رمضان منحة إلهية وتكريم رباني لنبيه الكريم عليه أفضل الصلوات وأزكى التسليم رفعا لقدر أمته بين الأمم يوم العرض والحساب. لذلك، فقد تكلف الحق سبحانه بتوفير شروط الإقبال عليه خلال أيام وليالي الشهر الفضيل، صفد مردة الشياطين، وفتح أبواب الجنان، وهيأ القلوب ويسر لها أسباب الطاعات، وزيادة في التحفيز، اعتبر الحق جل وعلا الصيام له فتكلف بثوابه: “… إلا الصوم فهو لي، وأنا أجزي به”.

وإذا كان المحروم من أدرك رمضان ولم يُغفر له، كما في الحديث؛ فأشد منه حرمانا من ذاق حلاوة عبادة ربه وسكَن بها وإليها وجدانُه خلال رمضان ثم انتكس سيره ونقض غزل رمضانه وحنّ لسابق غفلاته وفرّط فيما حصّله، بل فيما وفّقه الله تعالى له من طاعات بمجرد توديعه رمضان.

رمضان خُصّ بما خُصّ به من أنوار مضاعفة للأجور وارتقاءً لدرجات التقوى واستدراكا لما فات من تفريط وتقصير لكي يُعَوَّض الضائعُ من الفُرص ويُستأنف السلوك إلى الله تعالى بعد التخلص مما يكبل العبدَ من الأوزار.

وعليه، فرمضان محطة للتزود تجديدا للإيمان وشحذا للهمم لطلب وجه الله الكريم، بعد شهر تدريب على الطاعات وتثبيت لصالح الأعمال وتمهير على جميل السلوك والأقوال وتجنب قبيحها ورذيلها. لهذا وجب التنبيه إلى استثمار حصيلة رمضان وتنميتها وترجمتها ببرنامج عبادة يؤطر حياة المؤمن والمؤمنة هذه أبرز معالمه:

1. الصلاة في وقتها

الحفاظ على الصلوات الخمس، إسباغا لوُضوئها وتمسكا بآدابها الظاهرة والقلبية وحرصا على وقتها وسعيا حثيثا دؤوبا للمسجد، عنوان الفلاح. فهل يُعقل أن يحافظ المؤمن والمؤمنة على صلاتهما خلال رمضان ويغدُوَا فيها من الساهين بعده؟ ومع الصلوات المكتوبة تُؤتى السنن والرواتب القبليّ منها والبعديّ جبرا لكسر غفلاتنا في الصلوات الخمس عسى أن تكتب كاملة.

2. ليلة قدر متجددة

تاج عشر العتق من رمضان ليلة القدر تلتمس في الليالي الوترية من عشره الأواخر، هذا ثابت معلوم، ومن الثابت كذلك إخباره صلى الله عليه وسلم أن الرب جل وعلا ينزل إلى السماء الدنيا ـ التأكيد على الدنيا تربية ومراعاة لقصر نظر الإنسان، وإلا فالحق سبحانه لا تسعه السموات والأرضين، وهو سبحانه أقرب إلينا مما قد يُتصور ـ يعطي السائل سُؤله ويغفر للمستغفر ذنبه، يتجدد ـ ولا نقول يتكرر ـ ذلك كل ليلة ويعرض سبحانه فضله لذوي الهمم والإرادات المتوثبة؛ ولعل رمضان بما تيسر فيه من تراويح وتهجُّد يكسب المؤمن والمؤمنة الاستعداد لتقييد اسميهما في كتاب من تتجافى جنوبهم عن المضاجع ويُرشحهم التوفيق الإلهي لدخول الجنة بسلام.

3. القرآن لا يُهجر

كلام الله تعالى ووحيه وحبله الممتد، أُمِرنا بتلاوته آناء الليل وأطراف النهار وحفظه حرفا ومعنى، تيّسر للمؤمن والمؤمنة مجالسته وختمه مرات ومرات، وسكنت جوارحهما بتدبره، فهل من الكياسة أن يُهجر القرآن الكريم ويُطوى مصحفه ويُركن على الرف في انتظار رمضان قابل، إن كان في العمر بقية؟ ألا فلتتَّقِيا ربكما ـ أيها المؤمن، وأيتها المؤمنة ـ حتى لا تدرجا في سلك من اتخذوا القرآن مهجوراً!

4. لا تكن من الغافلين

الصيام بكل طاعاته ذِكر وعبادة لله، ومن الذكْر أن يخصص المؤمن والمؤمنة وقتا يجالسان فيه ربّا يَذكر، كرما منه سبحانه، من يذكره. وفي الحديث: أنا جليس من ذكرني. فليحرص المؤمن والمؤمنة أن يكون لهما موعد ثابت متجدد لذكره جل وعلا، كلمة طيبة مجددة للإيمان واستغفار حاط للذنوب والخطايا وصلاة على الحبيب منورة القلوب ماحقة الفقر جالبة البركة وتسبيح في الغدو والآصال.

5. اللهمّ إني صائم

جواب الصائم والصائمة على أي استفزاز إعراضا عن الخوض فيما يخدش الصيام من سباب أو لغو أو غيرهما؛ وحريّ بالمؤمن والمؤمنة أن يتحول هذا الجواب شعاراً ينظم سلوكهما فيدعان خوادش الإيمان ونواقض المروءة، ويكتسبان تلقائيا محامد الأخلاق والسلوك مع النفس والأهل والجيران وفي سائر مجالات الحياة.

