يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي.

يا أيتها النفس التي اطمأنت بذكر الله، وثبتها على الحق كلام الله، وتذللت بين يدي الله، واستعلت بالإيمان على مكر أعداء الله، وتعلقت روحها بربها كما برأها أول يوم، فبلغت مقام الرضا بمن رضي عنها، وتطهرت من أدران الدنيا ولوثات النفس والهوى، فاستحقت لقاء الحضرة الإلهية في عباد الله مع النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

ما أجمله من لقاء، هذا اللقاء، بعد أكثر من أربعين يوما وليلة من ليالي رهبان الليل فرسان النهار في رباطَيْ رابعة العدوية والنهضة، في القاهرة، ما بين ذكر لله وتبتل إليه، وتلاوة لكلماته النيرات، وتناصح في الله تعالى، وتقرب إليه بالنوافل وبالخيرات، وعيون تبيت تحرس في سبيل الله، وخدمة لعباد الله قياما على أمر الله…

ما أجمله من لقاء بعد أن جمعت تلك القلوب بين الذكر والجهاد، بين الذلة على المومنين والعزة على المنافقين، قياما في برزخ الحق بين الدنيا والآخرة، في موقف الصدق بين الغيب والشهادة.

ضرب الشعب المصري المسلم الأصيل مثالا جديدا لعظمته بإسلامه، وقدّم للإنسانية صورة ناصعة لما يمكن أن يصنع الإيمان بأهله إن هم اعتصموا بحبل الله ولم يتثاقلوا إلى الأرض كما تثاقل من رضوا بالحياة الدنيا من الآخرة، وزف من بين ملايينه آلافا من الشهداء الأطهار الأنقياء المخضبين بدماء العزة والكرامة والحرية.

لم تكن مجازر القاهرة في رابعة والنهضة وكل ميادين أرض الكنانة، وهي لا تزال قائمة إلى الآن، إلا تتمة لسلسلة طويلة من المشاهد التي قدم فيها الشعب المصري نيابة عن كل الأمة وكل الإنسانية معاني البذل والتضحية والفداء. مشاهد تدل على أن روح الأمة ما ماتت أبدا، وأن شرايينها لا تزال تضخ فينا من الدماء ما يتدفق حياةً متجددة إلى هذه الساعة، ضريبة لموقف الصدق وكلمة الحق التي أدوها بقوة وأمانة.

سيذكر التاريخ عظمة هذا الطيف الأصيل من الشعب المصري، وعظمة الفضلاء الذين اختلفوا معه في المنطلق واتحدوا معه على مصارعة الظلم والاستبداد والفساد، وسيذكر التاريخ كذلك أولئك الذين تواطؤوا مع العسكر على خنق صوت الشعب من السياسيين الذين لفظتهم صناديق الديمقراطية التي طالما تغنوا بها فهانوا عند أول امتحان، ومن الإعلاميين الذين خانوا ميثاق الشرف الصحفي بما تستروا على جرائم المجرمين بل جعلوا منهم أبطالا أشاوس ووطنيين، بينما حمّلوا الضحية المسحولة في الشوارع والمذبّحة في الميادين أمام نظر العالم مسؤولية حتفها وخندقوها في زمرة الإرهاب. وسيسقط الظلم لا محالة، وسيرتفع صوت الحق من جديد قريبا قريبا قريبا إن شاء الله، وسيخنس المجرمون وجوقتهم من ساسة الكذب وإعلام التزوير، وستبلغ كلمات الله كل الأرض بعز عزيز أو بذل ذليل، إيمانا بموعود الله ونبوءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وستبلغ دعوة أيدها الوحي وسقاها الشهداء وزكاها سلوك الطريق المستقيم ما بلغ الليل والنهار.

تحية لنساء مصر، اللواتي وهبنَ العالم بجهادهن النادر ورجولتهن المستميتة ومروءتهن العظيمة واستبسالهن منقطع النظير وشجاعتهن في الحق ما يتتلمذ عليهن فيه الرجال يقعدون فيه بين أيديهن تلقنهم دروس الصدق والصبر. فلم تكن نساء مصر مجرد سند وظهير للرجال العظام في الميادين، بل كن في الصف الأول تتسابقن إلى رضى الله ونيل شهادته كما سبقت بها سمية الشهيدة رضي الله عنها.

وتحية لقياديي الاعتصامات السلمية الذين قدموا فلذات أكبادهم في ربيع شبابها إلى منصة الشهادة قبل أن يحفزوا الجموع إلى الميدان.

وتحية إلى الإعلام المخلص الذي استطاع على الرغم من الحصار المضروب من كل ناحية أن يوصل إلى العالم الصورة الحقيقية للوضع وللمشهد.

وتحية إلى كل حر شريف وقف في وجه الظلم واسترخص دمه في سبيل تحرر أرض الكنانة من جلاديها وسجَّانيها.

قال تعالى ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز.