في البداية أود أن أقدم التعازي الحارة والخالصة لعموم الشعب المغربي جراء المصاب الجلل الذي ألم بكل المواطنين والمواطنات’والمتمثل في اغتيال الكرامة المغربية والتحاقها بالرفيق الأعلى. ونحن نودع قيمنا الواحدة تلو الأخرى، ليس أمامنا إلا أن نبعث فينا روح الكرامة المغتالة أو أن نلتحق بها. فالموت بعد الكرامة أومن أجلها أحب إلى الشرفاء من حياة الذل والمهانة والمشي على البطون. ومبتغى هذه الكلمة هو النفخ في جمرة الكرامة المدفونة في رماد الذل والظلم لعلها تتوهج فيأنسها المواطنون والمواطنات، ليأخذوا منها قبسا يخرجهم من ظلمة القهر والذل والاستخفاف بالعقول. أزعم أن هذه الكلمة هي قبس من كرامة يدعو كل التواقين إلى هذه القيمة أن يهتدوا من خلال هذا القبس لإداركٍ عميق لما حدث وما يحدث وما سيحدث إن نحن أبقينا على نفس الآلة المنتجة لمثل هذه الوقائع والتي أعتبرها تتمثل في الدستور الحالي.

وبناء على هذه المقدمة المحزنة أقول: إن الإنسان قد يكون مصابا بمرض مزمن وخطير وسرطاني لكنه قد لا يشعر بهذا المرض وهو ينخر جسده ويتسبب له في أعراض لا يعلم هذا المريض سببها، بل وقد ينكر حتى وجود هذا المرض. لكن نفس المريض قد يصاب بمرض عادي فيسوقه الفحص الطبي إلى اكتشاف السرطان والورم. والحالة هذه يكون من العقل أن يركز هذا المريض على أصل المرض وليس أعراضه لأن استئصال ورم السرطان أو حصره على الأقل أهم من الانشغال بالأعراض الخفيفة والعابرة. وقياسا عليه أعتبر أن قضية الاغتصاب الوحشية التي لم تغتصب أحد عشر طفلا فحسب وإنما اغتصبت كرامة كل المغاربة، وما تلاها من عفو ملكي ما هو إلا مظهر عرضي لورم سرطاني اسمه: الفساد، والاستبداد، وتأليه الأشخاص، وجعل الحاكم فوق القانون. وهو أيضا عنوان لغياب المؤسسات الحقيقية وانعدام المسؤولية المقرونة بالمساءلة، وبلغة طبية يمكن تسمية هذا الورم بفيروس “حكم الشخص الواحد”، الذي يفوض له الدستور بالهيمنة والسيطرة على كل دواليب الحكم. وقد يعتبر البعض أن هذا التحليل هو قفز على الأحداث وَلَيٌّ لذراع الحقائق، ولهؤلاء أُدلل وأُبرهن وأقول: ماذا لو لم يكن شخص الملك فوق القانون، أكان من الممكن أن يمر هذا العفو دون تمحيص قانوني؟ ماذا لو كانت المؤسسات القضائية والتنفيذية مؤسسات حقيقية مستقلة في قراراتها أكان لقرار العفو أن يُمرر دون مشاورتها فبالأحرى دون علمها؟ ماذا لو كان الدستور الممنوح دستورا شعبيا، أكان الملك كمسؤول أعلى في الدولة سيوقع على وثيقة العفو دون مراعاة لكرامة عامة المواطنين؟ ماذا لو كان القضاء مستقلا وتترأسه شخصية قضائية بدل شخص الملك، أكان سيُمرر العفو دون اللجوء إلى مؤسسة القضاء واستشارتها حول قانونية هذا الموقف ذرءا لأية متابعات قضائية؟ ماذا لو كانت الحكومة حكومة شعب وليست حكومة شخص، أكان بمقدور الشخص الحاكم أن ينفرد باتخاذ قرار العفو دون علم مؤسسة الحكومة؟ ماذا لو كانت الأحزاب حقيقية والبرلمان المنبثق عنها حقيقي، أكان ممكنا أن يُتخذ قرار العفو دون مناقشته في البرلمان، سيما وأننا نتحدث عن قرار متعلق بعلاقة خارجية أي العفو عن أجانب؟ ماذا لو كان الناس كلهم في الدستور تحت سلطة القانون، حاكم ومواطن، أما كان لهذه الحالة أن تستدعي البحث عن المسؤولية السياسية والمسؤولية الجنائية الكامنة وراء الاغتصاب والعفو معا؟ والسؤال الأهم ماذا لو لم ينـزل شرفاء هذا البلد وشريفاته إلى الشوارع احتجاجا على هذا العفو الجائر، وتحملهم للضرب والسحن والسب، أكان لهذا القرار أن يتم التراجع عنه؟ ماذا لو كُممت الأفواه الحرة وتعالت عوضها أفواه التعظيم والتبجيل والتقديس لشخص الحاكم، أكان للحاكم أن يُقر عمليا على الأقل بتفاهة هذا العفو الجائر؟

كل هذه الأسئلة المتناسلة والتي قد لا تتوقف تقودنا إلى التشخيص السليم وراء وقوع مسلسل الاغتصاب المستمر والخلفيات الكامنة وراء العفو الملكي. وبناء عليه فإنني أعتبر أن وجود دستور يمنح صلاحيات مطلقة للملك ويضمن له الحصانة القانونية في تصرفاته هو الغطاء الذي يشجع وينتج ممارسات من قبيل هذا العفو المشين. إن ممارسة العفو بهذه السلطة المطلقة مدعاة للتساؤل عن مدى صلاحية الدستور الحالي وموافقته لتطلعات الشعب المغربي. إن تكديس السلطات في يد شخص واحد ومنحه حق ترأس كل السلطات يجعل من الحاكم شخصا فوق المؤسسات، ويُفرغ هذه المؤسسات من دور الرقابة والمتابعة والنقد. فرئاسة شخص الملك لمؤسسات السلطات الثلاث يجعل من قراره، قرار لهذه السلطات ويدفع القائمين عليها بقوة الدستور والقانون والأعراف المؤسساتية إلى الالتزام بقرارات الرئيس والإذعان لها بل وتبريرها والدفاع عنها ولو لم يعلموا بوجودها وحقيقتها، وهذا ما رأيناه عند بعض الوزراء الذين برروا العفو الملكي بالمصالح الوطنية المتعلقة بالخارج، وهو لعَمْرِي خير دليل على صورية هذه المؤسسات من جهة واستحواذ شخص الملك على قراراتها. وبالتالي يبقى تحميل هذه المؤسسات مسؤولية ما يقع في ظل هذا الدستور ضربا من العبث. إذا فالمدخل جلي وواضح ولا مناص من اختياره، وهو رفع هذا التكديس للسلطات ونبذ مبدإ جعلها في يد واحدة، ثم تجاوز العقلية الأسطورية التي ترى في الحاكم super man الذي يفهم في كل شيء ويستطيع فعل كل شيء، بل ويمتلك القدرة على الاستمرار في ذلك من سنة توليه للحكم حتى ساعة وفاته. في حين نجد أن رؤساء الدول التي تحترم نفسها وشعوبـها، لا يتجاوز الممارسون للسلطة الحقيقيين فيها ولايتين أي ثماني سنوات. أما من يريد الخلود فيُمنح صفة شرفية في البلاد.