6. وأتبعه ستّا من شوال

حرصا منه صلى الله عليه وسلم على الخير والثواب لأمته ما ترك خيرا إلا حض عليه، وما ترك شرا إلا نبه إليه. وفي هذا السياق، جاء حثه صلى الله عليه وسلم على صيام ست من شوال لينال المؤمن والمؤمنة ثواب صيام الدهر/السنة. وحيث إن الصيام من أرقى العبادات، حرَص صلى الله عليه وسلم على صيام التطوع ومنه أيام الإثنين والخميس والأيام البيض من كل شهر وعاشوراء ويوم عرفة، فيكون بذلك للمؤمن والمؤمنة مواعيد متجددة يدعان فيهما اللغو وفضول الكلام صونا لإيمانهما. صوم تطوع يوفر في الأسر والبيوت أجواءً ربانية تتنزل بها الرحمات وتفيض البركات.

7. البر بالوالدين

موافقة لطيفة جاءت تنبيها وتحذيرا على لسانه صلى الله عليه وسلم، فقد اعتبر من لا ينطق عن الهوى أن المحرومِين من رحمة الله تعالى صنفان من الناس: مُفرِّط مُضيِّع لرمضان ومُضيِّع مُفرِّط في حقوق والديه. هؤلاء أدركوا رمضان ولم يغنموا فضله وأنواره وفيض رحمات الرحمن، وهؤلاء أدركوا والديهم أو أحدهم ولم يلتمسوا ثواب البر لمن قَرَن الحق سبحانه طاعته بطاعتهما وأمرنا بشكرهما والإحسان إليهما اعترافا بفضلهما. ولأن من مقتضيات الإحسان الإتمام، وجب طرق باب رحمته سبحانه بدوام البر والإحسان لوالدينا خدمة وذلة أحياءً، ودعاءً واستغفارا وتفقُّدا لمعارفهما أمواتا.

8. خيركم لأهله

تخيِّم أجواء الصيام وربانيته على البيوت فتغمرها ـ هذا هو المفروض ـ تطاوعا وتراحما وأنسا فتغيب مظاهر التنافر في البيوت ويُكتشف أن مفتاح الاستقرار الأسري بذل وتفهم متبادلان وتجاوز وصفح من الطرفين أو الأطراف؛ وحتى لا يكون رمضان شهر هدنة ووقفٍ لإطلاق نار فاحش القول وقبيح السلوك، الأولى أن يكون فترة تقويم يراجع فيه كل طرف سلوكه ويسعى لتهذيبه تشوفا لمقام خيرية بشر بها من كان نموذجا لصحبة أهله ومعاشرتهم.

9. أنفعهم لعياله

الخلق عيال الله، ومن أحسن لخلقه تفريجا على المكروب وتيسيرا على المُعسر وشفقة على الضعيف ورأفة باليتيم وتعليما للجاهل وإصلاحا لذات البين، استحق أعظم الثواب وجزيل الأجر. السعي لنفع الناس وصية نبوية تضمنتها خطبته صلى الله عليه وسلم استعدادا لاستقبال شهر رمضان، تنويعا للطاعات ومضاعفة لفرص الظفر برضاه عز سلطانه؛ سعي مطلوب في رمضان كما في غيره، بل إن الأعمال يعظم أجرها بحسب نية إتيانها وأثرها وفائدتها. وفي الحديث: “رب عمل صغير تعظمه النية…”.

10. التهمم بأمر المسلمين

نبه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن السعي لقضاء حاجة المسلم يعظم ثواب عقود من الاعتكاف، فكيف إذا كانت هذه الحاجة هي انبعاث الأمة والسعي للتمكين لدينه هداية للخلق ونصبا لميزان العدل وإقامة لصرح عمران أخوي تتفيأ البشرية ظلاله. لذلك، ليس عجبا أن يرتبط شهر رمضان بالجهاد إعلاء لكلمة الله وذودا عن دعوته. ومن أهم أبواب الجهاد استشرافا لغد الإسلام جهاد البناء، تربية وتعليما وتوعية وتعبئة وحجة؛ أبواب جهاد تُترجَم تحزبا لله في زمن استهدف فيه الإسلام وأضحى تهمة تكالبت للنيل من مشروعه التحرري قوى الاستكبار. تحزب لله على نور من كتابه وهدي من نبيه باب يرتقي به المؤمن والمؤمنة درجات المجاهدين متى صدقت النيات.

شهر رمضان إذن محطة للتزود ومرحلة للتدريب على صالح الأعمال وكريم الخصال، وحري بمن ذاق حلاوة الإيمان تطلعت همته لطلب المزيد، ومن عرف حقيقة فضل رمضان وعظيم عطايا الرحمن وذاق بطاعاته طعم الإيمان لزم باب ربِّ رمضان؛ فإنما رمضان شهر من الشهور، والعبرة بالمداومة والاستمرار، إذ لا نبات لشجرة الإيمان دون ثبات على الطاعات، وفي الحديث: “خير الأعمال أدومها ولو قلت”، فكيف بالواردات الإيمانية إذا تعددت الطاعات وتنوعت.

وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين.