حسِب المستخفّون بإرادة الشعوب وذكائها أنهم بِحبْك عملية عزل الرئيس المنتخب محمد مرسي وتوفير شروط تنفيذها في أدق جزيئاتها سيخدعون الشعب المصري وتنطلي خدعتهم على الشعوب العربية التواقة للحرية الكرامة.

خططوا ودبروا و”طبخوا” المخطط الانقلابي على مهل، ووزعوا الأدوار، واستوعب كل طرف دوره في المسرحية/الفضيحة قبل رفع الستار، وكانوا كعادة المستبدين واثقين ـ غرورا واستكبارا ـ من النجاح والنيل من الخصم.

حسب المستخفون بإرادة الشعوب أنهم بإعلان عزل الرئيس المنتخب محمد مرسي ستطوى حقبة وتدشن أخرى، وما خالجهم شعور أو مجرد هاجس أن 3 يوليوز ستؤرخ لفضيحة تورط فيها “كبار” القرار السياسي الدولي وأعوانهم من نظم ونخب وهيئات مختلفة.

أجل، لم يسقط النظام “المباركي” بإعلان تنحية رئيسه، بل تراجع خطوة إلى الوراء لترتيب الصف وإعداد خطة المواجهة، وقد تجلى خلال مرحلة حكم العسكر، كما خلال سنة حكم الرئيس المعزول أن نظام مبارك في مختلف دواليب الدولة ظل يشتغل وبنفس الولاء والحماس، إن لم يكن قد ازداد؛ غير أن الأمر اختلف تماما يوم 3 يوليوز، حيث تداعت حصون وسقطت أقنعة، وأضحى اللعب على المكشوف.

نعم، سقطت أقنعة وانكشفت المستور، وبدا أن الغرب، كل الغرب لم ولن يبرأ من فيروس الهيمنة على شعوب العالم المستضعف، وأنّى له ذلك، وقد أسس رفاهية شعوبه على استغلال مقدرات شعوب العالم، يتاجر في بؤسها وتخلفها، لذلك لن يرضى لنا ـ معشر العرب والمسلمين تحديدا ـ الإسلام والديمقراطية، باعتبارهما طريقي الشعوب المستضعفة إلى العزة والكرامة، حسب توصيف الخبير الدكتور المهدي المنجرة شافاه الله وعافاه، والذي يعاني من الحصار والتهميش لأنه رفض تبرير الاستبداد وتزيين وجه الفساد.

سقطت الأقنعة وانكشف التآمر على الانتقال الديمقراطي في مصر، وحيكت المؤامرات لتسويق نموذج الدولة الفاشلة، ولأن القيادة في هذه المرحلة الانتقالية إسلامية، فقد تيسر ـ كما يقال ـ اقتناص عصفورين بحجر واحد: استهداف الانتقال الديمقراطي وتعطيله والتخلص من عدو استراتيجي مؤهل ـ وسيظل إن شاء الله مؤهلا ـ لقيادة انبعاث الأمة ويقظتها من كبوتها القرونية.

سقطت الأقنعة وانكشف أن الغرب عدو الشعوب التواقة للحرية والكرامة، وبارت شعارات الديمقراطية وحقوق الانسان؛

سقطت الأقنعة وانكشف أن النظام العربي التقليدي ذيل للاستكبار العالمي يرعى مصالحه ويقايض كراسي الحكم بثروات الشعوب وقضاياها وكرامتها ومستقبلها؛

سقطت الأقنعة وانكشف أن نخبا وهيئات صمَّت آذاننا مُبشرةً ومنافحة عن قيم كونية: حرية رأي وتعبير، احتكام لإرادة الشعب، الشعب مصدر السلطة… تمتلئ صدورهم عداوة لعقيدة الشعب، وتناصب قيم الأمة العداء وتمارس التقية السياسية، ولعل ما كشفته دسائس الغرف المظلمة كاف لإدانة من يُنصبون أنفسهم حُماة للتعددية واحترام الاختلاف.

سقطت الأقنعة وانكشف أن النخب المثقفة و”المبدعة” امتطت حفاظا على مصالحها الفئوية قطار الاستبداد وراحت تبشر بانبلاج فجر يوم جديد لن تكون فيه للإسلام، دين المجتمع قائمة.

سقطت الأقنعة وانكشف أن جزءاً من الإعلام تنكر لرسالته، فانحاز للفكر الاستئصالي، و”أبدع” في تضليل الرأي العام وفبركة الأحداث. وسيتحدث التاريخ عن “ثورة الفطوشوب” التي سعى القائمون عليها محليا وإقليميا ودوليا لتزييف الحقيقة انقلابا على الشرعية. والسؤال البديهي والساذج: ماذا كان هؤلاء المُطبِّلون والمؤيدون بصمتهم للانقلاب فاعلون لو أن ما يسمى ثورة 30 يونيو قادها تيار إسلامي ضد رئيس منتخب هو محمد البرادعي مثلا؟ هل سيسمونها شرعية شعبية؟ هل سيتلعثم قادة الغرب وساسته في توصيف النازلة مثلما ارتبكوا وهو يصفون ما حدث يوم 3 يوليوز؟

سقطت الأقنعة وانكشف أن أجهزة الدولة قضاءً وإدارةً وأجهزة أمنية مختلفة صنيعة الاستبداد، وعوض أن تلزم الحياد ظلت وفية لولي نعمتها، تلهج بـ”منجزاته” وتسبِّح بحمده، وتمجّد عهده، فسارعت لتكون خصما وحكما.

