قد نخوض في الدفاع عن الإسلام كبديل حضاري وحل لمشاكل الإنسانية حاضرها ومستقبلها، ونبرز الدور التاريخي للحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم المبعوث رحمة للعالمين بذكر سيرته العطرة وشمائله وخصائصه، ونمجد ماضينا المشرق في حقبة الخلفاء الراشدين حيث تحقق العدل والشورى والإحسان في الحياة العامة للمسلمين.. لكننا لا نكاد نبين في تواصلنا الدعوي عن جوهر ما جاء به أنبياء الله ورسله الكرام وهو حمل هم الآخرة والاستعداد للقاء الله عز وجل والفوز بالله عز وجل.

لعل متطلبات اليقظة السياسية التي يعيشها العرب والمسلمون عرفت نموا مضطردا مع هبة ربيع الشعوب مما شغل طلائع الدعوة الإسلامية عن مقتضيات اليقظة القلبية في إحياء الأمة وبعثها من جديد جامعة بين الحسنيين والغايتين: الإحسانية والاستخلافية.

تأسف الأستاذ المرشد رحمه الله يوما على كتاب وخطباء ووعاظ قل ما يتحدثون عن الآخرة، أو يمرون عليها مر الكرام، ولا يركزون على مراجعة النفس ومساءلتها عن مصيرها يوم القيامة وموقفها بين يدي الله عز وجل. قال رحمه الله في معرض تقديمه لنا هدية عيد الفطر يوم ٢٨ رمضان سنة ١٤٢٦هـ، وهي عبارة عن كتيب يضم مختارات عنوانه: الموت تحفة المؤمن، مذكرا ومنبها إلى البداية الصحيحة للدعوة 1 :

الموت تحفة المؤمن، لأنه بعد موته يجد ما وعده ربه حقا. والموت في نظر العامة ونظر الغافلين عن الله رزية، لأن الموت هو النهاية ـ في زعمهم). واسترسل قائلا: وندور ونجول في الدعوة ثم نبحث عن البداية الصحيحة، ما هي البداية الصحيحة في دعوة الناس؟ نذكرهم بالله).

ما معنى نذكرهم بالله؟ نذكرهم بالموت، المرحلة الأولى بلقاء الله، نذكرهم باليوم الآخر وبما يحدث يوم القيامة، بما يسأل عنه العبد أول ما يسأل عن الصلاة. فإذا استطعنا أن ندخل في مخ ذاك الغافل عن الله سواء كان ذاك الغافل مسلما أو غير مسلم، إذا أدخلنا في مخه وفي قلبه وكيانه هم الآخرة فتلك هي البداية الصحيحة للدعوة).

ثم أكد رحمه الله: نركز على الآخرة ونذكر أنفسنا: كلنا إلى القبر ثم من بعد القبر البعث والنشور والحساب والجنة أو النار، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا وأمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من السعداء.. لا يكون المؤمن مومنا حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. من أخوك؟ أخوك في الدين مسلم، أخوك في الإنسانية أيضا، تتمنى لو كان يسلم ويتوب…)، إلى أن حدد وظيفة الاعتكاف التربوية قائلا: هو تدريب واستعداد ومساءلة “أسأل من أنا؟ وما أنا؟ وكيف أنا؟ وإلى أين أنا؟ ومن أين أنا؟”) 2 . انتهى كلام المرشد رحمه الله.

يقول ابن القيم الجوزية رحمه الله: صدق التأهب للقاء الله عز وجل، من أنفع ما للعبد وأبلغه في حصول الاستقامة. فإن من استعد للقاء الله انقطع قلبه عن الدنيا ومطالبها، وخمدت في نفسه نيران الشهوات، وأخبت قلبه إلى ربه تعالى، وعكفت همته على الله وعلى محبته وإيثار مرضاته، واستحدثت همة أخرى، وعلوما أخر، وولد ولادة أخرى تكون نسبة قلبه فيها إلى دار الآخرة كنسبة جسمه إلى هذه الدار، بعد أن كان في بطن أمه. فيولد قلبه ولادة حقيقية كما ولد جسمه حقيقة، وكما كان بطن أمه حجابا لجسمه من هذه الدار، فهكذا نفسه وهواه حجاب لقلبه عند الدار الآخرة. فخروج قلبه عن نفسه بارزا إلى الدار الآخرة كخروج جسمه عن بطن أمه بارزا إلى هذه الدار).

ولما كان أكثر الناس لم يولدوا هذه الولادة الثانية ولا تصوروها ـ فضلا عن أن يصدقوا بها ـ فيقول قائل: كيف يولد الرجل الكبير أو كيف يولد القلب، لم يكن لهم إليها همة و لا عزيمة، إذ كيف يعزم على الشيء من لا يعرفه ولا يصدقه؟ و لكن إذا كشف حجاب الغفلة عن القلب صدق بذلك، وعلم أنه لم يولد قلبه بعد) 3 .

إن الأسئلة الوجودية النابعة من فطرة تحن إلى خالقها وبارئها، يخطو بها العبد المؤمن بقلبه خطوة إلى الله، ويستعد للقائه عز وجل على أفضل العزائم، باستعلاء إيماني واثق في موعود الله عز وجل ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم بعودة إسلام العزة والكرامة. والمتصدر للشأن العام أحوج ما يكون لوضع نفسه في قفص الاتهام لتجديد توبته وحوبته، وهو العامل على لم شمل المشرذمين من الأحرار المناضلين، والمرشحين ليكونوا رحمة وملاذا للمستضعفين. لكن مهما ارتفعت راية القرآن خفاقة في العالمين، سيدفن المؤمن وحيدا في قبره! ترى بأي نية وهمة كان يخدم أمته؟ وما اسمه في الملكوت؟ ما قدم لآخرته؟ أسئلة مؤرقة ونحن نتابع انتشار نور الدين وانتصاره، بعدما أخبرنا الصادق المصدوق بأن الدين قد ينصر على يد رجل فاجر 4 . أي ضمان لمستقبلي الأخروي بعد حضور قوي في دنيا النضال من أجل الحرية والكرامة وحقوق الإنسان؟

إنه تحد يغالب كل الجامعين بين زعامة وإمامة الأمة على وجه الخصوص، ومفتاح هذا المطلب الغالي بيد الفتاح العليم، لا إله غيره ولا رب سواه.


[1] من مختارات الأستاذ المرشد رحمه الله تحت عنوان: الموت تحفة المؤمن قدمها هدية للمعتكفين يوم ٢٨ رمضان سنة ١٤٢٦هـ.مصدرها كتاب بشرى الكئيب بلقاء الحبيب للإمام جلال الدين السيوطي رحمه الله.\
[2] الموت تحفة المؤمن شريط فيديو للإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله. انظر الرابط التالي:

http://youtu.be/s1j5sehdJhA\

[3] في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، فقال لرجل ممن يدعي الإسلام: هذا من أهل النار، فلما حضر القتال قاتل الرجل قتالاً شديداً، فأصابته جراحة، فقيل: يا رسول الله، الذي قلت إنه من أهل النار، فإنه قد قاتل اليوم قتالاً شديداً، وقد مات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إلى النار. قال: فكاد بعض الناس أن يرتاب! فبينما هم على ذلك إذ قيل إنه لم يمت، ولكن به جراحاً شديداً، فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح فقتل نفسه، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: الله أكبر، أشهد أني عبد الله ورسوله، ثم أمر بلالاً فنادى بالناس إنه لا يدخل الجنة إلا نفس وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر.\
[4] ابن القيم الجوزية رحمه الله، طريق الهجرتين وباب السعادتين، ص: 215.\