ما الذي فَضَل من إنسانية الأحد عشر طفلا الأبرياء ليعاد اغتصابها من جديد دون رحمة أو شفقة؟ ألم يكف ما اغتصب من إنسانية الآلاف المؤلفة من الأطفال المشردين، ومن كرامة الآلاف المؤلفة من الشباب المهمشين، ومن عرض الآلاف المؤلفة من نساء يسترقهن الفقر وتقتلهن الحاجة، ومن حرمة الملايين من شعب مكتّم الأنفاس مكبّل الإرادة مهضوم الحقوق، ليحرم من حقه في شفاء صدره بمعاقبة المجرم الجاني على جريمته؟ هل يستحق شعبنا المسكين أن تذبح روحه في مذبحة “العفو الملكي” وبهذه الطريقة المخزية؟ وهل يستقيم، حتى في نفس أعتى المجرمين، أن يضاف إلى الجريمة ارتكابُها في حرمة شهر رمضان المعظم بل في عشره الأواخر؟

أسئلة لا ننتظر عليها أي جواب؛ فالشعب كله يعرف الجواب، والشعب كله يدرك الجواب، والشعب كله يتقطَّع قلبه بمرارة الجواب، ويكاد ينفجر من هول هذا الجواب.

اغتصبت براءة وطفولة وطهارة براعم طرية وزهرات ندية كريمة عزيزة غالية حبيبة من فلذات أكبادنا في وطننا الحبيب، في مغربنا الحبيب، وذاق كل إنسان منا يحس ويشعر ويخفق بين أضلعه قلب حي مرارةَ “العفو الملكي” كأن هؤلاء الأطفالَ المجنيَّ عليهم مرتين أطفالُه، بينما صدر هذا العفو المشؤوم ولا دافع إنساني يسمح به، ولا نص ديني يشرعه، ولا قانون يفوض لغير الضحايا الحق في منح العفو عمن ظلمهم، ولا قراءة ولا مصالح سياسية تبرره إلا ما يبرره شَرَهُ الاستبداد إلى الافتراس ولو كانت الضحية أحد عشر طفلا في عمر الزهور.

ويدخل الجبن المذلّ، والحسابات السياسية الضيقة، والمصالح الخاصة، لتُثَلِّثَ أركان هذه الجريمة، فتتقاذف الأطراف المسؤولية كأنها كرة من النار لا أحد يجرؤ على حملها أو تحملها، فيما يفضح هذا “العفو الملكي” مستوى المسؤولية التي يتحملها المتحملون من غير استحقاق، ويهربون ويتهربون منها عند أول امتحان يعز فيه المرء أو يهان، ولا يجرؤون على مواجهة الشعب اليقظ بالحقيقة الواضحة كالشمس.

إن “العفو الملكي” عن المجرم المتوحش جاء ليؤكد الحقيقة التي أصبحت جلية في عين الشعب، وهي أن هذا الاستبداد الظالم الغاصب لا يستطيع أن يعيش إلا بمدد مزيد من الاغتصاب. اغتصاب حق الشعب في أن يحكم نفسه دون غصب أو تسلط من أحد، وحقه في أن يقتص أو يعفو عمن أجرم في حقه دون أن يسرق منه هذا الحقَّ أحد، وحقه في اختيار من يستحق حكمه دون استبداد من أي أحد.

سيظل حدث “العفو الملكي” الذي صدم المغاربة صدمة مريعة وصمة عار في جبين المخزن، بما خرم من كرامة الطفولة وقدسيتها وحرمتها. ومهما حاول الاستبداد الغاصب تبرير ما اقترفه في حق هذه الطفولة فإن “العفو الملكي” هو عفو من لا يملك حق العفو على من لا يستحق هذا العفو.