تكتسي قضية التعارف، على مدى التاريخ، أهمية كبيرة في حياة الأمم والشعوب والجماعات والأفراد في تمتين علاقات التعاون والتضامن والقضاء على النزاعات والصراعات، ومما يزيد من هذه الأهمية عندنا نحن المسلمين أن نجد لها في القرآن ذكرا وتخليدا. وقد جعل الله تعالى هذا التعارف من أهداف خلق البشر ووجود الإنسان على هذه الأرض. يقول الله تعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير (الحجرات: 13).

هذا التعارف الذي ندبنا إليه سبحانه في القرآن الكريم نفهمه تعارفا إنسانيا عاما، قد يكون دنيويا يهم العلاقات الإنسانية في مجال البحث عن الاستقرار على الأرض، وقد يكون أخرويا وهو المعني بالأساس يهمّ العلاقات الإيمانية بروابط خاصة. وللحديث عن هذا التعارف الأخروي نورد حديثا نبويا عبارة عن حوار شيّق جميل ينمّ عن روح التربية والتعليم النبويين تمّ بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيدنا علي كرم الله وجهه جاء فيه:

عن وهب بن منبه عن طاووس عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعلي ابن أبي طالب: “يا علي استكثر من المعارف من المؤمنين، فكم من معرفة في الدنيا بركة في الآخرة”. فمضى علي فأقام حينا لا يلقى أحدا إلا اتخذه للآخرة. ثم جاء بعد ذلك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما فعلت فيما أمرتك به؟” قال: قد فعلت يا رسول الله. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “اذهب فابل أخبارهم” فذهب ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو منكس رأسه. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبتسم: “ما أحسب يا علي ثبت معك إلا أبناء الآخرة” فقال له علي: لا والذي بعثك بالحق. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين 1 .

هذا الحديث النبوي الشريف فيه من الدروس ما يستفيد المؤمن الكثير، وفي هذه الوقفة معه نحاول بيان بعضها تعميما للفائدة، والله من وراء القصد والهادي إلى سواء السبيل.

سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه يوصيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بأن يستكثر من المعارف من المؤمنين، وقد وصاه في وصية أخرى مشابهة لكنها بصبغة دعوية قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: “فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النّعم” 2 .

هذه الوصية النبوية بالتعارف والتواصل، والتآلف، يزيد من أهميتها أحاديث نبوية أخرى منها:

عن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “المؤمن ألف مألوف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف” 3 . وعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من آخى أخا في الله رفعه الله درجة في الجنة لا ينالها بشيء من عمله” 4 .

وعن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن أقربكم مني مجلسا أحاسنكم أخلاقا الموطؤون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون” 5 .

ومما قيل عن أهمية التعارف وضرورته وأنه لا ينبغي للمسلم أو المؤمن أن يعيش وحده دون اتخاذ الصحبة الصالحة ما يروى أن الله عز وجل أوحى إلى موسى عليه السلام: “هل عملت لي عملا قط”؟، فقال: “إلهي ذكرتك، وصليت لك وصمت لك وتصدقت لك”، فقال: “إن الصلاة لك برهان، وإن الصوم لك جُنّة، والصدقة ظل، والذكر نور، فأي عمل عملت لي”؟، قال موسى عليه السلام: “إلهي دلني على عمل هو لك”؟. قال: “يا موسى، هل واليت لي وليا قط؟ هل عاديت لي عدوا قط”؟. فعلم موسى أن أفضل الأعمال الحب في الله والبغض في الله.

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: لو أن رجلا قام بين الركن والمقام يعبد الله سبعين سنة، لبعثه الله مع من يحب).

وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: والله لو صمت النهار لا أفطر، وقمت الليل لا أنامه، وأنفقت مالي علقا علقا في سبيل الله، ثم أموت يوم أموت وليس في قلبي حب لأهل طاعة الله، وبغض لأهل معصية الله، ما نفعني ذلك شيئا).

وقوله صلى الله عليه وسلم: “استكثر من المعارف من المؤمنين”. هذا شرط في التعارف أن يكون إيمانيا، وذلك لعدة اعتبارات نجد لها أدلة من القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف منها:

إنما المؤمنون إخوة (الحجرات: 10).

“مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى شيئا تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى” 6 .

“المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، وشبك بين أصابعه” 7 .

“لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”.

“الْمُؤْمِنُ مَرْآةُ أَخِيهِ، وَالْمُؤْمِنُ أَخُ الْمُؤْمِنِ، يَكُفّ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ، وَيَحُوطُهُ مِنْ وَرَائِه” 8 .

“هُمُ الْقَوْمُ لا يُشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ” 9 .

“الْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ، وَالْفُرْقَةُ عَذَابٌ” 10 .

المؤمنون يحبهم الله ويحبونه، يثبتهم في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وينصرهم وينصرونه.

“فكم من معرفة في الدنيا بركة في الآخرة”. هذا التعارف بركة في الآخرة أجراً و حشراً. أجراً لأن استكثار المؤمن من المعارف دعوة يجد ثوابها في ميزان حسناته يوم يلقى مولاه، وحشراً لأن من أحب قوما حُشر معهم يوم يقوم الناس لرب العالمين. و“المرء مع من أحب” 11 . وبركة في الآخرة بما هي معرفة لا تنتهي بانتهاء الحياة الدنيا، بل تتجاوزها لتستمر في الآخرة إخوانا على سُرر متقابلين.

