ليس العنوان لفيلم رعب هندي أو أمريكي، ولا هو عنوان لرواية مفزعة من روايات أكاتا كريستي. إنما هو عنوان للمشهد السياسي المغربي المرعب.

عاش المغاربة ومعهم متتبعون من دول العالم فصول الفيلم/الحدث، الذي كان بطليه الرئيسيين: العرش متمثلا في القصر الملكي المغربي، والوحش المتجسد في البيدوفيلي دانيال الاسباني. إذ أصدر العرش عفوا عن الوحش، فانتفض الشارع فتم سحب العفو وافتدى العرش فضيحته بالكبش.

العرش “المقدس”

العفو من شيم النبلاء ومن محاسن أخلاق الشرفاء، وهو عند المقدرة شهامة وكمال الرجولة، وتقنينه في الدستور يوحي بالصلاح. إلا أن أرسطو علمنا -في كتابه السياسة- أن القوانين تكون صالحة في الحكومة الصالحة وسيئة في الحكومة الفاسدة. صدق أرسطو، فقانون العفو النبيل الشريف -في المغرب- أسيء له في ظل حكم فاسد. وأي فساد أكثر من عفو عن وحش اغتصب 11 طفلا وغادر البلاد بجواز سفر منتهي الصلاحية، مباشرة بعد العفو عنه. ما جعل الشارع المغربي ينتفض ساخطا على القرار، وسحل في الشوارع وسالت دماؤه دفاعا عن عرضه، و لم يحرك العرش ساكنا إلا بعد أيام ليخبرنا أنه لم يكن على علم بالأفعال التي اقترفها البيدوفيلي، وعبر عن أسفه عما جرى ولكنه لم يعتذر. لماذا لم يعتذر؟

الجواب يقدمه الكسيس دي توكفيل في كتابه “الديمقراطية في أمريكا” على أن صيرورة الحكم الديمقراطي الأمريكي لا يتأثر لمجموعة من الأسباب اختصرها في ثلاث أساسية وهي:

أولا- إن الحكام يوجدون باستمرار تحت مراقبة المواطنين.

ثانيا- الحاكم الديمقراطي لا يملك السلطة إلا لمدة قصيرة.

ثالثا- إن مصالح الحكام الخاصة يجب أن تتقاطع مع مصالح عموم الناس.

إنها الأسباب التي تجبر الحاكم على الاعتذار.

انطلاقا من هذه الأسباب نطرح الأسئلة التالية: هل الحاكم عندنا يوجد تحت المراقبة المستمرة للمواطنين؟ وهل ولاية الحكم عندنا محدودة بمدة قصيرة؟ وهل مصالح الحكام الخاصة تتوافق ومصالح عموم المواطنين؟

سادتي تعرفون الجواب:

العرش في المغرب فوق المحاسبة والمراقبة بل هو مقدس. نعم؛ لا يزال العرش مقدسا ولو أزيلت لفظة “مقدس” التي نص عليها الفصل 23 من الدساتير السابقة على دستور 2011 والتي جاء فيها أن شخص الملك مقدس لا تنتهك حرمته)، وأزيلت هذه اللفظة من دستور 2011 من خلال الفصل 46 الذي ينص على أن شخص الملك لا تنتهك حرمته وللملك واجب التوقير والاحترام)، إلا أن الفصل 175 يشير إلى أن من بين الأحكام التي لا يمكن تناولها بالمراجعة “النظام الملكي للدولة”.

العرش مخلد في الحكم لا يؤمن بالحكم لمدة محدودة، فالفصل 43 من الدستور الجديد يشير إلى أن عرش المغرب وحقوقه الدستورية تنتقل بالوراثة إلى الولد الأكبر سنا من ذرية جلالة الملك محمد السادس، ثم إلى ابنه الأكبر سنا هكذا ما تعاقبوا ما عدا إذا عين الملك قيد حياته خلفا له ولدا أخر من أبنائه غير الولد الأكبر سنا، فإن لم يكن ولد ذكر من ذرية الملك، فالملك ينتقل إلى أقرب أقربائه من جهة الذكور، ثم إلى أبنائه طبق الترتيب والشروط السابقة الذكر). في ظل العرش لا وجود لحكم تناوبي ولا هم يحزنون، فالعرش وحده فقط هو ضامن دوام الدولة واستمرارها) (الفصل 42).

أما فيما يخص تداخل مصالح الحاكم بمصالح المواطنين، فالقاصي والداني يعلم أن المغاربة سوق محتكرة لاستهلاك بضائع ومنتجات الهولدينك الملكي، ويكفي الاطلاع على كتاب “الملك المفترس” لتعرف حجم هذا “التداخل”. ولم ترفع حركة 20 فبراير المجيدة عبثا شعار “لا لحاكم يجمع بين السلطة والثروة”.