سقطت الأقنعة وانكشف أن الجيش القيادة المتآمرة على الشرعية تحديدا، وإلا من يجبر فعلا جنديا على إطلاق النار على أهاليه؟ وحتى إذا كان مضطرا لذلك، من أرغمه على أن يسدد ضربات قاتلة للمتظاهرين؟ أم أن الفيروس اتسع تأثيره في جسم جيش أُشرِب الحقد والعداء للمدنيين؟ ألم تُفقد هذه التصرفات الرعناء الجيش المصري صفة “الشعبية” وأحالته جيشا طائفيا، أو بالأحرى “سيسيا”؟

سقطت الأقنعة وانكشف أن “رموزا” دينية ودعوية كثيرة ملأت الدنيا بخطاب رفع منسوب مشاهدة قنوات عديدة، وشغلت الناس بمواعظها لا تستحق كل ذلك التقدير والتبجيل بسبب انحيازها إلى الاستبداد وضحالة فقهها السياسي، فهرولت تُشرْعِـنُ الاستبداد والانقلاب وتنال من ثبات المعتصمين السلميين.

سقطت الأقنعة وانكشف أن المخطط الانقلابي باطل بطلانا مزدوجا: من حيث الأساس الفكري والمعطيات والمستندات التي تأسس عليها، ومنها أن من لبوا دعوة التظاهر يوم 30 يونيو خرجوا يطالبون بانتخابات رئاسية مبكرة، ولم يخرجوا مطالبين بعزل الرئيس وتعطيل الدستور؛ ومن حيث تنكر الانقلابيين أنفسهم لما سموه خارطة طريق تعهدوا فيها بتوفير شروط التظاهر السلمي وإعلان ميثاق إعلامي وإجراء مصالحة وطنية، فكان أن قُتِّل المتظاهرون سُجّدا وقياما، ودُشّنت حرب إعلامية تُشيطن الخصوم، بعد منع قنواتهم وتوبعت القيادات المعارضة، بل واتهم الرئيس المنتخب بتهمة القرن: التخابر مع دولة نووية عظمى: حماس.

سقطت الأقنعة وانكشفت المؤامرات والفضائح التي تشكل مادة دسمة وكافية لمسلسل مكسيكي تكبر معه الأجيال يصور الدسائس والفضائح والمؤامرات التي حيكت ودبرت بليل لانتقال ديمقراطي سلس يكون لبلد من عيار مَصر فضل التأسيس له.

بعد هذا، نتساءل: من أسقط من؟ ومن عَزل من؟ واضح أن رجلا/ رئيسا أعزل ليس له حرس أسقط النظام الغربي وورطه أخلاقيا أما شعوبه وهيئاته المدنية التي يقيم لها وزنا، وأسقط “هيبة” مزعومة لحكام عرب دعموا وموّلوا وباركوا الانقلاب وتلطخت أيديهم بدماء من قضَوْا شهداء للشرعية الانتخابية، وأسقط مؤسسات نظام ما زال يترنح، وأسقط نخبا ووجوها إعلامية باعت القضية. بهذا يكون نظام ما قبل 25 يناير قد انهار رسميا، وأصبحت مصر بعد انقلاب 3 يوليوز بدون جيش وقضاء وإدارة وأجهزة أمنية وإعلام.

وعليه، وحيث إنه لا يمكن بناء مرحلة جديدة بركام نظام أورد العباد والبلاد المهالك عقودا، فإن المرحلة تتطلب مصالحة حقيقية تنطلق فعلا مما كرسته 3 يوليوز، لا لإقرار الانقلاب والاعتراف به، بل لتقرير أن مَصر تستحق نظاما سياسيا يرتضيه الشعب، يكفل له الكرامة والحرية والعزة؛ نظام تتحدد معالمه على مرأى ومسمع الشعب، لا في الغرف المظلمة، يُنتدَب لصياغة مشروعه فضلاء الشعب ونزهاؤه الذين يحظون بثقة الشعب ولم يتدنسوا بفضيحة أو تآمر على المصلحة الحقيقية للبلاد.

مصر الآن في مفترق الطرق: تكون أم الدنيا فتسَع كل أبنائها أو لا تكون، فتعم الفوضى والقلاقل والفتن التي يخافها خصوم الأمة خوفا من أن يمتد لهيب نيرانها إلى قرة العين وفلذة الكبد والابن المدلل: الكيان الصهيوني أولا، وخوفا من أن يتطاير لهيب نيرانها فيفجر آبار نفط هو عصب حياة الغرب ومصدر رغده، ثانيا، وخوفا من موجة ربيع عربي ثانية تطيح بعروش الاستبداد أذيال الاستكبار، فتأتي على مصالحهم الحيوية، ثالثا.

الوضع معقد وغالبية النخب احترقت من هذا الفريق أو ذاك، والأعصاب في أوج التوتر، وفي مثل هذه الأوقات الحرجة تبدو قيمة المراجع المجتمعية الرشيدة تؤلف، تصالح، تسدد، تقارب نزعا لفتيل الاقتتال الشعبي، وتفاديا لاصطفاف طائفي أو عقدي يهدد التعايش والسلم المجتمعي.

واللهَ تعالى نسأل أن يُبرم لمصر إبرام عز ورشد، وهو سبحانه مُخرج الحيِّ من الميت، لا يُعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. آمين. والحمد لله رب العالمين.