“فمضى علي فأقام حينا لا يلقى أحدا إلا اتخذه للآخرة”. وصية نبوية بعدها التنفيذ مباشرة. سرعة في التلقي وسرعة في التنفيذ ذلك ما ميز الجيل الأول من الصحابة الكرام رضي الله عنهم تأسيا منهم بالرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام. فقد جاء في سورة (نوح: 1) أمر الله لسيدنا نوح: أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم، فجاء التنفيذ مباشرة من سيدنا نوح عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم وبدون تردد: يا قوم إني لكم نذير مبين، أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون (نوح: 2-3).

“إلا اتخذه للآخرة” مشروع دعوي إيماني أساسه الصحبة عقدا للأخوة والمتابعة بالتعهد كما يتعهد الواحد منا غرسه لفسيلة حتى تنمو وتكبر.

وقوله صلى الله عليه وسلم: “ما فعلت فيما أمرتك به”. متابعة دعوية بالتذكير وطلب للتقرير حتى يكون العمل الدعوي ناجحاً مثمراً ومستمراً .

وقوله صلى الله عليه وسلم: “اذهب فابل أخبارهم”. هذا تأكيد منه صلى الله عليه وسلم على أن التجميع التكاثري دون اختيار العناصر المؤمنة القوية والصادقة لممّا يجعل رابطة الصحبة والمعرفة يشوبها الخلل.

وقوله صلى الله عليه وسلم: “ما أحسب ثبت معك إلا أبناء الآخرة”. لأن طريق الآخرة وطلب وجه الله تعالى ونصرة الدين لا يُثبّت الله فيه إلا أبناء الآخرة المؤمنين، يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء (إبراهيم: 27).

أبناء الآخرة هم إخوان مؤمنون تربطهم أواصر وروابط سامية عالية بمثابة دستور للمحبة، نجد هذه الأواصر والروابط مجموعة ومرتبة ومنظمة في الحديث القدسي الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل: “حقت محبتي للمتحابين فيَّ، وحقت محبتي للمتواصين في، وحقت محبتي للمتناصحين في، وحقت محبتي للمتزاورين في، وحقت محبتي للمتباذلين في. المتحابون في على منابر من نور يغبطهم بمكانهم النبيون والصديقون والشهداء” 12 .

إن كانت هذه هي الروابط التي تجمع إخوان الآخرة كما عبّر عنها الحديث الشريف فإن وظيفتهم تتجلى في ثلاث وظائف:

– أن يحببوا الناس إلى الله بدلالتهم على التوبة.

– وأن يحببوا الله إلى الناس بتذكيرهم وتعريفهم بنعم الله عليهم.

– وأن يسعوا في الأرض بالنصيحة.

فقد جاء في أثر الإمام الحسن البصري رحمه الله تعالى فيما يرويه عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “والذي نفسي بيده إن شئتم لأقسمن لكم بالله إن أحب عباد الله إلى الله الذين يحببون الله إلى عباده ويحببون عباد الله إلى الله ويسعون في الأرض بالنصيحة”.

ذلك ما فعله الإمام علي ونصح به. فعل ودعوة إلى الفعل، جيل عرف مهمته فقام بها على أحسن وجه. لم يقتصر على التنفيذ والفعل فقط، بل أدرك أنه من المهمات الملقاة على عاتقه أن يشترك معه غيره في ذلك الخير لا يحصره في نفسه، وأن يكون بمثابة قناة موصلة للهدي النبوي إلى غيره. فقد جاء في نهج البلاغة من قول الإمام علي كرم الله وجهه: عليكم بمعرفة الإخوان فإن لكم بكل واحد شفاعة يوم القيامة).

الاستكثار من المعارف من المؤمنين بركة يوم القيامة وشفاعة. فالسعيد المُوفق من عمل بالوصية النبوية ونصح بها كما فعل الإمام علي رضي الله عنه، والدال على الخير كفاعله.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه والحمد لله رب العالمين.


[1] أخرجه الطبراني في الكبير، وأبو نعيم في الحلية-الجزء الرابع ص 22 في ترجمة طاووس اليمني.\
[2] رواه الامام البخاري عن سهل بن سعد رضي الله عنه.\
[3] رواه الإمام أحمد والطبراني والحاكم.\
[4] أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الإخوان.\
[5] رواه الطبراني في مكارم الأخلاق ورواه أيضا الترمذي.\
[6] رواه الشيخان عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم.\
[7] ثبت في الصحيحين من حديث أنس عن النبي – صلى الله عليه وسلم.\
[8] حديث مرفوع عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ رَبَاح، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.\
[9] متفق عليه عن أبي هريرة مرفوعا في حديث طويل في التماس الملائكة أهل الذكر.\
[10] عبد اللَّه بن أحمد في زوائد المسند من حديث الجراح بن مليح.\
[11] متفق عليه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.\
[12] رواه الإمام أحمد وابن حبان والحاكم عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه.\