كلما أزفت العشر الأواخر من رمضان، خفقت القلوب، قلوب شباب دأبوا على التواعد في مثل هذه الأيام المباركة على اللقاء في المسجد والتنافس والتعاون على البر والتقوى، يُذكّر بعضهم بعضا، ويشجع بعضهم بعضا، ويرفع بعضهم همم بعض لإحياء سنة الاعتكاف، مغتنمين نعما أنعم الله بها عليهم: فراغَهم من ثقل المسؤوليات الأسرية، وصحةَ أبدانهم وقدرتَها على التحمل، وحماس الشباب. خصوصا إذا تزامنت العشر الأواخر مع أيام عطلة. يرافقهم في ذلك من هم أكبر منهم سنا ممن تقاعدوا أو أسعفتهم ظروف الصحة والشغل، وآخرون من ذوي الهمم العالية، تفرغوا لهذه السُّـنّة وادخروا إجازاتهم لهذه الأيام. وهم على تلك الحال، منقطعين لربهم، تراقبهم عيون لم تألف هذه المشاهد في شبابها فتسأل عن سر هذا السلوك الجديد، فتأتيهم الإجابة من أهل الذكر أنها سنة عظيمة، فتقرأ في وجوههم وعباراتهم دهشة من اكتشفوا الدين من جديد، ولسان نظراتهم يحكي غبطة لهذه الأجيال على هذه النعم، فما منهم إلا مشجع لابنه على الارتماء في هذا الخير والفوز مع الفائزين، وما منهم إلا سخي جواد يكرم المعتكفين ليشاركهم الفضل ويشرك معه أهل بيته، لما حبسه العذر، ويغتنم لحظات استراحة المتبتلين ليقاسمهم نفحات الليالي منجذبا بنضارة الوجوه الواقفة بين يدي خالقها، التاركة للدنيا والأهل وراءها، مستمعا لحديث الألسن الذاكرة المتهجدة، التالية كتاب ربها، ملتمسا دعاء صالحا من القلوب الساعية للطهر في شهر الله المطهِّـر. أية شحنة روحانية تلك التي تخيم على النفوس في هذه الأجواء، وأعظِم به من مشهد حين يخرج المعتكفون صباح العيد من المسجد قاصدين المصلى مسبحين ومحمدين ومهللين ومكبرين!

وعيون أخرى تظل تراقب هذه المشاهد من بعيد وربما من قريب، تسكنها الريبة مما يفعل هؤلاء الشباب، ومن ورائها تعليمات بإحصاء الأنفس والأنفاس والداخلين والخارجين، بعد أن تفشل في ثني المقبلين على ربهم عن الاعتكاف، محاولين الزج بأئمة المساجد في الحرب على هذه السُّــنّة، فيأبى الفضلاء الكرام أن تتخذهم السلطة قفازات لمنع عباد الله مساجد الله، والسعي في خرابها… كيف وهم أشرف من يسعى في عمارتها؟

نقلتُ هذه المشاهد كما أعيشها كل عام منذ ما ينيف عن ست عشرة سنة في مدينة بوعرفة، وفي بعض مدن شرق المغرب الأخرى. ست عشرة سنة كان المانعون الساعون في خراب بيوت الله لا يجرؤون على مداهمة المساجد وإخراج أهلها منها، يمنعهم من ذلك ربما خشية الفضيحة وبعض ما يفيضه الله تعالى في هذا الشهر على النفوس حتى المتعودة منها على الظلم. وينقص من جرأتهم على الباطل، ربما، أن جنود الغواية والصد عن سبيل الله من الشياطين مصفدون، عل ذلك يفتح لهم باب التوبة.

ما الذي استجد هذه السنة إذن حتى تمنع وزارة الأوقاف المعتكفين من بيوت الله؟ ألم يشفع لهذا الشباب أن خمس عشرة سنة قد مرت الاعتكافات فيها على خير ما يرام؟ ألم يشفع لهم أن البلاد تعيش في ظل دستور قال عنه واضعوه ومادحوه إنه متقدم وغير مسبوق؟ أم إن التقدم والسبق هو أن تتقدم جحافل التدخل السريع عندنا في انتهاك حرمات دور العبادة وأزمنتها المباركة؟ ألم يشفع لهم أنهم في بلد لم يترك القائمون فيها على الشأن الديني من أوصاف زمن النبوة والخلافة الراشدة وصفا إلا خلعوه على نموذجهم من دون كل مسلمي الدنيا؟ فمن إمارة المومنين إلى الأمن الروحي إلى بيعة الرضوان… أم إن الأمن الروحي أن تهجم جحافل قوات الأمن على المساجد، لتروع أرواح الباحثين عن الطمأنينة في ظلال بيوت الله، وتحارب السُّـنَّة في خير الشهور وتُـرعى الرذيلة وتُـحمى أوكارها ويُـصرف عليها من أموال الشعب المغلوب على أمره؟ ألم يوقظ في قلوب هؤلاء القوم من العبر شيئا أن يروا رئيس دولة يطوف على المساجد يؤم المصلين ويحثهم على الاعتصام بالله تعالى والتمسك بالسنة وقد كان بالأمس المطارَدَ من أجهزة القمع أن يقول ربي الله؟ أم حسبوا أن تستثنيهم سنة الله وتَـحُـول دونهم وإياها الألقاب وقبضة البطش وحَـمَـلة سياط كالأذناب؟

إنكم يا قوم تزيدوننا كل يوم يقينا أنكم لستم سوى حراس على بيت هو أوهى من نسج العنكبوت، بلغ من ضعفه أن تستنفركم وجنودَكم ثلة من الشباب الأعزل اللاجئ إلى ربه، وتزيدوننا يقينا أن هذا الشباب ما هو إلا شباب ناشئة الليل الأشد وطءا على جوركم والأقوم قيلا في فضح زيف شعاراتكم، وكذلك سيبقى بإذن ربه شاهدا بالقسط عليكم وعلى كل من عَـلِـق في شباك عناكبكم، ومنهم العلماء والدعاة يا حسرتاه! أما أنتم يا شباب فهنيئا لكم ما نويتم وما سيُنيلكم الجواد الكريم من الأجر مما ينيله رجالا حبسهم العذر والغدر. لقد أُخرجتم من مساجد الله إلا أن تقولوا ربنا الله، ولأنكم تدخلون المسجد لتعبدوا الله وحده وتمجدوا الله وحده وتعظموا الله وحده، ولأنكم ترفعون أكفكم بالدعاء الخالص لله وحده، ولن ترفعوا برقية ولاء وإخلاص لأحد، ولأنكم لا تملكون سوى وجوهكم النضرة التي جعل الرحمن لكم بها في قلوب العباد ودا، لهذا يخشاكم من يتربصون بكم كلما أحسوا لكم أدنى حراك، فتربصوا حتى يأتي الله بأمره إن الله لا يهدي القوم الفاسقين، فتربصوا إنا معكم متربصون.