عهود استبداد وعقود جبري عاض

منذ أن غصب الخلافة الأمويون وأمّتنا تعيش انفصاما نكِدا بين القرآن والسلطان. من أطاع السلطان أذلّه وأغواه، ومن عصاه قتله وأرداه.

ومنذ ذلك الحين والأمّة العربية الإسلامية في سباق محموم بفعل فاعل مشؤوم نحو تضييع الأصول والنسج على منوال غير الفحول.

كان ذلك قبل أن تتفتّت وحدة المسلمين، وتكسر بيضتهم وشوكتهم، ويضعف سلطانهم فيطمع الذي في قلبه مرض ليداهم ويستعمر، أو ليُستدعى لاستعمار مبرَّر باسم الحماية والانتداب، وما شئت من الأسماء والصفات التي تخفي وراءها أنواعا أدهى وأمرّ من الغزو والاحتلال.

رفض من رفض ثم ما لبث أن روض لينقاد لنحلة الغالب بتعبير ابن خلدون رحمه الله، أستغفر الله، فلم تعدم أمّة رسول الله طيلة تاريخها شرفاء أقوياء أمناء لم يكتموا الشهادة، وطلبوا الشهادة بقول كلمة الحق عند كل سلطان جائر. رجال وأيّ رجال!

خرج المستعمر بعد حين من مقاومة مجاهدين، ومعاهدات ومقايضات مساومين رسميين لتجد الأمّة نفسها أمام عقبات وتحديات.

تبعية شبه كاملة، واستقلال صوري، وعقود من الاستبداد أصل كل فساد تحت نيّر حكم ديكتاتوري مُقنَّع بأقنعة غير مقنعة إلا للمستبد نفسه، أو الفاسد ظله، أو الخاضع الخانع القانع رهطه وأهله، وخيلِه ورَجْلِه.

سمّها ما شئت، والتمس لها الأعذار ما استطعت، وابحث لها من الكتاب والسنة عن نصوص تؤصّل لوجودها من أرشيف الماضين، أو من خَرْبَشَات ديدان القراء المحدثين، فلن تعدو عملة وجودهم المشبوهة والمزورة أحد وجهين: وجه ملك عاض وراثي يُبقي من الشريعة على ما لا يتعارض مع مصالحه، ويقر من القوانين الوضعية بما يخدم مصالحه، ويُقْصي من الطرفين ما يفقده الشرعية والمشروعية، أو يشوش على وضعيته المريحة كآلهة بشرية من ماء وطين، معصومة من الخطإ، منزهة عن كل عيب، يؤخذ من كلامها ولا يرد، تحكم وتسود، تقضي ولا يُقضى عليها، وتقدَّم لها القرابين في مواسم مشهودة، وبأشكال غير معهودة.

وأما وجه العملة الثاني فملك جبري عاض، جبري بما هو انقلابي عسكري جاء ضدا على الملك الوراثي، ليغير ما به، فغيره بجبر كاسر، انتقم وثأر فقتل وأسر، وقهر وحصر، ونصب وكسر، ووعد وأخلف، واستبدّ وأسرف، وأفسد وأتلف، ولم يكن من سابقة أشرف ولا أنظف.

وعاض زاد الطين بلّة، والحشف سوء كيلة أن أضاف إلى طين الوراثة العضية بِلَّة كفر وإلحاد، وإلى حشف الإفساد واسترقاق العباد باسم الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والقومية العربية، والمقاومة والممانعة والجماهيرية الشعبية سوء كيلة علمانية حداثية وجودية بعثية أو عبثية لا تؤمن إلا بالمصلحة الذاتية الأنانية، المستعلية المستغنية الطاغية المتمتعة.

امتعاض واعتراض

عُمر الظلم قصير وإن طال، والباطل وإن أقنع أغرارا، وحقق انتصارا واستمرارا واستقرارا واستثمارا وانتشارا فهو لا شك إلى بوار واندثار، واندحار أو انتحار.

وللسقوط علامات، وأسباب ومسببات، وآثار وتجليات.

لم يكن جسد بوعزيزي المجاز المعطّل المـُهان في تونس الطاغية المتأله إلا أحد هذه الأسباب. أوقدها في جسده فاشتعلَت في بلده، وأصابَت عدواها أقطارا غير بلده.

سقطَت رموز أنظمة وتزعزعت أنظمة في ديكتاتوريات جبر عاضّ. هرب من قُطْر الانبعاث الثوري، من تونس الخضراء من نفى وهرَّب، وسُجن في أمّ الدّنيا من سجَن وعذَّب، وأُحرق في يمن الحكمة والإيمان من أحرَق ونهَب، وقُتِل في ليبيا المختار قذاف الدّم من قتَل واغتصَب، ورُوِّع في شام العزّة من استأسَد وأرهَب…

والمشترك بين هذه الأنظمة ورموزها: تأله وإلحاد، واستبداد وفساد، واستكبار واستعباد، هذا مع وهم الخلود، والوعد بتوريث الأولاد وتجريد الإسلاميين من حقّ الوجود، أو لا أقلّ من منعهم من حق تعبيد العباد لربّ العباد.

أما في ديكتاتوريات الملك العاض فالأمر أقلّ خطورة جورا وثورة، ومع ذلك فقد عرفت أنواعا لا يستهان بها من النوازل والزلازل والقلاقل والبلابل:

في الخليج تظاهر حشود ضد الحيف والتهميش والتمييز المذهبي في أماكن متفرقة من السعودية.

وتحرّكَت كراسٍ كانت ثابتة مستقرة في الكويت، واندلعت انتفاضات ملتهبة لأيام في ربوع السلطنة، واضطر المُلك في البحرين للاستنجاد بمجلس التعاون على البر والتقوى لحسم الثورة المشتعلة بأنواع متعددة من الدعم: بالإعلام والمال، والقضاء والقُوى.

وفي الإمارات اكتُشف عمل إسلام سري واعد يتقوى.

وفي قطر الدوحة الواحة وسط هذا العالم الخليجي المصحّر، المعرّى من كلّ حسّ ديمقراطي معتبر، أو حتى منتظر، تم انتقال سَلِس للسلطة مبتكر، انتقال من الأب إلى الابن بشكل ميسر عليه أكثر من علامة تعجب واستفهام معلن ومضمر.

أمّا الملك العاض خارج خليج الحفاظ على الاستقرار بالنفط والمال والغاز والإعلام والنار ودعم الكبار فقد عرف أكثر من نزال وزلزال.

في الأردن مظاهرات أقامتها حركات إسلامية بلغت شعاراتها المرفوعة سقف إسقاط النظام.

وفي المغرب سقط النظام في لعبة امتصاص الغضب الشعبي، وإطفاء فتيل الثورة بدستور ممنوح مستعجل أضاف إلى السلطة الشاملة للحاكم السائد وعودا عرقوبية لا تتحقّق في ظلّ الملك المطلق، وأسْلمة حكومة ترقيعية قوامها التوافق بين إسلاميّ معلّق، ومستقلّ مُطلَّق. كلٌّ يدّعي حبّه لليلى وقيس ليلى لا غرب ولا شرق، بل ظلّ خارج الحلبة، واللعبة الكِذْبَة، يُوسُفِيًّا نقيا قدْ قُدَّ قميصه من دبر فلا هو أراد بأهله سوءا، ولا هو استجاب لما يدعونه إليه، ولا هو كأخيه الأقرب إليه، والأحب إلى قلبه نهب وسرق.

وفي كلّ هذه البلاد ظلّ المسلم النقي التقيّ، القوي الأبيّ، رغم المحاولات الكواليسية الكوابيسية الإبليسية البئيسة لتخويف الناس منه، وتشويه صورته، وتأليب الرأي العام ضدّه بإعلام مسعور، وقضاء مأجور، وتعليم ملغوم، وبلطجية فكرية متعددة المرجعيات واللغات والمنهجيات، ظل اللطيف الذي لا يخيف، العادل الذي لا يحيف، المحسن الذي يعفو عمن ظلمه، ويصل من قطعه، ويعطي من حرمه بلا انتقام ولا تعنيف. الشريف الذي يتأبى أن يكون ملتقط فتات موائد اللئام، فأحرى أن يساوم على القيم والمبادئ التي أسّس حركته عليها وقام وأقام عليها واستقام.

مخاض وإجهاض

في بلدان الربيع العربي استبشر المسلمون بأمّة ودود ولود موعودة بمولود. لكن منع هذا المولود من الوجود، ووأده بعد الميلاد السعيد كان قصيد البيت الأبيض، وبيت قصيد الأبيض.

في البحرين أقرّ مجلس التعاون قانون تحديد النسل بدعوى أن الولد الآتي شيعي مرتدّ.

وفي اليمن اهتدى المشرع إلى آليات العزل قبل الحمل بدعوى تنظيم النسل.

وفي ليبيا وزعت عقاقير منع الحمل بدعوى أن القادم أسوء وأضل.

وفي سوريا تم الإجهاض مرات ولا من حلّ، لأن المولود مشكوك في نسبته لأب شامي مؤصل.

وفي تونس ما زال الجدال قائما – والأمة/الأم في حال مخاض- هل يتم إمساك المولود على هون أم دسّته في التراب خشية عار أو إملاق أو الرضا بمشوه معاق.

وفي مصر تم الوأد بعد ولادة قيصرية لم ينفع قبلها محاولات منع الحمل بعقاقير وعزل، ولا محاولات إجهاض الحمل بإجهاز وبتر وقتل.. تم بأمر مدَبَّر في أكثر من لقاء سري ومؤتمر، وتدبير من جيش مستأجر مُعَدّ لأكثر من عِقد لفسخ كل عَقْد مصادق عليه غير مزور. وبمباركة من مبارك وفلوله، وتمهيد بإعلام فرعوني هاماني قاروني بمزاميره وطبوله، وخليج داعم ببتروله وسيوله، واتحاد أوربي مُزَكٍّ برضاه وقبوله، وصمت عربي دولي رسمي مقرّ بمرئيه ومسموعه ومكتوبه ومنقوله، وثابته ومحموله.

وقد حضر عملية الوأد وصادق عليها الأزهري بفتواه ودعائه وبيانه، والقبطي الثالوثي بصليبه وصكوك غفرانه، والعلماني بمختلف أطيافه وألوانه، والقضاء بمستشاريه وكتابه ووكلائه وأعوانه، وأَمَّن سير عملية الوأد العسكر بقرونه وأظافره وأسنانه.

وأرسل رسالة تهنئة إلى الساهرين على العملية الناجحة: ولاية الفقيه في إيرانه ولبنانه، وصهيون في مستعمراته: قدسه وسينائه وجولانه. وبشار الأسد في محتجزه بالشام، دمشقه وحلبه وحمصه وحورانه…

كلّ يهنئ صناع عزل مرسي ووأد المولود الشرعي بأم الدنيا وعلى رأسهم قائد العملية السيسي بهذا النجاح الإبليسي ويقدم التهاني والتحايا والهدايا، وفي الساحة العدوية كبر دعاة الشرع حماة الشرعية تكبيرة رابعة على الديمقراطية.

تكبيرة رابعة عدوية على الديمقراطية في أم الدّنيا

قبل أن نكبر أربعا على الديموقراطية كسلعة غربية مهربة وصلتنا منتهية الصلاحية في ديكتاتورياتنا العضية الجبرية، والجبرية العضية، لطيف أن نسأل هذا السؤال المركب المشعب المعلب: إذا عُرضت عليك دورة تكوينية في مختلف المجالات الأساسية الحيوية، وبتأطير من خبراء عالميين أكاديميين من مختلف القارات، وبمتعدد اللغات، ومن خلال عدد لا يحصى من القنوات، وأنت في منزلك بين أهلك وذويك، ممدد على سريرك، أو ملقى على أريكتك، وأمامك ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين من أنواع الأكل والشرب، وبين يديك آلة تضغط على زرها، فإذا أنت السائح المتنقل بين قاعات واستوديوهات وصالونات. قل لي: ما الثمن المحصل من جميع هذه الخدمات؟ لا شك سيغمى على المسؤول قبل أن يجيب لهول ما جمع من حسابات.

غريب عجيب أن تكون الأمة العربية الإسلامية من خضعت طوعا وكرها لهذه الدورة التكوينية، ولسنوات لا لمجرد شهور أو أيام أو ساعات، وبالمجان، مع اختلاف طبعا في أجهزة التلقي والاستقبال، وأدوات البث والإرسال، والقدرة على التحمل والخبرة في التشغيل والاستعمال، والحد الأدنى المتاح على كل حال، لا يقدر بمال. مجرد سؤال.

أربع تكبيرات على الديمقراطية:

التكبيرة الأولى: أن الديمقراطية في عقر دارها معتوهة مشبوهة لأنها تستغفل الناس بدعوتهم إلى الاختيار مما تقرر. وتقول لهم أنتم أحرار في زنزانتي. وقد سئل الحمار، وهو عليم حبير بسياسة الكبار الراكبين على الظهور باستكبار واستعمار واستحمار كما قال علي شريعتي- والحكمة ضالة المؤمن حيث ما وجدها ومن أي وعاء خرجت – سئل الحمار ماذا تختار؟ هل المرتفع أم المنحدر؟ أجاب باختصار: لعنة الله عليهما جميعا.

ومع ذلك حلم يقظة لا منام أن يشتهي العربي المسلم عقد قران على ديموقراطية من قبيل خضراء الدمن، امرأة حسناء بسياستها التشاركية التوافقية صنيعة انتخابات شفافة نزيهة، وبعدالتها الاجتماعية التي تتكافأ فيها الفرص، وتقسم فيها الأرزاق بلا حيف، وتفصل فيها السلط بلا وصاية أو شطط، وتعطى فيها الحريات العامة للخاصة والعامة، بلا استثناء ولا إقصاء. حسناء لكن في منبت سوء، حيث المصلحة والمنفعة هي الدين المعتبر، وحيث الإنسان مقطوع عن العالم الآخر، الدنيا جنته، وهو فيها عبد شهوته وهواه لا أقل ولا أكثر.

وأما التكبيرة الثانية فآتية من أن الديمقراطية مهما تنقّبت واحتجبَت، وتزيَّنَت لعريسها المهوس بحبها فهي علمانية تفصل الدين عن الحياة وتجعله شأنا خاصا لا حق له في أن يحشر أنفه في تدبير الشأن العام الذي هو حكمة بشرية أرضية مفصولة عن السماء، قوامها حكم الناس أنفسهم بأنفسهم، دون وصاية من إله، أو حجر من رسول، واستنادا إلى معقول لا منقول، وإلى أغلبية ولو كانت مصنوعة، واختلاف مفتوح مسموح به في مائدة التنوع والتكامل ولو كان بين ماء وحليب وشاي وقهوة وخمرة. هذا مختلف فيه بين ذوق وذوق، ولا مكان فيه لحلال وحرام، وكل مختلف فيه يستوجب الاحترام، وتحسم في قبوله ورفضه أصوات الأنام، لا نصوص وأحكام.

وأما التكبيرة الثالثة:

فهي أن الديمقراطية حتى وإن طُبّقَت بشكلها المبتذل في إطار الاختيار مما تقرّر، واختيار الناس من يحكمهم بشفافية ونزاهة بلورية وتحت مراقبة دولية، وبعفوية إرادية، وتكافؤ فرص، وبأغلبية مطلقة أو نسبية، وباحترام المواعيد، والوعود، وانتفاء الضغوط من بروق ورعود، من داخل الحدود وخارج الحدود- وهذا في بلداننا العربية الإسلامية حبر على ورق، وحلم لم يتحقق، وأمر لم يطبق، فإن الردة على هذه الديمقراطية هو الواقع الموثق في ما سبق وما وقع، وما يُتوقع أن يلحق.

إما أن تتنازل للعلمانية عن كرسي الرئاسة وأنت صاحب الأغلبية والغلبة فتأمن – إن أمنت – من كيدهم ومكرهم، وإجهاضهم لما حملته وحَلَمْت به، وحلِمْت في تنزيله على حساب دينك وأمانتك، فيكون نجاحك رهينا برضاهم وقبولهم وأخذهم القسمة الكبرى من الكعكة، وجعل قسمتك ضيزى، وحملك بالزيزا على أن تترك لهم الحبل على الغارب، وتحقق لهم كل المطالب والمآرب، وتحافظ لهم على ما ورثوه من المكاسب، وتزيد عليها بما يقارب أو يغالب.

