عوّل مصممو الانقلاب على الشرعية الانتخابية على عنصر الصدمة والمباغتة، فقد توقعوا ـ متوهمين ـ أن عملية الانقلاب ستكون خاطفة، أشبه بتدخل “كومندو”، وأن الأمر لا يحتاج إلى أكثر من اثنتين وسبعين ساعة ليبسط الانقلابيون سيطرتهم على البلاد؛ لكن استماتة أنصار الرئيس المعزول وصمودهم أربك حسابات الانقلابيين، ومع توالي الأيام بدأت خيوط المؤامرة على الانتقال الديمقراطي تنكشف، وسارعت فئات شعبية واسعة للانضمام إلى جبهة الرافضين للانقلاب، وتوسعت دائرة الاحتجاج لتشمل محافظات عدة.

وأمام هذا الزخم المتنامي لتأييد الشرعية الانتخابية، بدأ المانحون والداعمون للعملية الانقلابية يراجعون مواقفهم، فأمريكا رأت أن الأمر لم يحسم بعد في مصر، وإمارات الخليج قررت التحفظ على بعض ما جادت به من الملايير، والاتحاد الأوروبي لوح بالفزاعة الحقوقية مطالبا في خجل كشف مصير الرئيس المختطف وفريقه.

أمام هذا الوضع، حيث الاتهامات المتزايدة لقيادة الانقلاب وتراجُع الزخم الشعبي المساند للانقلاب وغياب الدعم الدبلوماسي الدولي للعملية الانقلابية باستثناء موقف النظام العربي التقليدي ممثلا في زيارة ملك الأردن للقاهرة وتثمين الكيان الإسرائيلي وإشادته بـ”بطولة” قائد الانقلاب، اضطرت المؤسسة العسكرية لاتخاذ مبادرة التصعيد التي لا تملك سواها، فطالبت الشعب المصري بالنزول يوم الجمعة 26 يوليوز لإضفاء الشرعية على ما يخطط له قادة الانقلاب من مجازر تحت يافطة: التصدي للعنف والإرهاب.

مبادرتان للجيش أو بالأحرى قيادة الانقلاب مختلفان في حوالي عشرين يوما، فالجيش طلب من معارضي الرئيس المنتخب النزول إلى الشارع يوم 30 يونيو، وتفاديا للفضيحة وُظفت تقنية المونطاج فيديو لتسويق صورة لاحتجاج شعبي يرفع الحرج على الداعمين للانقلاب في بلدانهم، وتدخل الجيش وعَزل وعطّل ومنع واعتقل بعد وعده بحفظ الأمن واستقرار البلاد وضمان التظاهر السلمي، فاقترفت المجازر في الساحات، ولم يفرق الرصاص الطائش بين رجال ونساء وأطفال.

اليوم، وبعد تعثر المسار الانقلابي، وتآكل شعبيته واهتزاز الثقة في المؤسسة العسكرية في الشارع المصري، لا تملك قيادة الانقلاب إلا التصعيد الميداني بعدما هيأت الرأي المحلي والإقليمي لقبول خيار المواجهة واستعمال العنف في حق تيار صورته مسؤولا عن الأعمال الإرهابية في سيناء والشريط الحدودي الشرقي والاشتباكات بين المؤيدين والرافضين للرئيس المنتخب.

سؤالان بديهيان: أولهما، ألم يكن مناسبا ودفعا لتهمة الانقلاب العسكري أن يلقي خطاب 24 يوليوز الرئيس المعين المؤقت باعتباره من يدير شؤون البلاد وفق خارطة الطريق المُعلنة؟ ثانيهما، هل قيادة الانقلاب تملك إجراءً غير هذا التصعيدي تفاديا لمزيد من التأزيم؟

فيما يتعلق بالسؤال الأول، تهميش الرئيس المعين المؤقت تحصيل حاصل، فالرجل عُيِّن رئيسا مؤقتا للبلاد قبل أن يُنصَّب رئيسا للمحكمة الدستورية، وبالتالي فالمسكين جيء به ليملأ فراغا في الصورة السياسية، ليس إلا. وهذا دليل قاطع على النية والعزم الانقلابيين.

أما السؤال الثاني، فخيارات قيادة الانقلاب تآكلت بفعل الصمود الأسطوري لجبهة التأييد للشرعية وتوافد شرائح مختلفة من المجتمع على فعاليات الاحتجاج السلمي، وبالتالي فقيادة الجيش بين نارين وضغطين: نار وضغط الشارع الغاضب الذي تجاوز قاعدة الإخوان المسلمين، وإلا كيف تصنف هذه الملايين الغاضبة والتي لم ينل منها تعب الصيام وحر الهجير وحملات التشويش والتشويه في إعلام مأجور؟ فالقول إن المعتصمين بتلك الأعداد هم فقط أعضاء التيار الإخواني معناه أن شعبيتهم فوق ما يتم تسويقه بكونه أقلية منبوذة في المجتمع. والقول بأن فئات شعبية معينة غُرر بها نزلت تؤيد وتناصر الموقف الإخواني معناه، أن الاحتجاج اكتسب شعبية تفرض إعادة النظر في القاعدة التي انبنى عليها الانقلاب أصلا. ونار وضغط الأطراف المانحة والداعمة التي لا تقبل بأي حال فشل المشروع الانقلابي لما فيه من تهديد لشعبيتها ومصداقيتها، كما أنه يهدد بموجة ربيع عربي ثانية قد تهز عروش خليجية تحديدا، ويهدد ـ وهذا هو المهم ـ أمن الكيان الإسرائيلي واستمرار تدفق بترول الخليج نحو الغرب.

قيادة الانقلاب إذن، أحرقت كل أوراقها وغامرت برصيد شعبيتها، وتجزم اليوم ألا نجاة وسلامة لها من المتابعة الشعبية؛ وعليه، وانسجاما مع العقلية العسكرية التي تنزع بطبيعتها للغة الرصاص والبارود يعتبر قرار التصعيد متوقعا وواردا، غير أن إعلانه جانبته الحكمة والرزانة، فجاء رسالة وعيد وتهديد مكشوفة لتيار مجتمعي معين تمسك بسلمية التظاهر وحضاريته ونجح في استمالة نسبة معتبرة من الشعب، بل ورموز من “المتمردين” على الشرعية الانتخابية.

ومع توالي الأسابيع واشتداد التجييش، تزداد الحاجة إلى الفضلاء العقلاء الحكماء لتليين الاحتقان، بحثا عن خيارات ثالثة تتبنى “الحكمة اليمنية” قبل إشعال فتيل التصعيد ونار فتنة قد تأتي ـ لا قدّر الله ـ على الأخضر قبل اليابس في بلد من عيار مصر.

اللهم الطف بأم الدنيا مصر، وهيئ لأرض الكنانة فضلاء حكماء يجنبونها مهاوي القلاقل وسفك الدم المَصري.

آمين. والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه.