ها هي ذي عشر الرحمة قد انصرمت، وها هو ذا ثلث رمضان قد مضى، وها هي أيامه المنورة ولياليه المباركة تتسرب تباعا، ولا تعود إلى يوم القيامة، شاهدة على أعمالنا، مقيمة الحجج على المقصرين، مباهية بالمجدين.

صامَ حقا من صام إيمانا واحتسابا، وصام عادة وعُرفا وتقليدا من شارك الناس أحوالهم في هذا الشهر من غير أن يكون لديه الحافز الإيماني الذي يطلب به العبد ما عند الله فيه. وحلَّى لسانه وفمه وجوفه من ابتعدَ عن اللغو ونأى عن الرفث وهجر قول الزور وعفَّ عن الحرام وانشغل بذكر الله، وخاض في الفتنة وفي لجج الدنيا وضجيجها متسيِّبا قولا وفعلا من لم يعبأ بحُرمة هذا الشهر الفضيل. وقامَ الليل وناجى وبكى على أعتاب العبودية وطهر روحه ونوّر قلبه وعطّر كيانه من قام سائلا المولى القبول والرضا، ودعاه وهو السلام وناجاه بأطيب كلام، وأهدر النعمة وكفرها من أتلفَ الوقت أمام الشاشات لاهيا، وفي جلسات السمر الدنيوي عابثا، وفي شأن من شؤون الناس خائضا، ونام عن حزبه وورده وفرضه ونفله نوم من لا همّ له ولا حرقة ولا خبر عن الرجال الفائزين في شهر الله بفضل الله مع الركب السائرين إلى الله جهادا للنفس وبذلا للخير وثباتا على العهد.

أين أنا من هؤلاء وأين أنتَ؟ من أي صنف؟ في أية خانة؟ مع أي ركب؟ وفي أي اتجاه؟ وما اسمي وما اسمك في لوائح المغانم والمغارم؟

أيام ومواسم الخيرات والبركات تنقضي، فهل كنا فيه ممَّن استجاب لنداء المنادي “يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر”؟ أم غلبتنا النفس وجرفتنا العادة واستهوتنا الغواية واستحلينا الغفلة؟

أمامَنا عشر مغفرة وعشر عتق من النار، ونملكُ إن جددنا النية ثلثي رمضان، فالبدار البدار.. والتوبة التوبة.. والإقبال الإقبال.. فإن رمضان شهر عبادة وطاعة وتقوى وجد.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “رغم أنف امرئ دخل عليه رمضان، ثم انسلخ قبل أن يغفر له” فتَنَبَّه يرحمنا ويرحمك الله.