هذا ما وقع ويقع في تونس، والنهضة رجال شرفاء فضلاء أقوياء أمناء. وكل ابن آدم خطاء ولكنهم أصح حديث في الباب، وسياسة البلاد بالوكالة حديث ضعيف أو موضوع، كنت أنت الوكيل كما في المغرب حيث الإسلاميون لا يقلون المنخرطون في اللعبة لا يقلون شرفا ونزاهة وأفضلية، أو كنت أنت الموكل كما في تونس الخضراء بنهضتها لا خلاف؛ لأن النتائج ثمار الأسباب.

وأما إذا انتَزعْتَ الرئاسة من بين فرث ودم، وظفر وناب، فلك أن تُدخل في الحساب مختلف الأحزاب، وإعلاما لن يهادنك، وقضاء لن يساكنك، وعسكرا مأجورا مأزورا لن يحميك، بل سينقلب عليك، وفنانين سيُبدعون ما به يشوهون سمعتك، وينشرون غلطتك، ويحفرون حُفرتك، وشياطين إنس وجن يوحي بعضهم لبعض زخرف القول غرورا، وعملاء مستأجرين يستعدون عليك بالمال والوعود بلاطجة من كل طيف وصنف حتى يحملوك مستفزين على عنف وعنف مضاد، ويسلموك بعد ضربك والشكوى منك للأمن القومي قتيلا أو جريحا مأسورا، وقبطي يُصلي لفشلك ويُعمل صليبه لشراء الضمائر تضليلا وتبشيرا، ونور يُضيء للظلام جسر العبور نحو القضاء عليك عذرا وتبريرا وتغريرا، وأصحاب فكر ورأي ينتقدونك بصدق وصواب، لكن نقد الخاطئ المظلوم دعم للمخطئ الظالم إن ملت على الأول عُتبا وتعزيرا، وقابلت خطيئات الظالمين بالشيطنة الخرساء، أو تسوية بلهاء بين الضحية والجلاد وهل يستويان مثلا مساءلة وملامة وتشهيرا.

كان الله في عونك وأنت تحاول تطهير مستنقع من داخله. سئل مدرب كرة قدم خبير قدير، لماذا فشلت في تدريب منتخب الأسود؟ قال لأني ألفيتهم بعد تدريبهم غير أسود، وبلوغُهم لهذا القدر من الفشل شرف لي ولهم، وإلا كانوا يحققون ما هو أقل.

فكان الجواب من الصحافي سؤال من قبيل ما قل ودل: ولماذا قبلت الدخول في هذه المغامرة وأنت تعلم أنها إلى فشل؟ …

فكيف إذا كان المدرب وهو شريف نظيف حصيف قد طُلب إليه أن يدرب منتخبا إسلاميا في وقت وجيز، ليواجه بقية العالم، والحَكم خَصْم له، والجمهور بين نظيف يُكبر ويصفق، وغير نظيف يسب ويضرب بالحجر والنار أمام أمن منحاز للأشرار، ومصادر لحق الأخيار الأحرار في دخول المضمار؟ وقد طردوا المدرب بدعوى رفضه قبول الأحكام الصادرة في حق لاعبيه بصفراوات إنذار وحمراوات طرد وضربات أخطاء مفتعلة وضربات الجزاء المبتذلة، وإلغاء أهداف بدعوى الشرود. وبالتشويش على حارس المرمى بشبَبَة جهلة، وأغيلمة سَفَلة، وفنانين راقصين على الجراح، زاحفين على البطون، متقنين لغناء العواء والنباح والنواح، أفلا تكون مباراة من هذا القبيل هزيمة لا محالة للمنتخب، وانتصارا بالوكالة للعالم الوسخ المتفسخ الممسوخ المستلب، بل هي في حقيقة الأمر انتصار ضمني لمنتخب نظيف مكبل مغلول على بقية عالم معلول غير معقول ولا مقبول ولا مسؤول، ولو انهزم المنتخب بأكثر من “كُول”.

وأما التكبيرة الرابعة على أم الدنيا:

فإني أستسمح القيمين على منصة ساحة رابعة العدوية أن يسمحوا لي في وقت الاستراحة أن أقرأ عليهم مذكرات عالم وفق دراسة، مرب بحكمة وفراسة، مجاهد قمة في السياسة كياسة وممارسة علَّهم يجدون فيها إمتاعا ومؤانسة، ومواساة ونفاسة في تدبير الشأن العام بما يقيم للبناء أساسه، ويقي أهله كل فشل وانتكاسة.

وأستحلفك بالله، لا تتعجل الحكم علي بالتحيز لفلان، أو الإشهار والإعلان لجماعة بعينها، أو التسويق والترويج لمشروع بذاته. ولتكن الحكمة ضالتك، خذها من أي وعاء خرجت، لا يهم من قال، ولكن يُهمني ويُهمك أن كان من الرجال الذين عاشوا أسوياء وماتوا أنقياء، وكان ما قالوه نموذجا ناجحا راجحا صالحا على مستوى التنظير والفراسة، وعلى مستوى التأطير والممارسة، وعلى مستوى النتائج والثمار. وقد أفضى إلى ما قدم ومشروع أن نذكر موتانا بخير فكيف وقد أفنوا عمرهم في الخير والدعوة إلى الخير.

يقول الإمام المجدد الشاهد المجاهد عبد السلام ياسين رحمه الله فيما سمعناه منه مشافهة:

1- الدخول إلى المعترك السياسي بشروط الأغيار انتحار).

2- ويقول جزاه الله عن المسلمين خيرا: من دخل المعترك السياسي بشروط غيره حرم فضيلتين: فقه الواقع وفراسة المومن).

3- ويقول نفعنا الله بذكره: هناك من أدخل رأسه في النخالة وتعفف الدجاج).

4- ويقول سدد الله رمينا بقوله: من البلادة السياسية أن تعالج موقفين مختلفين بعقلية واحدة).

وفيما كتب رحمه الله بين ثنايا صفحات “منهاجه النبوي تربية وتنظيما وزحفا” ما يبين المحجة للسائلين طالبي الحق والحقيقة، ويقيم الحجة على الضالين أعداء الحق والحقيقة.

في مقدمات منهاجه يقول رحمه الله:

بديهي أن الذي يكتب في التنظيم الإسلامي في وقت تتآمر فيه قوى الشر على المؤمنين ليس من الغباء بحيث ينظم تنظيما سريا. فإن أوذي على الكلمة الحرة فستبقى الخطة وسينظم ويربي آخرون، وسيذهب الصف الأول والثاني. لكن النصر للمؤمنين موعود ولو كره الكافرون. نطالب بحقنا بموقع أقدام تحت الشمس. ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون).

من كان من إخوتنا وأخواتنا يلتاع لضياع القضية الإسلامية ويتشوف لقيام حركة إسلامية منظمة و يأنس من نفسه الاستعداد والرغبة ليبني مستقبل الإسلام فسيفهمنا ويؤيدنا ويتأمل عرض تصورنا لمنهاج العمل. فبدون تصور واضح لمنطلق الحركة وسيرها وأهدافها ومراحلها لن نستطيع بناء. ومن لا لوعة له على الإسلام ولا عزم له على جهاد فلا كلام معه).

الأمة فيها خير لكنها ضحية التضليل والتهييج الحزبيين، وحملات التشكيك في الإسلام ودعاته عاتية، فلكي ننازع دعاة الجبر والتضليل القائمين على أبواب جهنم كما جاء في الحديث، لا بد لنا من تربية وتنظيم صف متراص من المومنين يتوسطون الشعب، ويقيمون صلبه، يتغلغلون في بيئاته، شاهدين، حاضرين، ثابتين على خطى هادفة، يأتم الشعب المسلم بها، ويتبعها، ويساندها، ويستلهم من رسوخها في الحق ودؤوبها على السير في جادة الجهاد معاني الاعتزاز بالله ورسوله ودينه، ومعاني العطاء في سبيل الله حتى الشهادة، على شريعة مستقيمة لا تتلوى، وعلى منهاج لا تضطرب بالسائرين عليه مفاجآت الرزايا).

