا مطالبون، باسم مصالحهم، أن يدركوا جيدا أن الانغماس في رعاية الاستبداد المحلي وتشجيع انتهاكاته الفظيعة لحقوق الإنسان والتستر على جرائمه، قد يؤجل إقامة دولة الحق والعدل والحرية في أوطاننا وقد يؤخر استقلالنا السياسي والاقتصادي ونهضتنا الحضارية إلى حين، غير أنه لن يستطيع مطلقا محو الفكرة من عقول أبنائنا وبناتنا وعموم شعوبنا ولا قتل الأمل أو وقف الإصرار على تحقيقها في واقعنا حين يشاء ربنا. لكن في المقابل يجب أن ينتبه هؤلاء إلى أن هذا الفيتو على الدميوقراطية في بلداننا يؤدي إلى حصول تحولات فكرية وقيمية متسارعة تجاه فكر الغرب وقيمه وإلى تنامي الوعي لدى فئات واسعة من أولوية التحرر من هذا الفيتو وعرابيه. فلنتساءل إذن عن مصير المصالح الغربية ومن قد يمتلك الجرأة في المستقبل للحديث عنها فضلا عن الحفاظ عليها. فالجروح التي تخلفها استراتيجة دعم الاستبداد والفساد في المجتمعات المسلمة يصعب أن تندمل بسهولة كما أن العداوة تجاه مصادر هذه الاستراتيجية لا تفتأ تتهيج وكل السياسات المعادية للمسلمين لا تأتي دائما إلا بنتائج عكسية على المصالح الاستراتيجة الغربية في المنطقة وما المستنقع الأفغاني والعراقي عنا ببعيد.

أما آن الآوان للدول الغربية أن تدرك أن تبني القضايا العادلة لشعوبنا ومساندة رغبتها في التخلص من جرائم الأنظمة الظالمة ونكاياتها أضمن لمصالحها من تشجيع الاستبداد ودعم الفساد الذي مصيره الزوال إن عاجلا أو آجلا؟ “أليس منكم رجل رشيد”؟