الوحش المدنس

حضر الوحش دانيال إلى المغرب لأنه على علم بأن عيون المخزن مفتوحة بصيرة لا تنام لحراسة الحاكم ومن يدور في فلكه، وآخر ما تفكر فيه هو الشعب، لأن المخزن استوعب تماما تعريف أفلاطون لكلمة الشعب في كتاب الجمهورية بأنها مجموعة اجتماعية، فئة تفتقر إلى الغنى والمعرفة والكفاءة السياسية… لا تمتلك تقريبا إلا الشيء القليل، إنها الأكثر عددا وقوة في حالة تجمعهم). لذلك فالأخطبوط المخزني لا يحمي الشعب الفقير ماديا ومعرفيا وعلميا، لذلك فضل خدمة أصحاب الجاه والدهاء وحرص على منع أي محاولة لتجمع الشعب واتحاده، لمنعه من امتلاك القوة. ويبدو أن الوحش دانيال استوعب الشطر الأول من تعريف أفلاطون، فاستغل براءة وفقر ضحاياه واشترى ما شاء بالمال؛ ألم يكن جوابه في المحكمة “في المغرب كل شيء تحصل عليه بالمال”؟

قضى الوحش وطره مخلفا وراءه ضحايا يعانون في صمت، فقد كشفت قضية المعلم المتقاعد البيدوفيلي الفرنسي “مارك دوترو” من لنييفر، الذي افتضح أمره صيف 1996 الذي اعتدى على تلامذته – أصبحوا راشدين الآن وبعضهم رب أسرة- أنهم ما زالوا يعانون من ندوب لا تنمحي من جراء محنتهم بسبب الخوف و الخجل والتردد.

خلف دانيال وراءه قوانين معطلة، مثل الفصل 2-503 من القانون الجنائي الذي ينص على أنه يعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات وغرامة من عشرة آلاف إلى مليون درهم كل من حرض أو شجع أو سهل استغلال أطفال تقل سنهم عن ثمان عشرة سنة في مواد إباحية، وذلك بإظهار أنشطة جنسية بأية وسيلة كانت سواء أثناء الممارسة الفعلية أو بالمحاكاة أو المشاهدة أو أي تصوير للأعضاء الجنسية للأطفال يتم لأغراض ذات طبيعة جنسية. )تطبق نفس العقوبة على كل من قام بإنتاج أو توزيع أو نشر أو استيراد أو تصدير أو عرض أو بيع أو حيازة مواد إباحية من هذا النوع. )يعاقب على هذه الأفعال حتى لو ارتكبت عناصرها خارج المملكة..).

شيء مضحك أن نطمع أن يحمينا مثل هذا الفصل خارج المملكة، في غير أرضنا ولا سيادتنا ولا “ديمقراطيتنا” وهو لم يحمنا داخل بلدنا.

أكد الوحش أن ما جاء في تصدير الدستور هو فقط لتصدير وهم الانتقال الديمقراطي، إذ جاء فيه أن المملكة المغربية، وفاء لاختيارها الذي لا رجعة فيه، في بناء دولة ديمقراطية يسودها الحق والقانون، تواصل إقامة مؤسسات دولة حديثة، مرتكزاتها المشاركة والتعددية والحكامة الجيدة، وإرساء دعائم مجتمع متضامن يتمتع فيه الجميع بالأمن والحرية والكرامة والمساواة، وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية ومقومات العيش الكريم، في نطاق التلازم بين حقوق وواجبات المواطنة..). يا سلام… أمن وكرامة وحرية وعدالة اجتماعية وحكامة جيدة و… وهل من مقتضيات ذلك كله ومن مقتضيات الحكامة الجيدة أن يصرح مسؤولو بلادنا الذين ابتلينا بهم “ما فراسيش وما فخباريش وما علباليش…”؟

زاد الوحش الشعب يقينا أن السلط في المغرب في قبضة كف واحدة، تنفذ أوامر رجل واحد، وتقنن من أجل رجل واحد، وتحكم باسم رجل واحد. فالجواب الذي قدمه جاك روبير عن سؤال ماذا يوجد في الدستور؟ كان “بدون تردد إننا نجد الملك”.

كشف الوحش أن الأحزاب المخزنية استوعبت جيدا ما تضمنته المادة 68 من قانون الأحزاب السياسية رقم 11-29 التي تنص تختص المحكمة الإدارية بالرباط بالنظر في طلب الحل الذي تتقدم به السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية بشأن حل حزب سياسي… يهدف إلى المس… بالنظام الملكي)، فالعفو الملكي من النظام الملكي، لذلك فضلت هذه الأحزاب الصمت عن العفو خوفا من أن تنزل عليها مطرقة السلطة المكلفة بالداخلية كما نزلت على أبناء الشعب تدق رؤوسهم في شوارع المغرب.