إن كان صناع الثورات لا يعرفون من التربية إلا التثقيف الإيديولوجي يتلوه الانضباط الحديدي في التنظيم، فإن صناعة القومة تريد من جند الله، مع الإيمان بالله والسباق إليه، مشاركة في الفهم والتنفيذ بحافز من داخل، بحافز الإيمان والبذل في الله. ولا تأتي الطاعة لنظام الصف إلا مكملا من خارج).

أمرنا الله عز وجل أن لا نطيع أمر المفسدين. قال عز من قائل على لسان صالح عليه السلام يخاطب قومه:)ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون. (سورة الشعراء، الآيتان: 151-152).

والأمر سار فينا إلى يوم القيامة. فعندما تتألف الموجة العارمة يستطيع المؤمنون إيقاف الفساد بالعصيان الشامل، والإضراب العام، والنزول للشارع، حتى يخزي الله المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون. على أن القومة قد تشق وسط الأحداث المتموجة طريقا إلى الإسلام غير هذه المحجة الناصعة. فيربى المؤمنون على الصمود الطويل، دون رفض الفرص التاريخية والفجوات والثغرات في صف المسرفين. ويرصد الصف الإسلامي على سلوك تلك المسيرة القاصدة دون أن يمنعه ذلك عن النفاذ إلى الحكم من مسارب جانبية كلما كان التسرب حكمة. هناك خطر احتواء الموجة الإسلامية بإفساد الرجال، والكيد للحركة، والانحراف بها. ولكن متى كانت التربية إحسانية، وكان الجند وقادة الجند ربانيين، فإن لعبة الاحتواء تنفضح وتنهزم آخر الأمر).

صمود ومرونة، خط ثابت وحركة حكيمة. لابد أن نعرف قواعد الحرب السياسية المحلية والعالمية. ولا بد أن يكون للتنظيم المجاهد أفق فكري، ومواضع أقدام على رقعة السياسة، واستعداد لمزاحمة الأعداء ومكايدتهم ما دامت الموجة العارمة لما تتألف. ولا بد أن تكون التربية إعدادا شاملا لذلك المؤمن المجاهد الذي ينبري أمام العدو، يعرض صدره للرصاص والدبابات عند الحاجة، لكنه يتجهز بكل أسباب القوة العلمية والعملية ليساهم في الصف وراء القيادة في التقدم خطوة خطوة بالقضية الإسلامية، سرا وجهرا، كرا وفرا، يوما لنا ويوما علينا، حتى النصر إن شاء الله).

وكلام الرجل في “المنهاج النبوي” كتابا وفي غير الكتاب مما فصل فيه القول حول مشروع المنهاج النبوي خطة علمية عملية كاملة متكاملة لمن أراد أن يمضي على البينة والبصيرة، ويسلك الطريق اللاحب بصوى ومعالم واضحة، ومنارات مضيئة، حتى لا يزيغ السائر عن غايته، ولا ينحرف قطار مسيرته عن سكته، سكة الحق والصواب والحكمة وفصل الخطاب. نسأل الله لإمامنا المجدد الرشيد السعيد الرحمة والمغفرة وأن يجزل له العطاء والثواب، ونسأل الله لنا وللمسلمين في كل مكان، وخاصة في تونس النهضة وغزة العزة وأم الدنيا بنت الآخرة، النصر على أعداء أنفسهم البائعين آخرتهم بدنيا غيرهم وأن يكونوا دعاة رحمة وحلم وحكمة لا طلبة كراس صناع مآس ضحية شياطين من جن وناس، وللراغب في التماس حكمة الرجل والاستئناس بها في إقامة بناء على أساس، فليرجع إلى كتابه “المنهاج النبوي” ليستلهم منه العلم الذي هو إمام العمل ليكون السير بالله لله ومع الله، لا إله إلا الله محمد رسول الله، عليه صلاة الله وسلام الله، وآخر دعوانا أن الحمد لله.