انصرمت عشر المغفرة، واقتفت خطاها عشر الرحمة، وحطت بعدهما رحالها عشر العتق من النار، فهل من مشمر على ساعد جده ليعتق رقبته من النار، ولا سبيل إلى ذلك إلا سبيل نبي الرحمة عضا بالنواجذ على سنته وتأسيا بعمله؛ فقد كان صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها، بل كان صلى الله عليه وسلم إذا دخلت العشر شد مئزره، وأحيى ليله، وأيقظ أهله، التماسا لفضل ليلة خير من ألف شهر. فرصة ذهبية قد تكون فرصة العمر التي لا تتكرر، فمن يُدريك ـ يا عبد الله ويا أمَته ـ ويدريني أن هذا آخر رمضان تصومه وأصومه، فليس من الكياسة تضييع الفرصة وهدرها، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يحذرنا بقوله: “إن مَن حُرم خير هذه الليلة فقد حُرم الخير كله، ولا يُحرم خيرها إلا محروم”.

شقيّ حُرم من رحمة الله من سنحت الفرصة وأسعفته الأسباب: عافية ووقت، ولم يبادر ليرابط أياما معدودات: عشرة أيام أو تسعة تعدل عمل ثلاثة وثمانين عاما وأربعة أشهر، فيعتكف بنيتين: نية الاعتكاف وهو حبس النفس للتفرغ للعبادة صياما وقياما وتلاوة للقرآن الكريم وذكرا لله، ونية إحياء سنة نبوية غفل عنها كثير من الناس طلبا للعرض النبوي: “من أحيى سنة من سنتي قد أٌميتت بعدي كان له من الأجر من عمل بها..” وعرضه صلى الله عليه وسلم: “من تمسك بسنتي عند فساد أمتي فله أجر مائة شهيد”.

ثواب عملِ عُمرٍ يزيد عن الثمانين حولا، وإحياء سنة من عيار صدقة جارية لا ينضب معين ثوابها ما تُمُسِّكَ بها تعرضه علينا العشر الخواتم من شهر الأنوار والبركات، فيا باغي الخير شمر على ساعدك وشُدَّ مئزرك، وأحي هذه الليالي واقفا متضرعا متذللا بباب الرحمن مُلحّاً في الدعاء سائلا -فهو الكريم الغفور الرحيم- العَفْو والصفح والعتق من النار، ولا تنس أن تسأل الخير لمن تحب ومن تربطك بهم رابطة محبة في الله خاصة حتى لا تكون محبتك لهم ادعاء، واسأل النصر والفتح والتمكين للمسلمين عامة، فالدعاء يستوي ويتِم إذا عمَّ.