عرى الوحش درجة الموت السريري الذي أصاب علماء المخزن، فلم ينطقوا بكلمة واحدة حول الحادث، وما أنطقوا ظهير 22 أبريل 2004 الذي حدد مهامهم، أولها صيانة مقومات الشخصية المغربية والإسهام في تحصينها)، وكأن عقولهم المغشية استوعبت أن المهمة هي “خيانة مقومات الشخصية المغربية والإسهام في تحقيرها”، فبماذا نفسر صمت القبور هذا؟ ربما الخوف؟ أو ربما استيعابهم لقواعد اللعبة المخزنية؟ أو اتعاظهم بمصير من خرج عن الطوع وعن الحدود الحمراء وهي غير حدود الله؟ ألم يتم عزل عدد من خطباء المساجد لأنهم تحدثوا بما لا يليق عن مهرجان موازين؟ ألم يتم إعفاء رئيس المجلس العلمي المحلي لعين الشق بالدار البيضاء السيد رضوان بن شقرون لموقفه من مشاركة أحد المطربين الشواذ جنسيا في مهرجان موازين في ماي 2010؟ ألم…؟ ألم…؟

كشف الوحش “دانيال” أن المجتمع المدني في المغرب هو في معظمه -حسب تعبير الدكتورة هند عروب- “مجتمع مدني ملكي”، يتصدرون قائمة المدافعين باستماتة عن مطالب الشعب وهم يتلقون الدعم من أولئك الذين يحتج ضدهم الشعب. صدعوا رؤوسنا “لا للمس” فتبين أن شعارهم الحقيقي “نعم للطمس”، فما إن افتضح أمر العفو عن الوحش حتى شرعوا في طمس الحقيقة، وقالوا إن الأمر فيه مصلحة للوطن. ذكرنا ذلك بشكوك المراقبين في استقلالية اتحاد كتاب المغرب الذي كان يتقدم المسيرات التضامنية مع الشعب العراقي، وهو يتلقى في الوقت ذاته دعما ماليا من دولة الكويت لطبع بعض المنشورات الصادرة باسمه. لقد أعادت الواقعة طرح إشكالية، كيف يستقيم الحديث عن مجتمع مدني مغربي حديث والدولة لم تنضج مؤسساتها؟ هل يمكن الحديث عن مجتمع مدني حديث ولم تنته بعد رموز القداسة من الحكم؟ وهل شعار “إقامة مجتمع مدني ديموقراطي” يتماشى ووجود حكام ثيوقراطيين، يرفضون الاحتكام إلى شرعية المبدإ الديموقراطي؟

أكد الوحش أن الشعب قد يصبر على الجوع وعلى البطالة وعلى المرض وعلى أي شيء إلا المس بكرامته، حينها يصير هذا الشعب أسدا زئيره يزلزل العروش وهبّته ترعب الجيوش. فالضحايا أبناؤه وهو مستعد للذهاب بعيدا بعيدا، من أجل استعادة كرامته.

أكد الوحش أن العرش اهتز واحتار وتردد، وعوض الاعتذار والرضوخ لمطالب الشعب، عمد إلى الالتفاف والمناورة كما هي عادته- مثل صنيعه مع مطالب حركة 20 فبراير- وحاول الخروج من الفضيحة بوجه مشرف، تزينه أبواق الإعلام والمحللين السياسيين ذوي الألقاب الفخمة “رئيس منتدى… خبير في الشؤون… رئيس تحرير… مدير مركز…”. فأصدر العرش بلاغات تمتح من أسلوبه المخزني التقليدي الخالي من أي كلمة اعتذار، فقدم كبش الفداء حتى لا يظهر أنه متورط في الفضيحة.

النهاية

إن من يفضل الاشتغال في الظلام تكثر عثراته، ومن يحبذ السباحة في الماء العكر يكثر ارتطامه، ومن يظن أنه يتقن فتل حبل الحيل، يسرع أجل شنقه. فإن اغتر المخزن بدهائه ومكره وقوته التي تمكنه من الالتفاف على المطالب المشروعة للشعب، فيقين –إن استمر في نهجه الاستبدادي- أنه سيأتي اليوم الذي سيرفع فيه الشعب شعار عنوان هذا المقال مع استبدال الواو بنقطتين.

حينها سيتم الإعلان عن نهاية الفيلم المخزني المرعب.