إن اللحظة التاريخية التي نعيشها تستوجب منا تجاوز الشجرة لنرى ما يقع في الغابة، ذلك أن العودة لطرح مسألة الدستور تُعد الآن من أولى الأولويات، لماذا؟ لأن التستر على الجريمة هو جريمة يعاقب عليها القانون. كما أن تقديم المساعدة إن من بعيد أو من قريب لأي مجرم هو مشاركة في الجريمة؛ وعليه نقول إن منح الدستور الحالي لصلاحيات مطلقة للملك هو في حقيقة الأمر غطاء دستوري وقانوني أدى وسيؤدي عاجلا أم آجلا إلى الوقوع في الشطط، وما مسألة العفو الملكي إلا دليل وحجة على ذلك. وبالتالي وجب التفكير العميق في فصل حقيقي بين السلطات، وتحرير هذه الأخيرة من التبعية المشخصنة والتوجيهات الفوقية وتحكيم القانون في تسييرها وتدبيرها، ومنح القائمين عليها سلطة الفعل وحق رقابة باقي السلطات وفق ضوابط واضحة وشفافة. كما يجب ربط المسؤولية بالمسائلة، فلا يمكن في بلد يدعي الديمقراطية أن يوجد مسؤول لا يحق لأحد مساءلته بل واعتبار أن أي مساءلة أو مراجعة لقراراته هي انتهاك لحرمته، سيما وأن بعض العبيد يعتبرون مسايرة الحاكم في قراراته السليمة منها وغير السليمة نابع من واجب التوقير والاحترام لشخص الملك وتطبيق للفصل 46 من الدستور. فهذا التأويل ينم عن الخبل والهوس الذي أصاب هذا الصنف من المواطنين. إننا هنا لا نتحدث عن الملك كشخص، وإنما نتحدث عن الملك كمسؤول يؤدي وظيفة سامية داخل الدولة، وعليه فإن قبوله بالاستحواذ على كل السلطات بترؤسها وإفراغها من دورها الحقيقي، يجعل المساءلة مضاعفة إن على المستوى الأخلاقي أو السياسي. فإذا أردنا مثلا أن نسائل القضاء عن موقفه من العفو الجائر، ألفينا أنفسنا أمام الملك كرئيس للمجلس الأعلى للقضاء. وإذا أردنا أن نساءل الحكومة عن موقفها من هذا العفو وجدنا أنفسنا أمام الملك كرئيس للمجلس الحكومي، وقس على ذلك في سائر المؤسسات والمجالات. وإذا ما أردنا نحن كمغاربة توصيف الوضع بما هو قائم على الأرض، سنجد أن هذه المؤسسات التنفيذية القضائية والتشريعية تعتبر كلام الملك توجيها يعلو ولا يُعلى عليه فكيف يمكن لها والحالة هذه أن تنتقد أو تراجع قرارا ملكيا ما.

إن حالة الفوضى التي كشف عنها قرار العفو الملكي وقرار التراجع عنه يؤكد أن الدستور الحالي قد أدخلنا في حالة من التخبط الحقيقي والفوضى المؤسساتية المُعلنة. فإنكار جل المؤسسات المعنية بأنها كانت على علم بقرار الإفراج عن مغتصب الأطفال تبعث عن القلق الشديد حول أمن البلاد والتساؤل عن “الجهة الهلامية” التي كانت وراء هذا التصرف. والسؤال: من يقرر داخل هذا البلد؟ أجيب وبصراحة أن حالة الهيمنة الواقعية للمؤسسة الملكية على دواليب الحكم هي التي تضعف مسؤولية باقي السلطات وتمنعها من ممارسة النقد والتقويم والتعديل. ففي بلد كالمغرب يمكن لأصغر موظف في الديوان الملكي أن يعبث بقرارات مؤسسات مستندا إلى انتمائه لهذه المؤسسة. وهذا الغطاء يجب أن يُرفع عاجلا حتى توضع كل مؤسسة أمام مسؤوليتها، وعلينا أن نثمن ذلك بدستور جديد يضمن هذه الممارسة. إن التراجع عن العفو الملكي لا يمنع من ضرورة الوقوف على تحديد المسؤولية السياسية والمسؤولية الجنائية تجاه الفاجعة التي ألمت بكل المغاربة والتي اعترف الملك عمليا بجسامتها. إن وقوفنا على كل أشكال الخلل التي رافقت العفو الملكي تؤكد أنه ثمة مسؤولية سياسية يجب المساءلة عنها والمحاسبة عليها. فمثلا في دولة فرنسا عندما أُصيب مرضى فرنسيون بداء السيدا جراء حقنهم بدماء ملوثة في أواسط التسعينيات استقال وزير الصحة وكادت الحكومة الفرنسية آنذاك أن تسقط بناء على المسؤولية السياسية. أما الحديث عن المسؤولية الجنائية فقد تحمل مدير المستشفى والأطباء هذه المسؤولية وقُدموا جميعهم لمحاكمة قضائية. إذا يجب الفصل بين المسؤولية السياسية التي يتحملها الطرف المباشر في الحكم والمسؤولية الجنائية التي يتحملها الفاعل المباشر. ذلك أن التقصير في الأداء السياسي هو الذي يتسبب في انتشار وقائع كهذه التي نعيش. والحالة في المغرب كأن لا أحد يبدو متحملا للمسؤولية السياسية وكأن البلاد تسير لوحدها، وهذا أمر يدعو إلى العجب! إن انتشار السياحة الجنسية في بلد تجثم فيه السلطة على أنفاس الناس وتحسب حركاتهم وسكناتهم، يجعل المرء يتساءل عن أسباب تفشي هذه السياحة الجنسية. هل لانشغال الأجهزة الأمنية بمراقبة التفاهات؟ أم لأنها تُغمض أعينها عن جرائم هذا النوع من السياحة تشجيعا وتحقيقا لعشرة ملايين سائح المنشودة؟

لقد آن الأوان كي نقول وبقوة كلمة صريحة وواضحة: إما المسؤولية المقرونة بالمساءلة والمحاسبة وإما التنحية والتخلية. أما امتصاص الغضب والانحناء للعاصفة ودغدغة العواطف، بإقالة هذا المسؤول وتوبيخ ذاك واستقبال هذا الطرف وتعويض ذاك، هي أساليب أكل الدهر عليها وشرب. فالمغاربة الشرفاء لا يقبلون بأكباش الفداء كقرابين للتعويض على كرامتهم أو لخطبة ودهم وإطفاء غضبهم، بل إنهم في هذه اللحظة التاريخية يطالبون كل مسؤول بتحمل مسؤوليته وتبعات تصرفاته. فالشعب قد سئم من عزل فلان من منصبه أو الحكم على آخر بسنة حبسا، بعد أن نهبوا وسرقوا وأهدروا كرامة البلاد والعباد. إن المغاربة بغضبتهم الأخيرة أكدوا ويؤكدون أن زمن الاستخفاف بالعقول والتهديد بالقمع والعنف قد ولّى، وأنهم بوقوفهم في وجه العفو الملكي وجهوا رسالة قوية مفادها أن لا أحد فوق غضب الشعب ولو كان الدستور يجعله فوق القانون.

وفي الأخير أتقدم بتحية خالصة لكل الفضليات والفضلاء الذين كسروا قيد الطاعة العمياء وصرخوا في وجه العفو الجائر وتحملوا كل أشكال العنف، حتى كشفوا جسامة الجرم المزدوج. والخزي والعار لكل من يبرر ويدافع عن أي شيء ولو كان ظلما. فما عسى لهؤلاء الناعقين أن يقولوا بعد تراجع الملك عن قرار هذا العفو المشين. فهل سيعتبرون أم تراهم جبلوا على السمع للعفو وطاعته. ثم هل ستدق ساعة صياغة دستور شعبي ديمقراطي تقترن فيه المسؤولية بالمساءلة والمحاسبة وتسقط في ظله كل أشكال الشخصنة والاستبداد والاستحواذ على السلطة؟